نواصل في هذا القسم دراسة علاقة اليهودية بسائر الأديان، فنتناول علاقة اليهود بالدين الإسلامي الحنيف. ولا شك في أن عداء اليهود للإسلام أمر معروف؛ فقد بدأ هذا العداء منذ انطلاق دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما قبل ذلك، بل قبل مولده؛ إذ كانوا يعلمون أنه سيأتي بدعوة جديدة تحطّم أحلامهم ومخططاتهم، وتقلب أوضاعهم رأسًا على عقب.
ولذلك أوغروا صدورَ مَن حوله حقدًا عليه، قبل مولده وبعده، وتمنّوا لو أنه لم يولد قط. فكانوا، حين جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته، في طليعة المكذّبين له، وحرّضوا أعداءه، وحشدوا الأحزاب ضدّه.
وكان كثيرون منهم يقفون وراء جهّال قريش، وينفثون الكفر والطغيان والتمرّد في عقولهم. وحين هاجر إلى المدينة، اشتد إعراضهم وعنادهم؛ فكأنما هاجم وكرًا للوحوش.
ومنذ اليوم الأول، هبّ أعداء الله من اليهود لوضع العراقيل أمام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ودعوته، وتحريض الناس عليه، مستخدمين أموالهم وتحالفاتهم، ومدفوعين بأحقادهم، ومستعينين بكل ما كان في حوزتهم.
وكل من قرأ التاريخ الإسلامي يعرف مواقفهم في غزوة أُحد وغزوة الأحزاب (الخندق)، وغيرها من الوقائع، ونقضهم العهود وخياناتهم ومؤامراتهم؛ وهي أمور دفعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شنّ حملات تأديبية على بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، فتعقّبهم في المدينة وخيبر وفدك و«تيماء»، وأنهى وجودهم فيها، وقطع دابرهم.
لكنهم، كعادتهم، تسرّبوا إلى جسد البشرية كما تتسرّب الجراثيم إلى الدم؛ يوسوسون ويدبّرون المؤامرات. وكانوا أول من خاض في حديث الإفك وروّجه. وهم الذين تآمروا على اغتيال الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأنهم رأوا فيه قوةً لا تُقهر، فأرادوا إزاحته من طريقهم. وهم الذين أشعلوا الفتنة في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، على يد ربيبهم عبد الله بن سبأ، واستمروا في تأجيجها حتى نهاية عهد علي رضي الله عنه.[1]
ولما أدرك اليهود أنهم لا يستطيعون تحريف القرآن ولا العبث بالإسلام كما حرّفوا الإنجيل وعبثوا بالمسيحية، ولن يستطيعوا ذلك أبدًا؛ لأن القرآن محفوظ في الصدور بإرادة الخالق القادر القاهر ووعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.[2] ولذلك لجؤوا إلى تدبير المكائد في الخفاء، لإبعاد المسلمين عن القرآن، وإثارة الشكوك حول السنة والتاريخ الإسلامي. غير أنهم أخفقوا في ذلك أيضًا؛ لأن الله سبحانه سخّر علماء أجلّاء لخدمة الحديث الشريف؛ فحفظوه ودوّنوه ومحّصوه، وميّزوا الصحيح من الضعيف والموضوع.
وحين عجزوا عن النفاذ إلى الدين من أي طريق، لجؤوا إلى بثّ الفرقة بين المسلمين؛ ليتمكنوا من اصطيادهم بعد تفرّقهم وتشتّتهم. ولذلك احتضنوا فكر «مزدك» وحركته، وروّجوا لهما، كما روّجوا للتشيع، ولأفكار القرامطة وإخوان الصفا والحشاشين الإسماعيليين، ولتحريفات نسبوها إلى التصوف؛ ونجحوا في إخراج بعض الفرق عن الخط المستقيم والمنهج القويم.[3]
ثم اشتدت عملياتهم مع بداية العصر الحديث؛ فاخترعوا العلمانية ودعاوى التحديث بين المسلمين، وروّجوا كتبهم وأفكارهم بين شباب المسلمين وقرّائهم، عن طريق عملاء أعدّهم «المتنورون» واليهود وحلفاء الطرفين بعناية في محفل الشرق الأعظم. واستطاعوا بذلك تسميم أفكار بعض قادة الجيش العثماني، مثل مدحت باشا وجمال باشا واليهودي مصطفى كمال، فسقطت السلطنة العثمانية، التي كانت آخرَ رمزٍ بارزٍ للدولة الإسلامية الكبرى.[4]
ثم نفذوا إلى المجتمعات الإسلامية من خلال شعارات التقدم والتحضر والانفتاح والحرية والاشتراكية؛ فكثرت الانقلابات العسكرية، وبدأ الاضطراب الاقتصادي، وساءت إدارة الإنتاج، وأفسدت سياسات التأميم مسيرة الثورة الصناعية في العالم العربي الإسلامي. كما تدهورت الأخلاق تبعًا للظروف التي كان يعيش فيها المواطن؛ من فقر، وقهرٍ نجم عن عنف الأجهزة الأمنية وهيمنة العسكريين.[5]
وهكذا نشأ جيل يميل إلى الهروب من واقعه، وضعف الشعور بالانتماء، وجاهر بعض الناس بالاستخفاف بقيم الإسلام وحدوده، إلا من رحم الله. ونتيجةً لهذا التغلغل، انتشر التبرج وازداد الفساد، وكانت وراء ذلك كلّه جهات خفية ملوّثة شحنت عقول عملائها بالحقد على الدين والمتدينين. فاعتُقل المصلّون عند أبواب المساجد، وأُقيمت المذابح تنفيذًا لمخطط يهوديّ ماسونيّ يهدف إلى القضاء على الإسلام وأتباعه، وعلى حريتهم الفكرية ونهضتهم العلمية والعملية.
