استكمالًا لما سبق من مباحث تناولت علاقة اليهودية بالماسونية، وبيّنت أن كلًّا منهما مكمّل للآخر وملازم له، نعرض مزيدًا من الشواهد والأدلة. وسنركّز في هذا المبحث على الأقوال والروايات التي ذكرها قادة الماسونية في مؤلفاتهم.
تتحدث «الموسوعة اليهودية» عن العلاقة الوثيقة والواسعة بين اليهودية والماسونية، فتقول صراحةً:
«إن لغة الماسونية الاصطلاحية ورموزها وطقوسها التي يعتمدها الماسونيون كلَّها حافلة بالأمثال والمصطلحات اليهودية».[1]
ويؤكد هذا التصريح صحةَ شهادة الحاخام الأكبر التي سبق ذكرها. وإذا رجعنا إلى «الموسوعة الماسونية الأوروبية»، وجدنا عبارةً أكثر وضوحًا وصراحة:
«يجب أن يُبنى كلُّ محفل ماسوني وفق نموذج المعبد اليهودي، وأن يحتل كل رئيس محفل منزلة ملك يهودي، وأن يكون كل ماسوني، في الحقيقة، تجسيدًا للشخصية اليهودية».[2]
ومن هذا القول وما يُفهم منه، يتبيّن أن الحركة الماسونية تعكس اليهودية وتعاليمها بوضوح، وأنها الممثِّلة فكريًّا وعسكريًّا وثقافيًّا لهذه الديانة.
ويشرح الأستاذ الأعظم للماسونية شاهين مكاريوس كيفية إدارة المحفل منذ افتتاحه حتى اختتامه، فيقول:
«عندما يُؤسَّس محفل جديد، يُفتتح بتلاوة المزمور الثالث والثلاثين بعد المئة من مزامير التوراة. ثم يعلن الأستاذ الأعظم أو نائبه قائلًا: “أيها الإخوة، اشكروا يهوه بصوت مرتفع؛ فهو الذي بنى القبة والمعبد لعبادته وتعظيم اسمه الأسمى”.
ثم تُتلى صلاة التخصيص والتقديس، وبعد ذلك يقف الإخوة، ويدعو الرئيس قائلًا: “نسألك، يا إلهنا وإله بني إسرائيل، يا من لا إله إلا أنت، أن تجعل السكينة والرحمة في قلوب عبادك الضعفاء المخلصين…”. ثم يتلو الخطيب مقطعًا من سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثاني، من الآية الأولى إلى الآية السادسة عشرة.
وهكذا يبدأ المحفل المستوفي للشروط الرسمية بتلاوة من التوراة، ولا يُوجَّه الشكر إلى رب العالمين، بل إلى يهوه، إله بني إسرائيل، الذي يُصرَّح بأنه لا معبود سواه. وينتهي المجلس كذلك بتلاوة أخرى من التوراة».[3]
وهنا يبرز سؤال أساسي: هل يبقى من يعتقد أن يهوه هو الإله الذي لا إله سواه، وأن التوراة هي الكتاب المقدس الذي لم يسبقه كتاب ولن يأتي بعده كتاب، مسلمًا أو مسيحيًّا؟ وهل يظل ثابتًا على دينه، أم إنه يعتنق اليهودية في حقيقة الأمر؟
وعندما ندرس طريقة انعقاد المحافل الماسونية، ونرى مدى حضور التعاليم اليهودية وتطبيقها في هذه المحافل، يتبيّن أن الماسونية جزء من الثقافة والحضارة اليهوديتين. وحين يُقسَم بإله تقرّه تلك التعاليم، ويُستعمل في وصفه التعبير نفسه الوارد فيها، يتضح أن الماسونية تمثّل جانبًا كبيرًا من الحركة الفكرية اليهودية.
ويصرّح شاهين مكاريوس، في موضع آخر، بشروط بناء المحفل، فيقول:
«يجب أن تُقتبس النقوش والرسوم الرمزية من التوراة؛ لأن الوقائع التاريخية الحقيقية للماسونية القديمة مدوّنة فيها».[4]
ويذكر كذلك أن الأساتذة العظام الأوائل هم سليمان، وحيرام ملك صور، وحيرام آبي.[5] ثم يقدّم نبذةً شارحةً عن حياة كل واحد منهم. فإذا لم تكن للماسونية صلة باليهودية وكانت منفصلة عنها، فما أساس هذا التأكيد المتواصل على الشخصيات التوراتية ومنحها مثلَ هذه المكانة؟
ويرى الأستاذ الأعظم للماسونية «فهمي صدقي الأمعري» أن للماسونيين فروعًا وجماعات متعددة؛ كان بعضها أداةً في أيدي المستعمرين لتوسيع سلطانهم وترسيخه، بينما وُضع بعضها الآخر في خدمة الصهيونية.[6]
غير أن حقيقة هذه الحركة واحدة؛ فهي تخدم مصالح الاستعمار والصهيونية في آنٍ واحد.
