
الکاتب: المولوي رحمت الله "عبيد"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
(القسم الخامس والثلاثون)
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله وعلم الحديث
الاعتراضات الموجَّهة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله في باب الحديث والجواب عنها(تتمة)
وجوه عدم عمل الإمام أبي حنيفة رحمه الله ببعض الأحاديث:
عندما يَرِد حديثٌ في مسألةٍ من المسائل، ثم لا يعمل الإمام أبو حنيفة رحمه الله به، فقد يُفهم ظاهريًا أن الإمام لا يعمل بالحديث، وأنه يقدِّم القياس عليه، ولكن الحقيقة أن عدم العمل بحديثٍ معيّن قد تكون له أسبابٌ متعددة، ومن هذه الأسباب ما يأتي:
-
أن يكون الحديث لم يصل إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
-
أن يكون الحديث قد وصل إليه، لكنه لم يكن موافقًا للأصول التي وضعها الإمام أبو حنيفة رحمه الله لقبول الحديث والحكم بصحته.
-
أن يكون في الحديث عِلّةٌ خفية لا يعلمها غيره.
-
أن يكون قد ورد حديثٌ آخر يعارضه، ويكون ذلك الحديث الآخر أقوى منه.
-
أن يكون الحديث عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله منسوخًا.
-
أن يكون الحديث من قبيل خبر الواحد، وأن يكون مخالفًا للأصول الكلية للدين.
-
أن يكون خبر الواحد مخالفًا لظاهر القرآن أو لعمومه.
-
أن يكون خبر الواحد مخالفًا للحديث المشهور.
-
أن يكون الراوي قد عمل بخلاف ما رواه عن النبي صلی الله علیه وسلم.
-
أن يكون خبر الواحد متعلقًا بأمرٍ تعم به البلوى، أي: من الأمور التي يحتاج إليها عامة الناس وتتكرر الحاجة إليها.
-
أن يكون خبر الواحد واردًا في ردِّ أمرٍ كان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون رحمهم الله قد عملوا به على وجهٍ مستمر ومتوارث.
-
أن يكون خبر الواحد قد تعرّض للنقد من أئمة الحديث المتقدمين قبل الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
-
أن يقع اختلافٌ بين الصحابة رضي الله عنهم في مسألةٍ معينة، ويستدل كل فريق منهم بحديث، ثم يرجّح الإمام أبو حنيفة رحمه الله أحد القولين باجتهاده، ولا يعمل بالحديث الآخر.
وهذه ليست جميع الأسباب، بل توجد أسبابٌ أخرى أيضًا، ويمكن الرجوع إلى الكتب المطوّلة والمتخصصة لمعرفة تفاصيلها.
الخاتمة:
بالنظر إلى شخصية الإمام أبي حنيفة رحمه الله ومكانته، فإنه يمكن تأليف عشرات الكتب في مختلف جوانب حياته؛ سواء في ورعه وتقواه، أو في عباداته، أو في معاملاته مع الناس، وأخلاقه الكريمة.
ولما كان أكثر الاعتراضات التي يثيرها في هذا العصر بعض المخالفين للإمام أبي حنيفة رحمه الله – بدافع البغض أو الحسد – متعلقةً بجانبه الحديثي ومكانته في علم الحديث، مما أدى إلى إثارة الشكوك عند بعض العامة حول منزلته في هذا العلم، فقد رأيت أن أستفيد من هذه الفرصة، وأكتب مقالًا مختصرًا حول مكانة الإمام أبي حنيفة رحمه الله الحديثية، ليكون نافعًا للناس وفق حاجة العصر.
أسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله سببًا للانتفاع به، وأن ينفع به الآخرين.
آمين.
المصادر والمراجع:
الضعفاء والمتروكون، لأبي عبد الرحمن النسائي (المتوفى: 303هـ)، تحقيق: محمد إبراهيم زايد، دار المعرفة، دون ذكر الطبعة.
مقدمة ابن الصلاح، لعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)، تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر، سنة الطباعة: 1986م.
تذكرة الحفاظ، لشمس الدين الذهبي (المتوفى: 748هـ)، دار إحياء التراث العلمي، الطبعة الأولى، 1998م.
مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، للعلامة شمس الدين الذهبي (المتوفى: 748هـ)، تحقيق: محمد زاهد الكوثري وأبو الوفاء الأفغاني، لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدرآباد الهند، الطبعة الثالثة، بيروت، سنة 1408هـ.
تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة، لجلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، تعليق: محمد عاشق إلهي البرني، دار الأرقم، الطبعة الجديدة لعام 2003م، بيروت.
عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، لمحمد بن يوسف الصالحي (المتوفى: 942هـ)، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.
الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، لابن حجر الهيتمي الشافعي (المتوفى: 974هـ)، دار الهدى، الطبعة الأولى، 2007م.
تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب، للإمام المحدث محمد زاهد الكوثري (المتوفى: 1371هـ)، المكتبة النعمانية، الطبعة الخامسة.
مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث، للعلامة عبد الرشيد النعماني، ص: 52-62، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
مقدمة تبييض الصحيفة، للأستاذ محمد بن محمد أبي زهو، دار الأرقم، الطبعة الجديدة لعام 2003م، بيروت.
درس الترمذي، لشيخ الإسلام محمد تقي العثماني، تحقيق: رشيد أشرف سيفي، مكتبة دار العلوم كراتشي، الطبعة الجديدة لعام 1431هـ.
إمامة الإمام الأعظم في السلوك والعقيدة والحديث والفقه، لمحمد نور سويد، دون ذكر الناشر.