وبعد عمليات التغلغل هذه، جاءت الضربة الكبرى حين تمكّن اليهود، برشوة صنّاع القرار الأوروبيين وتضليل أفكار ساستهم، من دخول فلسطين وتشريد شعبها؛ فتحولوا بذلك إلى قنبلة موقوتة في جوار العالم العربي، تستنزف القوى والأموال، وتوقف مسيرة العمل والتقدم والازدهار.
ولما كانت هذه الأمور مرتبطة بتدابير عالمية نظّمتها الماسونية التي صنعها اليهود، وكانت هذه المنظمة تعتمد في ذلك كلّه على خداع الجماهير وتحريف الحقائق والتحريض على العصيان والفوضى، فقد بذل اليهود جهودًا دؤوبةً لتحطيم الدين والشرائع السماوية، وإحلال الأنظمة المادية الإلحادية محلّ تلك الشرائع.[6]
اليهود والحروب
لجأ اليهود إلى إشعال الصراعات بين شعوب العالم؛ بهدف استنزافها ماديًّا، ونشر الفوضى، وهدم الأخلاق والقيم، واقتناص الفرص لجمع الثروات، ثم استخدام هذه الأموال في شرور أخرى.
وفي الماضي، كانوا يقفون وراء النزاعات التي دارت بين دول الشرق القديمة؛ كتلك التي وقعت بين الفرس والرومان، وبين الفراعنة وملوك سورية، وذلك بدعم بعض الأطراف في مواجهة بعضها الآخر، والإفساد بينها، وزرع بذور العداوة.
وكانوا وراء جميع الثورات والفتن في بلادنا العربية منها: الحروب التي خاضها أهل الجاهلية ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته، وحروب الردة، وحركة عبد الله بن سبأ، وثورة الزنج، وحركة بابك الخرّمي، وحركة القرامطة، وحركة الحشاشين؛ والحروب بين فرنسا وبريطانيا، والحروب المتواصلة بين أمراء أوروبا، والحرب العالمية الأولى؛ والتآمر على الخلافة العثمانية والقضاء عليها، والحرب العالمية الثانية، وما أُزهق خلالها من أرواحٍ تُقدَّر بالملايين.
وكانوا كذلك وراء حرب فلسطين، وتسخير جميع عملائهم لخدمتهم، واغتصاب أرضها من العرب؛ ودعم هيلا سلاسي، المنسوب إلى سبط يهوذا، وابتلاع إريتريا؛ والثورات والحروب في أمريكا الجنوبية، والثورة الكوبية، والثورة الشيوعية البلشفية في روسيا، وإخضاع أوروبا الشرقية.
وأخيرًا، أشعلوا الثورات والانقلابات ذات التوجه الاشتراكي، ونشروا الشيوعية في إندونيسيا على يد عميلهم «أحمد سوكارنو»، الذي ذبح سنة 1965م عددًا كبيرًا من الجنرالات المسلمين بذريعة محاولتهم إسقاط حكمه. وفي باكستان، تحالفوا كذلك مع الهندوس بذريعة الصداقة، فقسّموا باكستان إلى شطرين، ثم أبقوا قضية كشمير قائمة بتخطيط اليهود ودعمهم لحلفائهم الهندوس.
وفي خضم ذلك، استعرت الحروب، وأُبيدت أعداد هائلة من المسلمين. كما نشأ تعاون وثيق بين جنوب إفريقيا وإسرائيل لتصفية سكان الأولى، وأُثيرت قضية قبرص، واندلعت الحرب بين تركيا واليونان.[7]
ولا يزال نزيف الدم هذا مستمرًّا. ولعل بعضهم يقول إن اليهود لم يفعلوا ذلك كلّه؛ غير أنه ينبغي أن نعلم أنهم مهّدوا لهذه الأحداث ووقفوا وراءها، من خلال الصراع الفكري الذي أوجدوه بين الرأسمالية والاشتراكية، والعمال والمحافظين، والديمقراطيين والمسيحيين، والثوريين والمتدينين.
وكانت الماسونية أداتَهم في ذلك؛ فهي الأتون الذي يلتهم كل شيء. وستُبحث هذه الموضوعات تباعًا في دراسات لاحقة.
[1] لمزيد من المعلومات لهذا الموضوع، ولما يُنسب إلى اليهود من «مكائد» في هذه الوقائع والأحداث، يُرجع إلى: البوطي، رمضان، فقه السيرة، دار الفكر، دمشق، الطبعة الحادية عشرة، 1411هـ.، السباعي، مصطفى، السيرة النبوية: دروس وعِبَر، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثامنة، 1405هـ.، الندوي، أبو الحسن علي، نبي الرحمة، ترجمة المفتي محمد قاسم القاسمي، طبعة الندوي، زاهدان، إيران.، الجهني، مانع حماد، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المجلد الأول، ص 52، دار الندوة، الطبعة الرابعة، 1420هـ.
تعليقان
تنبيه: الماسونية | القسم: 35 - کلمات عربي
تنبيه: الماسونية | القسم: 37 - کلمات عربي