إن الإسلام، الذي جاء لسعادة الإنسان ورفاهه، يرى أن السعادة الحقيقية للإنسان تكمن في المعنويات والالتزام بالأحكام الإلهية، وتهدف الحكومة الإسلامية إلى تحقيق السعادة والرفاه للإنسان في جانبيه المادي والمعنوي، وتُعَدّ رسالة أنبياء الله جل جلاله الهدفَ الأساسي والأهم للدولة الإسلامية.
6- التزكية والنمو الثقافي
ومن أهداف الحكومة الإسلامية الأخرى تنمية الثقافة الفردية والاجتماعية وتطويرها، وتشمل الثقافة المشاعر والميول والعلم والأخلاق، ويُعَدّ إحياء القيم الأخلاقية وتزكية النفوس من الأهداف الأساسية للحكومة الإسلامية.
ويعبّر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الهدف: «إنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».
استمرارًا للحديث عن أهداف النظام السياسي الإسلامي، التي بُيِّن بعضُها في البحث السابق، سنتحدث الآن عن بعض الأهداف الأخرى:
7- رفاه المسلمين وتلبية احتياجاتهم العامة
من أجل تحقيق السعادة والرخاء الحقيقيين، فإن تأمين الرفاه العام للناس والاستجابة لاحتياجاتهم المادية، التي تُعَدّ أيضًا وسيلةً لتلبية سائر الاحتياجات الاجتماعية، من الأمور التي تحظى باهتمام دائم في الإسلام والنظام الديني.
ويمكن إدراك الاهتمام بهذا الموضوع من خلال الأحكام الاقتصادية في الإسلام والتوجيهات التي وُضعت من أجل التوزيع العادل للثروات والتسهيلات، ومن أجل إزالة معاناة الناس، وتُعَدّ أحكام الزكاة والصدقات والهدايا والقرض الحسن والإنفاق أمثلةً واضحةً على القوانين الإسلامية.
وينبغي للدولة الإسلامية أن تحوّل المنطقة الخاضعة لحكمها إلى منطقة نموذجية، وأن تؤسس لحضارة حقيقية وصالحة، لتوفير الظروف الملائمة للرخاء الشامل والرفاه العام، وليتمتع الناس بالصحة الروحية والجسدية، ويُعَدّ توفير الاحتياجات الأساسية للحياة، مثل العمل والسكن والخدمات الصحية، وتوفير التسهيلات للشباب في مجال التعليم والزواج، وتنمية اقتصاد المجتمع، من المهام المهمة للدولة الإسلامية.
8- التعليم الشامل والتنمية الثقافية
كما ذُكر في الأبحاث السابقة، فإن من الأهداف الأساسية للحكومة الإسلامية ضمان تقدّم المجتمع، ولتحقيق هذا الهدف، يُعَدّ التعليم والتربية وسيلةً أساسيةً، وتتم هذه التربية في مجالين:
أ. من خلال وسائل الإعلام.
ب. إنشاء الدورات والبرامج التعليمية والأكاديمية وتنفيذها.
9- الحرية
ينبغي ذكر الحرية بوصفها من الأهداف الأساسية للإسلام في مجال إقامة الحكومة؛ فإن إقامة الحكومة الإسلامية تضمن إنقاذ الناس من قيود الطواغيت والحكام الظالمين.
أ. مفهوم الاختناق
الاختناق في اللغة يعني انحباس النفس والتقييد، واصطلاحًا، يُطلَق في العلوم السياسية على الحالة التي لا يستطيع فيها الناس التعبير عن آرائهم واتخاذ قرارات مستقلة، ويكونون مضطرين إلى طاعة الحكام.
ب. أنواع الاختناق
يظهر الاختناق في نوعين:
في المجتمعات التي تحكمها أنظمة مطلقة واستبدادية، ففي هذه المجتمعات، يُحرَم الناس من حقوقهم الأساسية والطبيعية بسبب الاستخدام الواسع للقوات الأمنية والاستخباراتية، ويواجه أفراد هذه المجتمعات ردود فعل قاسية عند إبدائهم أي نوع من المعارضة للمطالبة بحقوقهم.
في هذا النوع من المجتمعات، لا يكون البشر سوى عبيد لا يملكون السيطرة على مصيرهم.
