
الکاتب: المولوي رحمت الله "عبيد"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
(القسم الثالث والثلاثون)
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله وعلم الحديث
أقوال علماء الجرح والتعديل في الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
اتفق جميع أئمة أهل السنة والجماعة المتقدمين على كمال شخصية الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وقد نُقلت عن مئات العلماء شهادات في فضله، وأخلاقه، وتقواه، وعبادته، وفقهه، وسائر خصاله الحميدة، غير أننا نقتصر هنا على ذكر بعض أقوال علماء الجرح والتعديل في توثيقه، وبيان عدالته، وثقته في رواية الحديث.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهو باتفاق العلماء إمامٌ كبير في الفقه، كما هو إمامٌ عظيم في علوم الحديث:
«إنه من العلم والورع والزهد وإيثار الآخرة بمحلٍّ لا يدركه أحد».
أي: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله قد بلغ منزلةً ساميةً في العلم – وكان لفظ العلم في ذلك العصر يُطلق على علم القرآن والحديث معًا – وفي الورع والزهد وتقديم الآخرة على الدنيا، حتى وصل إلى درجةٍ لا يكاد يبلغها أحد.
وقال الإمام يحيى بن معين رحمه الله، وهو من كبار نقاد الحديث:
«الفقهاء أربعة: أبو حنيفة، وسفيان، ومالك، والأوزاعي».
أي: الفقهاء الذين بلغوا الغاية في الإمامة أربعة: الإمام أبو حنيفة، والإمام سفيان الثوري، والإمام مالك بن أنس، والإمام الأوزاعي، رحمهم الله تعالى.
ورُوي عنه أيضًا أنه سُئل عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فقال:
«ثقة، ما سمعت أحدًا ضعفه، هذا شعبة يكتب إليه أن يحدِّث ويأمره، وشعبة شعبة».
أي: هو ثقة في رواية الحديث، ولم أسمع أحدًا من أهل العلم يضعفه، فهذا الإمام شعبة بن الحجاج – مع جلالة قدره وإمامته في الحديث – كان يكتب إلى الإمام أبي حنيفة ويطلب منه أن يحدِّث الناس، ويأمره بذلك، وشعبة هو شعبة في علو المنزلة والإمامة؛ فكيف يُظن بمن كانت هذه مكانته عند شعبة أن يكون ضعيفًا؟
وقال الإمام شعبة بن الحجاج رحمه الله نفسه، الذي يُلقَّب في علم الحديث بـ«أمير المؤمنين في الحديث»:
«كان، والله! حسن الفهم، جيد الحفظ، حتى شنعوا عليه بما هو أعلم منهم».
أي: والله، لقد كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله ذا فهمٍ ثاقب، وحفظٍ متين، غير أن بعض الناس عابوه وشنَّعوا عليه بسبب أمورٍ – والمقصود بها الأحاديث – كان هو أعلم بها منهم.
الاعتراضات الموجّهة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله في باب الحديث والجواب عنها:
تنقسم الاعتراضات التي وُجِّهت إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله في باب الحديث إلى قسمين:
القسم الأول: الاعتراضات القولية، وهي الاعتراضات التي جاءت بصيغ الجرح والطعن، حيث استُعملت فيها ألفاظ توحي بتضعيفه أو الانتقاص منه.
القسم الثاني: الاعتراضات النظرية، وهي الاعتراضات التي بُنيت على ملاحظات واستنتاجات مستمدة من بعض الوقائع أو الأمور الخارجية، لا على نصوص صريحة في الجرح.
الاعتراضات القولية:
الاعتراض الأول: قول الإمام النسائي رحمه الله: «ليس بالقوي في الحديث».
من الاعتراضات القولية التي وُجِّهت إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله ما ذكره الإمام النسائي رحمه الله، حيث قال:
«نعمان بن ثابت أبو حنيفة ليس بالقوي في الحديث». [1]
أي: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله ليس بالقوي في الحديث.
الجواب عن هذا الاعتراض:
والجواب عن هذا الاعتراض أن الجرح والتعديل عند علماء الحديث ينقسمان إلى قسمين:
الأول: الجرح أو التعديل الصادر عن فرد أو عدد قليل من العلماء.
الثاني: الجرح أو التعديل الصادر عن جماعة من أئمة هذا الشأن ونقاده.
وقد قرر أهل العلم أن الجرح الصادر عن فرد أو أفراد قليلين لا يُقدَّم على التعديل الصادر عن جماعة من أئمة النقد والتوثيق.
