يُقدَّر عدد اليهود اليوم في جميع أنحاء العالم بنحو خمسة عشر مليون نسمة، وهم منتشرون في مختلف بقاع الأرض، غير أن معظمهم يتركّز، بعد إسرائيل، في الولايات المتحدة الأمريكية، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وبولندا، وإنجلترا، وفرنسا، وتركيا، كما يوجدون في بعض الدول العربية ومناطق أخرى.
وقد نشأ هذا الانتشار عقب تشريدهم وأسرهم أول مرة على يد «نبوخذنصّر» (بختنصّر)، ثم تشريدهم النهائي على يد الرومان بقيادة «تيتوس». وقد عملوا، أينما وُجدوا، ضد الأديان الأخرى والمبادئ والقيم التي كانوا هم أنفسهم يومًا مصدرًا ومنشأً لها، ومارسوا التغلغل والخداع والتخريب والتآمر، حتى أصبحوا مصدرًا للشرور في العالم، وصار سلوكهم وما اتصفوا به من دناءة مضربًا للأمثال.[1]
اليهودية والمسيحية
قبل تناول العلاقة بين اليهودية والماسونية، ينبغي أن نستعرض نظرة اليهودية إلى سائر الأديان وصلتها بها. ونبدأ بالعلاقة بين اليهودية والمسيحية وتقييمها؛ لأن هذين الدينين عاشا متجاورين أكثر من غيرهما، وكثر الاحتكاك والتفاعل بين أتباعهما.
والعداء بين اليهودية والمسيحية ضارب في القدم؛ إذ بدأ منذ ظهور المسيح عليه السلام في أرض فلسطين، حين سارع اليهود إلى تكذيبه، وهاجموه وأتباعه. وقد عُرفت في عهد المسيح عليه السلام قصص تغلغلهم وخداعهم وتحريفهم، ومحاولاتهم لصدّ الناس عن الدين الناشئ.
واستمر هذا العداء حتى رُفع المسيح عليه السلام إلى السماء، وانتصرت دعوته، وتجاوزت حدود فلسطين، وانتشرت في جهات مختلفة.
ومع ذلك، لم يرضَ اليهود بهذا الانتصار المؤقت للمسيحية؛ فسعوا إلى إعداد بعض الموالين لهم، ثم دسّ هؤلاء في صفوف المسيحيين، متظاهرين بأنهم من أتباع المسيح عليه السلام، من أجل التغلغل والتخريب والتحريف. وقد نجحوا في تقديم عدد من الأشخاص على أنهم أتباع مخلصون للمسيح عليه السلام. واستطاع بعض هؤلاء العبث بالدين المسيحي، وتحريف الإنجيل، واختلاق أقوال منسوبة إلى المسيح عليه السلام، كما فعل «مرقس» وغيره.
ثم تجاوزوا ذلك، فقسّموا المسيحية إلى مذاهب مختلفة، وأخذ المسيحيون يتوزّعون بين أناجيل متعددة؛ فاتبع بعضهم إنجيل «متى»، وبعضهم إنجيل «مرقس»، وآخرون إنجيل «لوقا». وهكذا كثرت هذه الأناجيل وتعدّدت، حتى بلغ عددها نحو مئة وعشرين إنجيلًا، وتوزّعت عليها نحو مئة وعشرين فرقةً، تتبع كل واحدة منها إنجيلًا.
وكثيرًا ما كان رجال الدين المسيحي يدخلون في نزاع مع أتباع الأناجيل الأخرى؛ دفاعًا عن معتقدات كل فريق المستندة إلى إنجيله، وتمسّكًا بإيمانه بمسألة معينة، وكانوا يتصادمون في مواقف مختلفة، ممّا أدّى في نهاية المطاف إلى تعدّد مذاهبهم وكنائسهم وأديرتهم، بل وصل الأمر أحيانًا إلى تكفير بعضهم بعضًا.
وظلّ اليهود يلاحقون المسيحية ويؤذونها داخل الدول الأوروبية التي اعتنقتها، وكانوا يقفون وراء كل خلاف ينشأ بين تلك الدول وأمرائها، ويتقرّبون من كل رجل عظيم يصل إلى السلطة أو يتولى منصبًا قياديًّا؛ ليوجّهوه وفق خطط تهدف إلى القضاء على الأديان الأخرى، واستغلال ثروات الشعوب، واستعباد البشر.
وقد ربّى اليهود أجيالهم على هذا الحقد والمكر، وتشهد كتبهم وبروتوكولاتهم[2] على ذلك كلّه، إلى جانب شهادات آلاف المؤرخين والمفكرين والسياسيين والعسكريين في العالم. وهم، في الحقيقة، كاذبون ومصاصو دماء؛ إذ لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدس وإفساده، بل ظلّوا يفسّرون محتوياته وفق أهوائهم وشهواتهم.
وما هذه الآهات والأنّات والحسرات التي تنبعث من أعماق قلوبهم إلا تعبير عن ضيقهم وهم ينتظرون اليوم الذي يتمكنون فيه من أن يفعلوا بنا مثلما فعلوا من قبل بعبدة الأصنام وعبدة النار في العصور الماضية، في عهد الملكة «أستير» في بلاد فارس.[3]
وقد كتب «مارتن لوثر»، الداعية والمفكر الألماني المسيحي الشهير، كتابًا عن اليهودية وأهدافها في البلاد المسيحية، وصرّح فيه بأن اليهودية من أخطر القوى المعادية للمسيحية. وقد كتب في هذا الكتاب:
«ويل لكم! إنهم مولعون بقصة أستير؛ لأنها توافق طبيعتهم الدموية وروحهم الانتقامية. وبنزعتهم الجامحة إلى ارتكاب الجرائم، لم يعرف التاريخ قط شعبًا أشد ولعًا بسفك الدماء والانتقام الدموي من الشعب اليهودي؛ ذلك الشعب الذي يعدّ نفسه “الشعب المختار”، ويتخذ من ذلك ذريعةً لاستباحة قتل الأبرياء وسحقهم وشنقهم.