النوع الثاني من الاختناق
في العصر الحاضر، وبعد تطوّر تكنولوجيا الاتصال والإعلام، ظهر نوع آخر من الاختناق، لم يجد له مكانًا حتى الآن في قاموس العلوم السياسية، وهو الحالة التي لا يستطيع فيها الناس، كما كان الحال في المجتمعات البدائية، اتخاذ القرار بشأن أنفسهم، ولا يستطيعون حتى التفكير والتصوّر إلا في حدود ما يريده الحاكم، مع أنهم يظلون غير مدركين لهذا القيد.
في مثل هذه المجتمعات، يصبح ذوق الناس وفكرهم تابعين لخطط الحكام قصيرة المدى وطويلة المدى، وفي هذه المجتمعات، يؤثّر الحكام في الذهنية اللاواعية للناس من خلال مختلف الأساليب النفسية، ومن خلال إعلاناتهم، وبواسطة التعليم والتوجيه المباشر وغير المباشر، ويقودونهم نحو الجهل والعبودية الفكرية، وهذا النوع من الاختناق أخطر وأوسع نطاقًا من النوع الأول.
إن الإسلام يعارض كل اختناق يؤدي إلى القضاء على القيمة الحقيقية للفرد وحريته، ولكن ما يُنشر اليوم في المجتمعات الغربية باسم حرية الإنسان ليس إلا أكاذيب كبيرة.
10- الكرامة الإنسانية
إن الدين الإسلامي الحنيف يعدّ الإنسان أشرف المخلوقات، كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
عندما يكون الإنسان صاحب كرامة، فإنه يعتزّ بصلته بالله وبعبادته، وإذا تجاهل كرامته وعزته، فإنه يقع في عبادة غير الله وعبودية غيره؛ كما أن فرعون في البداية أذلّ قومه وداس كرامتهم، فكانت النتيجة أن أخضعهم لظلمه وعبوديته، يقول الله تعالی في القرآن الكريم:
ومن أمثلة كرامة الإنسان حريته، التي حظيت باهتمام كبير وفقًا للتعاليم الدينية، وقد أُرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحرير الناس، وإنقاذهم من عبادة غير الله، وإفادتهم من هداية الله، كما يقول الله تعالی في القرآن الکریم:
يؤكد الإسلام على كرامة الإنسان، ويجعل حريته متعلقة بالله وحده.
كرامة المرأة
إن موضوع كرامة المرأة من المشكلات الأساسية للبشرية، فمنذ قرون كثيرة، توجد قصص عن انتهاك حقوق المرأة، ومن بين مختلف المدارس والحضارات، قدّم الإسلام حلًّا أفضل وأوسع لهذا الألم التاريخي.
في الحضارة الغربية، استُغِلَّت النساء باسم دعم حقوقهن، وجُعِلَت المرأة وسيلةً لإمتاع الرجال وتحقيق المنفعة الاقتصادية، وضعف نظام الأسرة، وأصبحت النساء يُعتبرن عاملاتٍ رخيصاتٍ في المصانع.
في وقت كانت فيه النساء يُعتبرن من الدرجة الثانية من البشر، أنقذهن الإسلام وساعدهن على استرداد حقوقهن المسلوبة، وقد ساوى الإسلام بين الرجال والنساء في مجال العبودية والكمال، كما يقول الله تعالی في القرآن الکریم:
ينتهي اضطهاد النساء في ظل الإسلام، وتُعَدُّ روايات رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أدلةً واضحةً على دعم عزّة النساء وكرامتهن.
مع كثرة دعاية أعداء الإسلام في المجتمع، والشبهات التي يثيرها المتعصبون والمنحرفون، فإن للمرأة في المجتمع الإسلامي مكانةً ومقامًا خاصًّا، لا يقلّ عن مكانة الرجال، إن لم يكن أعلى منها، وقد جعل الإسلام الرجال والنساء، باعتبارهم بشرًا، دون النظر إلى جنسهم، هدفًا لدعوة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، ويريد لهم النمو والسعادة.
الإسلام يؤيد تكامل الإنسان؛ فالجنس، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، ليس هو محلّ الاعتبار عند الإسلام، ففي موضع يتحدث عن الرجل، وفي موضع آخر يتحدث عن المرأة، وفي موضع يُكرَّم الرجل، وفي موضع آخر تُكرَّم المرأة؛ لأن كليهما جزء من وجود البشر.