فعلى سبيل المثال، نرى أن الاستعمار البريطاني بادر إلى إنشاء المحافل الماسونية حيثما حلّ، واتّبع السياسة نفسها تجاه «القاديانية» و«البهائية».
وقد ظهر ذلك بوضوح في المستعمرات البريطانية في آسيا وأفريقيا.
وعندما احتل البريطانيون البصرة للمرة الأولى، أنشؤوا في غضون أيام قليلة محفلًا باسم «بابل». ثم كرّروا الأمر نفسه بعد احتلال بغداد، وكان كثير من موظفيهم أعضاء في الماسونية. وهكذا نشروا الماسونية في مناطق مختلفة من العالم، وهو النهج الذي سارت عليه فرنسا وإيطاليا.[7]
وفي جانب آخر من تعاليم الماسونية، يتحدث شاهين مكاريوس، في معرض شرحه لطقوس افتتاح المحفل، عن أداء القَسَم، ثم يشير إلى تقبيل الكتاب المقدس، أي التوراة، ويقول:
«يجب عليك، أيها الماسوني، أن تعمل وفق هذا الكتاب المقدس الموضوع أمامك، وأن تجعل جميع أعمالك مطابقةً للأحكام الإلهية الواردة فيه».[8]
ويكتب الدكتور السامرائي عن أوامر اليهودية والماسونية وتعاليمهما قائلًا:
«كنت أتمنى أن أعرف ما يُقال في الصلوات والمواعظ اليهودية؛ لأنني أستبعد أن يقول الحاخام شيئًا يتجاوز ما يقوله مكاريوس في المحفل، وما يدعو الماسوني إلى الالتزام به. فإذا كان الماسوني مكلّفًا بتنظيم حياته وفق التوراة، وباتخاذ أحكامها معيارًا لأعماله، فإنه بذلك يصبح يهوديًّا ملتزمًا، بل ربما يكون أشدَّ التزامًا من كثير من اليهود؛ لأنهم غالبًا ما يهتمون بالتلمود ويتبعون تعاليمه أكثر من اهتمامهم بالتوراة».[9]
كما يقدّم المستشرق دوزي تعريفًا لافتًا للماسونية، فيقول:
«جماعة كبيرة من أتباع مذاهب مختلفة تعمل لتحقيق هدف واحد، هو إعادة بناء المعبد؛ لأن المعبد يُعَدّ رمزًا لدولة إسرائيل».[10]
ولا شك في صحة هذا القول؛ لأن الرمز الرئيس للدولة اليهودية هو المعبد والهيكل.
ومن الدلائل الأخرى على الارتباط العميق بين الماسونية واليهودية مسألة عدد أعضاء المحفل الماسوني؛ إذ يذكر مكاريوس، في معرض حديثه عن شروط التشكيل الرسمي للمحفل، أن حضور سبعة أعضاء على الأقل أمر ضروري، ويعلّل هذا الشرط بقوله:
«لأن الملك سليمان استغرق سبع سنوات أو أكثر في بناء المعبد وإقامته في أورشليم وتخصيصه للعبادة».[11]
ولكن ما الصلة بين النصاب المطلوب لعقد اجتماع رسمي والمدة التي استغرقها بناء معبد سليمان؟ لو صدر مثل هذا التعليل عن شخص آخر، لعددناه ضربًا من التكلّف والابتعاد عن الواقع؛ لكنه حين يصدر عن مكاريوس، فكأن علينا أن نقبله من دون نقاش.
ولا يدل ذلك على شيء بقدر ما يدل على افتتان عميق ونوع من التعلّق الصوفي بالمعبد وأصحابه وما جرى فيه.
ويتحدث مكاريوس عن المعبد وتنظيمه، فيذكر أن سليمان قسّم صُنّاع المعبد إلى ثلاث فئات: الحكام، والمشرفون، والعمال التنفيذيون. ثم يضيف أن على الماسونيين مراعاة هذا التقسيم.[12]
فلماذا كل هذا التأكيد على ذلك؟ من الواضح أن هذا التأكيد ناشئ عن الصلة العميقة بين تعاليم اليهودية والماسونية. ثم يذكر أن بناء المعبد استغرق سبع سنوات وستة أشهر، ويقول في الختام:
«إن الأدعية التي قُرئت في ذلك المقام العظيم لا تزال مسجلةً ومضبوطةً في التواريخ المقدسة».[13]
ولم تكن هذه سوى بعض الأدلة والحقائق التي تثبت أن العلاقة بين الماسونية واليهودية علاقة وثيقة وجوهرية، وأن كل واحدة من هاتين الحركتين تمثّل الأخرى، وأنهما تسيران في اتجاه واحد وتسعيان إلى هدف مشترك.
وسنعرض في المباحث المقبلة مزيدًا من الشواهد والأدلة، إن شاء الله.
تعليق واحد
تنبيه: الماسونية | القسم: 39 - کلمات عربي