وبيان ذلك أن أئمة الحديث وحفاظه لم يسلم أكثرهم من أن يتكلم فيهم بعض أهل العلم؛ إلا من شاء الله تعالى، فقد وُجِّهت انتقادات إلى الإمام الأوزاعي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام يحيى بن معين، والإمام الكرابيسي، بل وحتى إلى الإمام البخاري؛ إذ جرحهم الإمام الذهلي رحمه الله، ومع ذلك فقد عدَّلهم ووثَّقهم عشرات من أئمة الجرح والتعديل ونقاد الحديث، وأثبتوا عدالتهم وإمامتهم.
ولو اعتُمد جرح الواحد أو الاثنين في مقابلة توثيق جماعة من الأئمة، لما بقي أحدٌ من الرواة موصوفًا بالثقة، ولأدَّى ذلك في النهاية إلى إسقاط الأحاديث كلها.
وقد ذكر الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله أن الجرح يُقدَّم على التعديل عند التعارض إذا كان عدد الجارحين أكثر من عدد المعدِّلين، وذكر الإمام ابن الصلاح رحمه الله – وهو ما عدَّه مذهبَ جمهور المحدثين – أن ذلك إنما يكون إذا كان الجرح مفسَّرًا، أي: إذا ذُكر سببه وبيانه.
أما في حق الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فإن عدد من وثَّقوه وعدَّلوه يزيد على عدد من جرحوه أضعافًا مضاعفة، وقد سبق بيان إمامته في الحديث، وأنه كان من حفاظه، كما أن ألفاظ الجرح الواردة فيه غير مفسَّرة، فلم يُذكر لها سببٌ يقتضي تضعيفه.
وبناءً على ذلك، فإن قول الإمام النسائي رحمه الله: «ليس بالقوي في الحديث» لا يؤثر ذلك في عدالة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولا يطعن في توثيقه أو منزلته العلمية في علم الحديث. [2]
الاعتراض الثاني: قول الإمام الدارقطني رحمه الله بتضعيف الإمام أبي حنيفة رحمه الله
ومن الاعتراضات القولية الموجَّهة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله ما نُقل عن الإمام الدارقطني رحمه الله، فإنه عندما أورد حديث:
«من كان خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة». [3]
قال:
«لم يُسنده عن موسى بن عائشة غير أبي حنيفة والحسين بن عمارة، وهما ضعيفان».
أي: إن هذا الحديث لم يروه مسندًا مرفوعًا عن موسى بن عائشة إلا الإمام أبو حنيفة رحمه الله والحسين بن عمارة، وهما ضعيفان.
الجواب عن هذا الاعتراض:
نعم، هذا القول ثابت عن الإمام الدارقطني رحمه الله، ولكن جوابه كجواب الاعتراض السابق المنقول عن الإمام النسائي رحمه الله؛ وذلك أن هذا جرحٌ مفردٌ مجهول السبب، فلا يُعتد به في مقابلة التعديل الكثير والمفصل الصادر عن جماعة من أئمة النقد.
وهناك أمر آخر، وهو أن الإمام الدارقطني رحمه الله وُلد بعد الإمام أبي حنيفة رحمه الله بما يقارب مائتي سنة، ومع ذلك يقول عنه: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله ضعيف في الحديث، في حين أن كبار أئمة الحديث ونقاد الجرح والتعديل الذين كانوا معاصرين للإمام أبي حنيفة رحمه الله أو قريبين من عصره قد وثَّقوه وعدَّلوه، كما سبق ذكر ذلك.
فالسؤال هنا: هل يكون الأئمة المعاصرون للإمام أبي حنيفة رحمه الله، الذين عايشوا عصره وعرفوا حاله، أعلمَ به وأخبرَ بشأنه، أم شخصٌ جاء بعده بمائتي سنة؟!
الاعتراض الثالث: ادعاء أن الإمام سفيان الثوري رحمه الله أظهر الفرح بوفاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
ومن الاعتراضات القولية التي وُجِّهت إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله ما ذُكر من أن الإمام البخاري رحمه الله روى في التاريخ الصغير عن نعيم بن حماد أنه لما بلغ الإمام سفيان الثوري رحمه الله خبر وفاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله قال:
«الحمد لله، كان ينقض الإسلام عروة عروة، ما وُلد في الإسلام أشأم منه».