11- تقديم العلم والكفاءة
حدّد النظام الإسلامي في برامجه هدفًا عظيمًا وساميًا، وهو ضمان سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وللوصول إلى هذا الهدف، يحتاج الأمر إلى العلم الكامل، ومعرفة الطريق، ومعرفة كيفية السير فيه، وحسن الإدارة والقيادة.
الدولة، باعتبارها مؤسسة اجتماعية، تتولى مسؤولية رعاية شؤون الناس وتوفير الأرضية والظروف اللازمة لنموهم، ولها مهام مختلفة، ولأداء دورها، حدّدت بعض المعايير لتولّي السلطات.
في المجتمع والنظام السليم، لا يستطيع تولّي المسؤوليات والمهام الاجتماعية إلا الأشخاص الذين يمتلكون القدرة والكفاءة اللازمة لأداء هذه المسؤولية على الوجه الصحيح، وينقل القرآن الكريم قولًا لإحدى ابنتي شعيب عليه الصلاة والسلام، يتضح منه ضرورة الكفاءة والاستعداد لأداء كل مسؤولية:
على الرغم من أن أولئك القوم كانوا يؤمنون أيضًا بأن الشخص الكفؤ ينبغي أن يحكمهم، فقد صحّحت الآية المباركة معايير الكفاءة، وعرّفت «العلم» و«قوة القيادة أو الريادة» باعتبارهما من معايير الكفاءة في الحكم.
لذلك، فإن احترام الكفاءة والأهلية في المناصب الحكومية أصل منطقي، وكل دولة تسعى إلى رفاه شعبها وتقدّمه تتبع هذه القاعدة.
12- حقیقة الخدمة
في الإسلام، لا تُعَدّ السلطة والحكم غايتين نهائيتين، بل هما وسيلتان لتحقيق تلك الأهداف الإلهية والإنسانية السامية والعظيمة التي سبق ذكرها.
في نظر أنبياء الله جلّ جلاله وأوليائه، لا تكون الحكومة ذات قيمة إلا عندما تكون سببًا في إصلاح الناس وخدمتهم، أما الأنانية والاستبداد فلا ينسجمان أبدًا مع هذه القيم.
الغاية النهائية في الإسلام: خدمة الناس وتطبيق العدالة
13- العموم والشمول
إن النظام السياسي في الإسلام ليس مرتبطًا ومحدودًا بزمان معين ومنطقة خاصة، كأن يكون مقتصرًا على زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والخلفاء الراشدين، أو على منطقة خاصة كالعربية، فالنظام السياسي في الإسلام مدرسة باعثة على الحياة لجميع البشرية، وهذه المدرسة، منذ نشأتها وإلى نهاية تاريخ حياة البشرية، تضم في أحضانها جميع المناطق، والناس من كل لون وقوم ولغة وعرق.
عندما يُتحدَّث عن أصل الدعوة، تأتي الخطابات القرآنية باسم «الناس»:
إن هذا الخطاب يتجاوز، يقينًا، المكان المحدود في الحجاز، ويصل إلى جميع الأماكن التي يوجد فيها الإنسان، كما أنه ليس محدودًا بزمان معين، بل يشمل جميع الأزمنة إلى الأبد، وكما يشير الله تعالى في القرآن الكريم إلى عموم مهمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وشمولها واتساعها، فإنه يخاطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائلًا:
إلى جانب طاعة أحكام الله جل جلاله وتنفيذها، ودعوة الناس إلى دينه، فإن علينا مسؤولية تعريف العالم بالإسلام في كل مكان، ويمدّ النظام الإسلامي، من الناحية السياسية، الحكم العادل لقيم الله جل جلاله السامية على جميع البشر، ويريد هذا النظام أن يحرّر المظلومين من قبضة الظالمين.
وكذلك، أكّد القرآن الكريم على المشتركات بين الأديان التوحيدية، فقال:
أي إن المشتركات في الحقيقة كثيرة إلى درجة أن أهل الكتاب والمسلمين يستطيعون، في ظل نظام سياسي عادل، أن يتابعوا أهدافهم التوحيدية.
وبوجه عام، فإن العموم والشمول بوصفهما أصلًا، يُخرج النظام السياسي الإسلامي من إطار الحدود الجغرافية والعرقية واللغوية، بل وحتى من إطار العقائد الخاصة، والإسلام دين يمتلك القدرة، مع تحمّل الاختلافات والتباينات، على قيادة البشرية وتنظيمها.
تعليقان
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 21 - کلمات عربي
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 19 - کلمات عربي