إن أبرز ما نسعى إلى دراسته وتقييمه في هذا المبحث هو علاقة الماسونية باليهودية، وقد جاءت المباحث السابقة تمهيدًا لهذا الموضوع ومدخلًا إليه. وعندما ندرس المصادر الأساسية في هذا المجال، نجد أن هذه العلاقة وثيقة للغاية؛ حتى إن هذه الحركة تُقدَّم في جميع مصادر مؤيديها ومعارضيها بوصفها حركةً يهوديةً صهيونيةً. كما يَعُدّها مؤيدوها إحدى أهم ثمرات الديانة اليهودية، ويُدرجونها ضمن أبرز أنشطتها.
وسنعرض هنا أقوالًا وأدلة وشواهد تثبت ذلك.
وكما سبق ذكره، لعل الأمر الوحيد الذي يتفق عليه الماسونيون في الشرق والغرب، أو لا ينكرونه على أقل تقدير، هو صلة الماسونية الوثيقة باليهودية، ومن ثَمّ باليهود. ولعل سبب ذلك أن نفوذ اليهود الواسع يقوم على ركيزتين أساسيتين: الثروة الطائلة، ووسائل الإعلام المتنوعة والواسعة الانتشار. وتُضاف إليهما ركيزة ثالثة، هي «التحالف مع القوى الكبرى». بل إن هذه الركيزة أشد تأثيرًا وأعمق من سابقتيها، وكانت، في الحقيقة، سببًا في اتساع هيمنة اليهودية ونفوذها في مختلف أنحاء العالم؛ بدءًا بتحالف اليهود مع الغربيين، ثم تحالفهم مع الفاشيين والنازيين، وصولًا إلى كبار المستعمرين في العالم.[1]
ويرجع هذا الارتباط والتحالف مع القوى العالمية، فضلًا عن السعي إلى السيطرة على الحركات والمؤسسات، إلى أن اليهود يعبدون «القوة» دائمًا؛ فالله تعالى في الإسلام هو رب العالمين، وهو في المسيحية إله المحبة والسلام، أما في اليهودية فيُقدَّم بوصفه رب «الجنود». وتصف التوراة مشاهد سفك الدماء بشغف ولذة، بل تأمر اليهود بذبح أعدائهم، وقتل الحيوانات، وإحراق الحقول والبساتين، وردم ينابيع المياه. وسنذكر في المباحث المقبلة نماذج من هذه التأكيدات والتوجيهات التوراتية. وقد أفسد اليهود التوراة بتحريف نصوصها من جهة، وبتفسيرها المغرض وتأويلها الموجَّه من جهة أخرى.
ومن أسباب نفوذ اليهود في المجتمعات والشعوب وفي أوساط القوى المختلفة أيضًا ما يمتلكونه من ثروات طائلة. فقد أثّرت ثرواتهم ووسائل إعلامهم في عقول الأفراد وصنّاع القرار، وفي توجّهات الحكومات. ولم يقتصر هذا التأثير على الفقراء والضعفاء أو الحكام الصغار، بل امتد إلى بعض الكبار الذين يسيل لعابهم طمعًا في ذهب اليهود ويُفتنون به. غير أن اليهود لا يبذلون ثرواتهم إلا بشروط. كذلك تفتتن الحكومات والتنظيمات السياسية الكبرى بوسائل الإعلام اليهودية التي يبدو أنها قادرة ـ والعياذ بالله ـ على تصوير النبي شيطانًا، والفاسق الفاجر قديسًا.[2]
ويكتب الدكتور «نعمان عبد الرزاق السامرائي»، وهو أحد الكتّاب والمفكرين الإسلاميين، عن نفوذ اليهود بين الماسونيين وعمق العلاقة بينهم قائلًا:
«قيل ـ والعهدة على الراوي ـ إن وزراء الخارجية العرب الذين فاوضوا الصهاينة بشأن هدنة رودس الأولى كانوا جميعًا من الماسونيين، أو كان معظمهم كذلك على أقل تقدير. فإذا صح هذا القول ـ وأرجو ألّا يكون صحيحًا ـ لكان حالنا كما قال الشاعر الرصافي:
سأنام كيلا أرى وطني يُباع ويُشترى؛
ولمن يُباع، ومن الذي يتولى بيعه؟
إنجلترا، لمصلحة إنجلترا.
إن ما يعنينا هنا هو علاقة الماسونية باليهود واليهودية، ولا سيما في زمن نشهد فيه الهزائم والانهيارات، ونواجه تحديًا يشبه تحدي التتار والصليبيين، بل لعله أشد منه. فقد كنا في ذلك العهد أحرارًا، نستخدم ما نشاء من الوسائل، من دون أن تتدخل في شؤوننا دولة كبرى أو منظمة الأمم المتحدة المتواطئة والمنحازة.