أي: الحمد لله على وفاة أبي حنيفة رحمه الله؛ فقد كان ينقض عُرى الإسلام واحدةً بعد أخرى، ولم يولد في الإسلام شخصٌ أشأم منه.
الجواب عن هذا الاعتراض:
والجواب عن هذا الاعتراض أن هذا الأثر غير صحيح، ولا صلة له بالحقيقة.
وإن كان بعض العلماء قد ذكروا أن نعيم بن حماد فيه جانبٌ من التوثيق، فإن قول الحافظ ابن حجر رحمه الله كافٍ في بيان حال هذه الرواية، حيث قال:
«كان يروي حكايات في ثلب أبي حنيفة، كلها كذب».
أي: كان نعيم بن حماد يروي حكايات في ذم الإمام أبي حنيفة رحمه الله والطعن فيه، وكانت كلها من الأكاذيب.
وعليه، فإن هذه الرواية لا تثبت عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله، ولا يصح الاستدلال بها على موقفه من الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
متابعة الجواب عن الاعتراض الثالث:
وكذلك فإن الإمام سفيان الثوري رحمه الله يُعد من أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وقد وافقه في أكثر من تسعين بالمائة من المسائل، وعمل بقوله فيها، ومن البعيد جدًا أن يصدر من مثله مثل هذا الكلام في حق الإمام أبي حنيفة رحمه الله، والحقيقة أن هذه الرواية تُعد طعنًا وافتراءً كبيرًا على الإمام أبي حنيفة والإمام سفيان الثوري رحمهما الله جميعًا.
والسؤال هنا: كيف يصدر من أئمة كبار، أمثال الإمام النسائي والإمام الدارقطني رحمهما الله، قولٌ بتضعيف الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الحديث؟ وكيف يعتمد إمامٌ مثل الإمام البخاري رحمه الله، الذي بلغ في علم الرجال منزلةَ الإمامة، على قول نعيم بن حماد، ثم يورده في كتابه؟
والجواب عن ذلك: أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله، كما أن الله تعالى منحه كثيرًا من الفضائل والمناقب، ورفع له مكانةً عالية، فقد كثر أيضًا حساده ومنتقدوه، فكان بعضهم إذا ذهب إلى مكانٍ ما يذكر للناس أقوالًا غير صحيحة في حق الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ويلصق به التهم الباطلة.
وكان كل من لم يلقَ الإمام أبا حنيفة رحمه الله عن قرب يتأثر بهذه الأقوال، فتتولد لديه ظنونٌ سيئة تجاهه، ومن القصص المشهورة في هذا الباب قصة الإمام الأوزاعي والإمام عبد الله بن المبارك رحمهما الله.
وكذلك فإن بعض المحدثين المتأخرين لم يكونوا قد رأوا الإمام أبا حنيفة رحمه الله، ولم يلقوا تلاميذه المشهورين، ولم يعيشوا في العراق، أي: في الكوفة والبصرة، فلم يعرفوا حقيقة حاله، فتأثروا بما نُقل إليهم من افتراءات الحاسدين، وقالوا – من غير قصدٍ إلى الباطل – بعض الأمور التي لا أصل لها في الحقيقة.
ولهذا لم يجد الإمام البخاري رحمه الله حرجًا في نقل كلام نعيم بن حماد، ولم يتبين له خطؤه، فذكره في كتابه؛ وذلك لأن من أشهر شيوخ الإمام البخاري رحمه الله الذين لازمهم مدةً طويلة الإمام الحميدي رحمه الله، وكان له ميلٌ إلى مذهب أهل الظاهر.
كما أن أكثر المنتقدين للإمام أبي حنيفة رحمه الله كانوا من أهل الظاهر، وكان الإمام الحميدي رحمه الله يميل إلى هذا الاتجاه، فكان من الممكن أن يتأثر الإمام البخاري رحمه الله بهذه الأجواء، وأن يكون قد حصل عنده شيءٌ من سوء الظن بالإمام أبي حنيفة رحمه الله منذ البداية. [4]
يتبع…
[1] الضعفاء والمتروكون، لأبي عبد الرحمن النسائي (المتوفى: 303هـ)، تحقيق: محمد إبراهيم زايد، ص: 240، دار المعرفة.
[2] انظر: درس الترمذي: 1/100-102.
[3] سنن الدارقطني، لأبي الحسن الدارقطني (المتوفى: 385هـ)، (2/107) (الحديث رقم: 1233)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وجماعة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 2004م.
[4] انظر: درس الترمذي، 1/106-107