
الکاتب: المولوي رحمت الله "عبيد"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
(القسم الرابع والثلاثون)
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله وعلم الحديث
الاعتراضات النظرية:
في الاعتراضات النظرية على الإمام أبي حنيفة رحمه الله يُذكر ثلاثة اعتراضات:
الاعتراض الأول: قلة الأحاديث المروية عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
ومن الاعتراضات الموجَّهة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أن مشاركته في علم الحديث كانت قليلة، وأن عدد الأحاديث التي كانت محفوظة لديه قليل؛ لأنه لو كان يحفظ عددًا كبيرًا من الأحاديث لكان قد رواها ونقلها.
الجواب عن هذا الاعتراض:
والجواب عن ذلك: أن القول بأن عدم رواية الأحاديث يدل على عدم العلم بها قولٌ غير صحيح؛ لأن التمكن في علم الحديث لا يُشترط فيه أن يروي الإنسان كل ما يحفظه من الأحاديث.
ولو كان هذا الاعتراض صحيحًا، للزم مثله على الصحابيين الجليلين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ فإنهما كانا أكثر الناس ملازمةً لرسول الله صلی الله علیه وسلم، فقد صحباه في السفر والحضر والجهاد والدعوة، وكانا من أكثر الصحابة علمًا بأحاديثه وأحواله.
ومع ذلك فقد رُوي عنهما عددٌ قليل من الأحاديث مقارنةً بغيرهما من الصحابة، ولم يكن ذلك دليلًا على قلة علمهما بالحديث، بل كان لأسباب أخرى تتعلق بالتحري والاحتياط في الرواية وغير ذلك.
ولو سلَّمنا جدلًا بأن قلة الرواية تدل على قلة حفظ الأحاديث، فإن الاعتراض على الإمام أبي حنيفة رحمه الله بأنه روى أحاديث قليلة، أو ما ذكره ابن خلكان من أن شروط الإمام أبي حنيفة رحمه الله في تصحيح الحديث كانت شديدةً جدًا، حتى قيل: إن الأحاديث الصحيحة عنده لم تكن إلا سبعة عشر حديثًا، هو اعتراضٌ لا وجه له.
ولو لم نغض الطرف عن الحقيقة، لظهر لنا أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله قد رُويت عنه أعدادٌ كبيرة من الأحاديث، فمن مسانيده – إضافةً إلى مسند الدارقطني، ومسند ابن شاهين، ومسند الخطيب البغدادي، ومسند ابن عقدة – أن الإمام محمد بن محمود الخوارزمي رحمه الله ألَّف كتابًا سماه:
«جامع مسانيد الإمام أبي حنيفة»
وقد جمع فيه خمسة عشر مسندًا من مسانيد روايات الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
ويقول العلامة العيني رحمه الله: إن مسند ابن عقدة وحده مسندٌ كبير، وقد أورد فيه ما يقارب ألف حديث.
فهل يُعقل أن يُقال عن شخصٍ له نحو عشرين مسندًا من مسانيد الرواية: إن أحاديثه قليلة، أو إنه لم يكن يحفظ إلا القليل منها؟ كلا، وحاشا؛ أي: لا، ليس الأمر كذلك أبدًا.
بل إن أحد تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله ذكر أن عدد الأحاديث التي رُويت عنه يزيد على سبعين ألف حديث.
وأمرٌ آخر: لو كان الاعتراض بسبب قلة الرواية يُعد طعنًا في مكانة الإمام أبي حنيفة رحمه الله في علم الحديث، للزم أن يُقال مثل ذلك في حق الإمام الشافعي والإمام مالك رحمهما الله؛ فإنهما قضيا زمنًا طويلًا في طلب الحديث، ومع ذلك فإن عدد الأحاديث التي رُويت عنهما ليس بمقدار ما يتوقعه بعض الناس بالنظر إلى مدة طلبهما للحديث.
فكيف يكون من العدل أن يُوجَّه هذا الاعتراض إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولا يُوجَّه إلى الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله؟! [1]
سبب قلة رواية الأحاديث:
والحقيقة أن السبب في قلة الرواية عن بعض الأئمة في القرون الخيرية يرجع إلى أن المحدثين كانوا على قسمين:
القسم الأول: قومٌ كانوا محدثين فقط، ولم يبلغوا درجة الاجتهاد، فكانت مهمتهم الأساسية جمع الأحاديث وروايتها ونقلها.