أما اليوم، فيقف أمامنا عدو تلو عدو وألف متدخّل؛ ويصطف آخرون ضدنا إلى جانب من يحاربنا. ومن ثم بلغت حالنا أقصى درجات الشدة والضيق».[3]
أقوال تدل على العلاقة الوثيقة بين الماسونية واليهودية
من خلال دراسة المصادر المعتبرة التي تناولت الصلة بين اليهودية والماسونية، وكتابات الذين عرّفوا بهذه الحركة وشرحوها، يتبيّن بوضوح أن الحركة الماسونية هي الجناح الذي تحلّق به اليهودية، بل هي العين التي تبصر بها اليهودية ما يجري في العالم. وقد أقرّ بهذه العلاقة مفكرون وكتّاب من اليهود والماسونيين، وعدّوها من مفاخرهم، ونذكر هنا بعض هذه الأقوال.
يقول الحاخام الأكبر «إسحاق دايز»:
«الماسونية مؤسسة يهودية؛ وكل ما فيها، من البداية إلى النهاية، يهودي: تاريخها، وفرائضها، ودرجاتها، وطقوسها، ورموزها، وكلمات المرور فيها، وشروطها، باستثناء درجة فرعية واحدة وبضع كلمات في نص القَسَم».[4]
ولم يصدر هذا الكلام عن شيخ من شيوخ الإسلام، ولم يُنشر في صحيفة حاقدة؛ بل صدر عن الحاخام الأكبر، ونُشر بتاريخ 30/4/1965م في مجلة «الإسرائيلية الإنجليزية».[5]
أما «أحمد علوش»، رئيس أحد أكبر المحافل الماسونية في الإسكندرية، فقد رقّاه الأستاذ الأعظم «زولا» إلى أعلى الدرجات الماسونية، ومع ذلك يقول إنه لم يصل قط إلى الغاية التي وُعد برؤيتها واضحةً كالشمس الساطعة؛ لكنه أدرك حقيقة كان غافلًا عنها من قبل، وهي أن الماسونية والصهيونية، في حقيقتهما، شيء واحد، وأن كلًّا منهما مكمّل للآخر، وأن العلاقة بينهما علاقة الخادم بالمخدوم: فالماسونية هي الخادم، والصهيونية هي المخدوم، ولا بد للمخدوم من أن يمنح خادمه شيئًا حتى يظل في خدمته.[6]
يقول حنّا أبو راشد، الأستاذ الأعظم ومؤلّف «دائرة المعارف الماسونية»، الذي يعدّ جميع الأنبياء والعظماء من الماسونيين، صراحةً: «إن العلاقة بين الماسونية والتوراة علاقة متينة».[7] ويضيف: «إن التوراة وثيقة مهمة من الناحية التاريخية، وإن كثيرًا من رموز الماسونية لا يمكن فهمها إلا بربطها بالتوراة؛ لأن فيها شرحَ هذه الرموز وتفسيرَها»[8]
وينقل شاهين مكاريوس[9]، وهو أستاذ أعظم آخر، نصَّ القسم الماسوني، وفيه يحلف الماسوني، واضعًا يده على التوراة المقدسة، على الإيمان بها بوصفها الكتاب الإلهي الأول والأخير، ويتعهّد ببذل نفسه ودمه في سبيل إقامة دولة موسى الكبرى، والانتقام من أعداء أمة صهيون، وتدمير المعتقدات الأخرى.[10]
وهنا ينبغي أن نتساءل: أيُّ جزءٍ من هذا القسم ليس يهوديًّا؟ والحال أن جميع عناصره يهودية؛ بدءًا من التوراة المقدسة، مرورًا بنور جبل الطور، وصولًا إلى دولة موسى والانتقام من أعداء صهيون!
ويصرّح عبد الحليم إلياس خوري، وهو ماسوني، بأن الماسونية تحمل في أعماقها الفكر الإسرائيلي، وأن الأساطير اليهودية حاضرة في تاريخها ورموزها وأسرارها. كما يؤكد أنها تسعى، بوعي أو من دون وعي، إلى بث الروح اليهودية في أتباعها، وأن غايتها النهائية هي بناء هيكل سليمان.[11]
[1] يُراجَع في هذا الموضوع، وفيما يتعلّق بدور اليهود في التحالف مع القوى العالمية الكبرى، كتابُ «اليهود والتحالف مع الأقوياء»، للدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي، مركز كتاب الأمة، الطبعة الأولى، سنة 1412هـ.
[2] السامرائي، نعمان عبد الرزاق، الماسونية واليهود والتوراة، ص: 31، دار الحكمة، كلية التربية، جامعة الملك سعود، بلا تاريخ.
تعليقان
تنبيه: الماسونية | القسم: 40 - کلمات عربي
تنبيه: الماسونية | القسم: 38 - کلمات عربي