تتناول هذه الدراسة العلمية، التي أُنجزت باستخدام المنهج المكتبي، الآثار الحديثية للإمام أبي حنيفة رحمه الله، وتهدف إلى دراسة آثاره في مجال الحديث، وتكتسب هذه الموضوعات أهمية كبيرة؛ لأن بعض المغرضين يتهمون الإمام أبا حنيفة رحمه الله بأنه لم يكن على دراية بالأحاديث، أو أنه لم يترك أي مؤلَّف حديثي، أو أنه لا يوجد أي أثر حديثي منسوب إليه.
وتوصلت هذه الدراسة إلى أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان إمامًا في علم الجرح والتعديل، وأنه كان شخصيةً ثقةً وموثوقةً في علم الحديث، وقد أقرّ أكثر العلماء بإمامته، واعترفوا بأنه كان ذا علم واسع بالقرآن والسنة، كما أنه لقي عددًا من الصحابة وكبار التابعين، وهم التابعون الذين تلقوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نُقل عن بعض العلماء أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان من أوائل من تكلّم في علم الجرح والتعديل؛ فقد جَرَّح الجعفي، وأثنى على كلٍّ من عمرو بن دينار وابن المبارك.
وقد نُسبت إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ورُويت عنه، خمسة عشر مسندًا من الآثار الحديثية، وستسلّط هذه المقالة البحثية الضوء عليها بصورة مفصّلة.
الكلمات المفتاحية: الإمام أبو حنيفة رحمه الله، الآثار، الحديث، المسانيد.
المقدمة
الحمد لله الذي أعلى منزلة المؤمنين بكريم خطابه، ورفع درجة العلماء بمعاني كتابه، وخصّ المستنبطين منهم بمزيد من الإصابة والثواب، والصلاة والسلام على محمد وأصحابه.
أما بعد:
فإن دين الإسلام المبارك هو الدين الذي تكفّل الله جل جلاله بحفظه وصيانته، وهيّأ ويسّر لحفظه وحمايته أسبابًا كثيرة، ومن تلك الأسباب ظهور الفقهاء النوابغ والعلماء البارزين في العالم الإسلامي، الذين أوجدهم الله في كل عصر بما يتناسب مع مقتضيات الزمان والظروف.
وقد أسهم هؤلاء الفقهاء والعلماء في حماية دين الإسلام من تدخّل الأجانب، ومن التفسيرات غير الصحيحة والتأويلات الخاطئة، وصانوا تعاليمه من التحريف وسوء الفهم.
كما أن هؤلاء الفقهاء، رحمهم الله، استنبطوا عن طريق الاجتهاد الأحكامَ الشرعيةَ التي لم يَرِدْ نصٌّ صريحٌ عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية، ووضعوا لاستنباط هذه الأحكام قواعدَ وأصولًا خاصةً، أسهمت في سدِّ أبوابِ التلاعب بالأحكام الشرعية وتحقيقِ مقاصدَ أعداء الإسلام.
ومن هؤلاء الفقهاء شخصيةٌ عالميةٌ بارزة، وفقيهٌ كبير، وإمامٌ، وشمسٌ مشرقة، ومجتهدٌ ومفكر، وهو الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله، الذي اشتهر بلقب أبي الفقه، وقد كرّس نفسه لحماية الدين، والدفاع عنه، والدعوة إليه ونشره، وتحمل في سبيل ذلك مختلف أنواع المشاق، من الجوع والعطش إلى السجن والضرب بالسياط.
وبما أننا جميعًا بحاجة إلى الاقتداء بالصحابة الكرام والتابعين وغيرهم من السلف الصالح، من أجل الوصول إلى الفهم الصحيح للدين، فإننا بحاجة ماسة أيضًا إلى معرفة سير هؤلاء الفقهاء المذكورين والسلف الصالح وحياتهم.
وبناءً على ذلك، ونظرًا إلى أن كثيرًا من أبناء وطننا يتبعون الإمام الفقيه الكبير أبا حنيفة رحمه الله في الأحكام الفقهية الفرعية، فإن تعلّم سيرة هذا الإمام ومعرفة حياته أمر ضروري لهم.
ونظرًا إلى أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان ذا قيمة علمية قوية وشاملة من مختلف الجوانب، فإن البحث هنا سيقتصر على دراسة آثاره المتعلقة بالأحاديث النبوية.
أهمية البحث
وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن الناس جميعًا يقرّون بإمامة الإمام أبي حنيفة رحمه الله ومكانته العلمية، وأن له أتباعًا في العالم أكثر من أتباع المذاهب الفقهية الأخرى، ومع ذلك، يوجد بعض المتعصبين الذين جعلوا من الطعن في أئمة الأمة الإسلامية وعلمائها الكبار عملًا لهم، ويسعون إلى تشويه صورة هؤلاء العلماء البارزين والتشكيك في الخدمات التي قدموها للعالم الإسلامي.
ومن أهداف هؤلاء المتعصبين أيضًا إثارة بعض الشكوك حول الجانب الحديثي للإمام أبي حنيفة رحمه الله، والإيحاء بأنه كان ضعيفًا في مجال الحديث، ولذلك، يقتصر هذا البحث على ذكر آثاره الحديثية رحمه الله، وبيان ماهيتها، ومدى قيمتها العلمية.