والقسم الثاني: قومٌ جمع الله تعالى لهم بين قوة الحفظ وسعة العلم، ومنحهم كذلك نعمة الاجتهاد، ولما كان المقصود الأكبر من رواية الحديث هو استنباط الأحكام الفقهية منه، فقد صرفوا عنايتهم إلى فهم النصوص واستخراج الأحكام والمعاني منها، بدلًا من الاقتصار على مجرد رواية متون الأحاديث؛ ولذلك لم تُنقل عنهم أعدادٌ كبيرة من الروايات كما نُقلت عن بعض المحدثين الذين كان جلُّ اهتمامهم الرواية.
ولما كان الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي رحمهم الله جميعًا من كبار المجتهدين، فقد اشتغلوا باستنباط الأحكام الفقهية، وبناء المسائل الشرعية على الأدلة؛ ولذلك نُقلت عنهم مسائل فقهية كثيرة، ولم تكن كثرة الرواية المجردة هي المجال الذي اشتهروا به كما اشتهر به غيرهم من المحدثين.
الاعتراض الثاني: عدم رواية الشيخين عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
ومن الاعتراضات الموجَّهة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أن الشيخين، أي: الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله، قد رويا في كتابيهما عن مئات الأئمة والمحدثين، لكنهما لم يرويا حديثًا واحدًا من طريق الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهذا يدل – بزعم المعترضين – على أنه لا يوجد في أحاديث الإمام أبي حنيفة حديثٌ صحيح؛ لأنه لو كان عنده حديث صحيح لرواه الشيخان.
الجواب عن هذا الاعتراض:
وهذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله لم يقصدا استيعاب جميع الأحاديث الصحيحة في كتابيهما، بمعنى أنه ليس كل حديث صحيح قد أُدرج في صحيح البخاري وصحيح مسلم، بل بقي عددٌ كبير من الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين، وقد رواها أئمة الحديث الآخرون، وقد صرَّح الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله بذلك.
قال ابن الصلاح رحمه الله:
«لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما، ولا التزما ذلك».
أي: إن الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله لم يجمعا جميع الأحاديث الصحيحة في كتابيهما، ولم يلتزما استيعاب كل ما صح من الحديث.
وثانيًا: كما أن أحاديث الإمام أبي حنيفة رحمه الله لم تُذكر في الصحيحين، فكذلك لا توجد فيهما روايات كثيرة عن الإمام الشافعي رحمه الله، بل إن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، مع كونه من أكثر الأئمة المجتهدين روايةً للحديث، لم يُنقل عنه في صحيح البخاري إلا عددٌ قليل جدًا من الأحاديث، قيل: حديثان أو ثلاثة فقط.
فلو كان عدم ورود روايات شخصٍ ما في الصحيحين دليلًا على ضعفه، للزم أن يُقال مثل ذلك في حق الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله، وهذا لا يقوله أحدٌ من أهل العلم.
فلماذا يُجعل هذا الأمر اعتراضًا خاصًا على الإمام أبي حنيفة رحمه الله دون غيره من أئمة الإسلام؟
منهج الشيخين (الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله) في رواية الأحاديث:
والحقيقة أن مقصد الشيخين، الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله، في كتابيهما لم يكن جمع جميع أحاديث كل إمام ومحدث، وإنما كان من مقاصدهما جمع أحاديث بعض المحدثين الذين لم يكن لهم تلاميذ كثيرون يعتمد عليهم، وكان يُخشى أن تضيع أحاديثهم بوفاتهم.
أما الأئمة الكبار، مثل الإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد رحمهم الله، فقد كان لكل واحد منهم مئات من التلاميذ والرواة الذين نقلوا علمهم وأحاديثهم، فلم تكن هناك خشية من ضياع مروياتهم؛ ولذلك لم تكن الحاجة قائمة إلى إيراد جميع رواياتهم في صحيحي البخاري ومسلم.
انظر: مكانة أبي حنيفة، ص 347
الاعتراض الثالث: تقديم الإمام أبي حنيفة رحمه الله القياس على الحديث:
ومن الاعتراضات الموجَّهة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أنه يقدِّم القياس على الحديث، وأنه يترك الحديث عند معارضته للقياس.
الجواب عن هذا الاعتراض:
إن القول بأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يقدِّم القياس على الحديث هو افتراءٌ عليه لا أصل له ولا علاقة له بالحقيقة؛ فقد ثبت عنه بسندٍ صحيح أنه قال:
«كذب والله وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس على النص، وهل يحتاج إلى القياس بعد النص؟»!
أي: والله، إن من يقول عنا إننا نقدم القياس على الحديث أو النص فهو كاذب ومفترٍ علينا، وهل يُحتاج إلى القياس أصلًا مع وجود النص؟! كلا، لا حاجة إلى ذلك.
ومن أقوال الإمام أبي حنيفة رحمه الله المشهورة أيضًا:
«ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، بأبي وأمي، وليس لنا مخالفته، وما جاء عن الصحابة تخيرنا، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال».