المسانيد الحديثية للإمام أبي حنيفة رحمه الله
ولكي نتمكن من فهم هذه المسانيد فهمًا جيدًا، ينبغي التعرف على الموضوعات الآتية:
أولًا: عدد هذه المسانيد.
ثانيًا: جامِعو هذه المسانيد.
ثالثًا: القيمة العلمية لهذه المسانيد.
رابعًا: اهتمام العلماء بهذه المسانيد.
أولًا: عدد هذه المسانيد
من الواضح أن جميع العلماء يقرّون بإمامة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ويعترفون بأنه كان ذا علمٍ كامل بالقرآن والسنة، وقد لقي عددًا من كبار التابعين، وهم التابعون الذين تلقوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد صرّح الإمام أبو حنيفة رحمه الله بنفسه بذلك، فقال: «تعلمت علم ابن مسعود من أصحاب ابن مسعود، وعلم ابن عباس من أصحاب ابن عباس، وعلم ابن عمر من أصحاب ابن عمر».[1]
ومن ذلك يتضح أنه لا بد أن يكون قد تلقّى عددًا كبيرًا من الأحاديث، وأنه قد رواها للناس، وسمعها عنه أشخاص ثقات، وإذا نظرنا إلى تاريخ تدوين الحديث، نجد أن العلماء في القرن الهجري الأول لم يكونوا يهتمون بجمع الأحاديث وتدوينها على النحو الذي أصبح عليه الأمر لاحقًا، وإنما بدأ تدوين الحديث في مطلع القرن الهجري الثاني بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
وقد وُلد الإمام أبو حنيفة رحمه الله سنة 80هـ، وبدأ طلب العلم في أواخر النصف الثاني من القرن الهجري الأول، وتلقى أصول العلم وفروعه عن شيخه حماد وغيره من العلماء، وعندما بدأ علماء الحديث تدوين الأحاديث وبذلوا جهودًا حثيثة في هذا المجال، وضع أبو حنيفة رحمه الله أيضًا لنفسه منهجًا وطريقةً في التعامل مع الحديث.
وكان من أهم سمات منهجه أنه كان شديد الاحتياط في نسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتعامل مع قبول الأحاديث بمنتهى الحذر والدقة، ولا سيما في قبول خبر الواحد.
ولهذا السبب، لم يقم أبو حنيفة رحمه الله بنفسه بتدوين الأحاديث، وإنما قام تلاميذه بنقلها عنه في مجالسهم معه، أو تلقّوها منه سماعًا، ومع ذلك، لم يكن أبو حنيفة رحمه الله في هذا المجال أقل شأنًا من كبار أئمة الحديث.
وقد قال عمرو بن دينار: «إن أبا حنيفة رحمه الله هو أول من أجلسني لتعلّم الحديث».
وقد نُقل عن بعض العلماء أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان أول من تكلّم في علم الجرح والتعديل؛ فقد جَرَّح الجعفي، وأثنى على عمرو بن دينار وابن المبارك.
وبما أن أبا حنيفة رحمه الله لم يقم بنفسه بتدوين الأحاديث، فمن الطبيعي أن تكون الأحاديث التي دُوِّنت عنه قليلة العدد.
وإذا قسنا أحاديثه بأحاديث الإمام مالك، فقد تكون الأحاديث التي دوّنها بنفسه قريبةً من حيث العدد من أحاديث أبي حنيفة، وإذا قارناها بأحاديث الإمام الشافعي، فقد تكون أكثر منها.
ومع ذلك، فإن قلة الأحاديث التي دوّنها هؤلاء الأئمة بأنفسهم لا تضرّهم بأي حال من الأحوال؛ إذ يكفيهم شرفًا أن علمهم قد بلغ أرجاء العالم، وأن أقطار الأرض قد امتلأت بعلومهم وآثارهم.[2]
وبناءً على ما سبق، يمكننا القول إن المسانيد المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، والمروية عنه، تبلغ خمسة عشر مسندًا، وهي مبثوثة ومتفرقة هنا وهناك في مختلف كتب العالم.
وقد جمع هذه المسانيد الإمام محمد بن محمود الخوارزمي، ثم رتّبها، وأورد الأحاديث الواردة فيها، وبيّن مواضع وجودها في هذه المسانيد، كما بيّن طرق روايتها والأسانيد التي نُقلت بها.
وهذه المسانيد الخمسة عشر هي:
المسند الأول: مسند أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثي البخاري، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الثاني: مسند أبي القاسم طلحة بن محمد بن جعفر العدل، المعروف بالنَّفّار، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الثالث: مسند أبي الحسن محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الرابع: مسند أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصفهاني، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الخامس: مسند أبي بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري، المعروف بقاضي بيمارستان، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند السادس: مسند أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند السابع: مسند الحسن بن زياد اللؤلؤي، تلميذ أبي حنيفة، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الثامن: مسند القاضي أبي الحسن الأشناني، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند التاسع: مسند أبي بكر أحمد بن محمد بن خالد الخُليّ الكلاعي، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند العاشر: مسند أبي عبد الله الحسين بن محمد بن خسرو البلخي، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الحادي عشر: مسند أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، قاضي القضاة، تلميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الثاني عشر: مسند محمد بن الحسن الشيباني، عن شيخه أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الثالث عشر: مسند حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه أبي حنيفة رحمه الله.
المسند الرابع عشر: مسند محمد بن الحسن الشيباني، برواية ثانية.
المسند الخامس عشر: مسند أبي القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.[3]