ومعناه: أن ما ثبت عن رسول الله صلی الله علیه وسلم فهو مقبول عندي بكل احترام وتعظيم، نفسي وأبي وأمي فداءٌ له، ولا يجوز لنا مخالفته، وأما ما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم، فإننا ننظر ونختار ما هو أقوى بالدليل، وأما ما جاء عن غير الصحابة من العلماء والتابعين، فهم رجالٌ مجتهدون، ونحن أيضًا رجالٌ مجتهدون، ننظر في الأقوال ونستدل عليها. [2]
حقيقة تقديم القياس على الحديث:
من الحقائق الواضحة أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله، مع اختلاف كثير من الأئمة في باب الحديث، كان يأخذ بالاحتياط، حتى إنه يحتج بالحديث المرسل أيضًا، ويعامله معاملة الأحاديث الأخرى.
ومدى تمسُّك الإمام أبي حنيفة رحمه الله بالأحاديث يتضح من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، حيث يقول: إن من كان يقول عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله إنه يقدِّم القياس على الحديث، فإن هذا كذبٌ محض؛ لأن هناك مسائل كثيرة ترك فيها بعض الأئمة العمل بالحديث بسبب ضعفه، بينما عمل الإمام أبو حنيفة رحمه الله بها، وترك القياس لأجلها، مع اتفاق جميع المحدثين على ضعف ذلك الحديث.
وسنذكر من هذه المسائل ثلاثَ مسائل:
المسألة الأولى: الضحك بصوت مرتفع في الصلاة ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
المسألة الأولى هي: الضحك بصوتٍ مرتفع في الصلاة، وقد ورد في الحديث:
«من تقهقه في الصلاة فلينصرف وليتوضأ».
أي: من ضحك بصوتٍ مرتفع في الصلاة، فليقطع صلاته، وليتوضأ، ثم ليُعِد الصلاة.
والقياس في هذه المسألة يقتضي أن الضحك بصوتٍ مرتفع لا ينقض الوضوء؛ لأن شيئًا من النجاسة لم يخرج من البدن، وهذا هو قول جمهور الأئمة.
لكن ظاهر الحديث يدل على أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، وقد عمل الإمام أبو حنيفة رحمه الله بهذا الحديث، فقال بفساد الصلاة بسبب القهقهة، مع أن عامة المحدثين حكموا على هذا الحديث بالضعف.
المسألة الثانية: اشتراط وجود المِصر لانعقاد صلاة الجمعة ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
المسألة الثانية هي: اشتراط وجود المدينة أو المِصر لصحة إقامة صلاة الجمعة.
يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن من شروط وجوب الجمعة وإقامتها أن تكون في المِصر (المدينة)، وأن صلاة الجمعة لا تُقام في القرى.
لكن مقتضى القياس أن تصح صلاة الجمعة في القرى أيضًا؛ لأن اجتماع الناس وتجمعهم يمكن أن يحصل في القرى كما يحصل في المدن.
ومع ذلك فقد ترك الإمام أبو حنيفة رحمه الله القياس في هذه المسألة، وأخذ بالحديث الوارد – مع أن فيه ضعفًا عند بعض المحدثين – واشترط وجود المِصر لإقامة صلاة الجمعة.
المسألة الثالثة: اشتراط النصاب في قطع يد السارق ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
المسألة الثالثة هي: اشتراط النصاب في قطع يد السارق.
يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن يد السارق لا تُقطع إلا إذا بلغ مقدار المسروق قيمةَ عشرة دراهم.
والقياس في هذه المسألة يقتضي أن تُقطع يد السارق مطلقًا، سواء كان الشيء المسروق أقل من عشرة دراهم أو أكثر؛ لأن النص العام في السرقة يقتضي ذلك.
ولكن ورد حديث في اشتراط النصاب، وهو:
«لا قطع في أقل من عشرة دراهم».
أي: لا تُقطع اليد في السرقة التي تقل قيمتها عن عشرة دراهم.
وبسبب هذا الحديث ترك الإمام أبو حنيفة رحمه الله القياس في هذه المسألة، وعمل بالحديث، واشترط بلوغ النصاب لقطع يد السارق. [3]
يتبع…
[2] مقدمة تبييض الصحيفة، للأستاذ محمد بن محمد أبي زهو، ص: 54.
[3] مقدمة تبييض الصحيفة، للأستاذ محمد بن محمد أبي زهو، ص: 54.
وإمامة الإمام الأعظم في السلوك والعقيدة والحديث والفقه، لمحمد نور سويد، ص: 340، بلا مكان نشر.