وأول ما ينتظره اليهود من مسيحهم الموعود[4] أن يبادر فورًا إلى ذبح جميع شعوب العالم وإبادتها، مستخدمًا سيف الانتقام اليهودي الدموي، مثلما حاولوا أن يفعلوا بنا نحن المسيحيين، ويتمنّون تكرار هذه المحاولة بنجاح متى استطاعوا. ولم يعرف التاريخ كذلك شعبًا بلغ من الجشع ما بلغه اليهود. لقد كانوا كذلك، وما زالوا كذلك اليوم، وسيظلون كذلك إلى الأبد. وهم الآن يمنّون أنفسهم بأن مسيحهم الموعود، حين يظهر، سيجمع ذهبَ العالم وفضتَه كليهما، ثم يوزّعهما بينهم بالتساوي.
وبينما أمراء العالم وأصحاب السلطة والمسؤولون فيه غارقون في نوم الغفلة، لا يعلمون ما يُدبَّر حولهم وفي أوساطهم، يواصل اليهود سرقة ما يريدونه ونهبه من خزائن أولئك الأمراء والمسؤولين وصناديقهم المفتوحة. ويعرّض المسؤولون، بهذا التصرف، حياتهم وحياة مواطنيهم للخطر، حين يتركون اليهود يمتصون دماءهم ويسلخون جلودهم بفوائد ربوية فاحشة يفرضونها، وبأساليبهم الخادعة. وبهذه الطريقة، يتحول الأمراء والمسؤولون، وهم في الأصل أصحاب الثروة الشرعيون، إلى متسوّلين معدمين داخل أوطانهم.
لقد استولى اليهود على أموالنا وأرزاقنا، حتى صاروا أربابَ نعمتنا في وطننا. ومع أنهم منبوذون، فإنهم يتهامسون في مجالسهم الخاصة؛ ليعزّزوا ثقتهم بأنفسهم وكراهيتهم العميقة لنا، قائلين: “استمروا في تنفيذ خططنا، وسترون أن الله لن يتخلى عن شعبه المنبوذ والمظلوم. إننا لا نسعى ولا نعمل، بل نعيش في راحة وبطالة تامة؛ وعلى غير اليهودي أن يعمل من أجلنا ويتصبّب عرقًا، وعلينا نحن أن نجني ثمرة كدّه؛ حتى نصبح تدريجيًّا سادة العالم”.
وقد لقّنهم آباؤهم وحاخاماتهم، منذ طفولتهم، كراهيةً سامّةً تجاه كل غريب لا يدين بدينهم. وما زالوا إلى اليوم يغذّونها في نفوسهم بلا انقطاع، حتى سرت، كما ورد في المزمور (109)، في أجسادهم ودمائهم، واستولت عليهم، وبلغت عظامهم وأمخاخهم. فكن، أيها المسيحي، على يقين من أنه ليس لك، بعد الشيطان، عدو ظاهر سوى اليهودي المسموم بحقده، القاسي في ضغينته، المفعم بالطمع والجشع، الذي يبذل كل ما في وسعه، ويتمنى من أعماق قلبه أن يكون “يهوديًّا حقيقيًّا” بكل ما تحمله الكلمة من معنى».[5]
أما الحديث عن جرّ الغرب ومسيحييه إلى مستنقع الفساد فحديث طويل. وكيف لا يكون كذلك، وقد تربّى اليهود أنفسهم على هذا العمل، وربّوا أبناءهم، من خلال بروتوكولاتهم، على إفساد الأجيال والمجتمعات أينما حلّوا؟
ففي بريطانيا، على سبيل المثال، أسّسوا ما أطلقوا عليه اسم «النادي الزجاجي»، وتمكنوا من اجتذاب مجموعة من الشباب والزوجات والأخوات والفتيات إليه. وكان الجميع فيه يرقصون على أنغام الموسيقى وتحت أضواء خافتة، ويشربون الخمر بلا حساب ولا حرج. ولماذا الحرج؟ لأن القائمين على النادي كانوا يرفعون الحرج عن أعضائه؛ شريطة أن ترتدي النساء المنتسبات إليه الأقنعة عند دخولهن، حتى تظل هوياتهن مجهولةً.
ثم كانت الأضواء تخفت تدريجيًّا، ويعلو صخب الموسيقى، ويفقد الجميع اتزانهم، وينتشر الفجور في مختلف أرجائه، حين ينزع الراقصون ثيابهم عن أجسادهم ويمزقونها. وضجّ المجتمع البريطاني من ممارسات هذا النادي، وساوره الذعر من عواقبها.
وفي إحدى ليالي شهر نوفمبر سنة 1916م، وصلت رسالة إلى أحد وزراء الحكومة البريطانية آنذاك، تطلب منه الحضور إلى هذا النادي لتسلّم معلومات بالغة الأهمية. فجاء بسيارته الخاصة، وطلب من سائقه أن ينتظره، ثم دخل برفقة مستقبليه. واقتاده أحدهم إلى مخدع أنيق تملؤه الوسائد الناعمة، ثم تركه وحده.
ولم يمضِ وقت طويل حتى دخلت المخدع، في ضوء خافت، امرأة شابة شبه عارية، وقد غطّت وجهها بقناع. وما إن اقتربت من الرجل والتصقت به حتى كادت تفقد وعيها، وأصيب الوزير بالذهول والغضب؛ إذ لم تكن تلك المرأة سوى زوجته التي كانت تصغره بسنوات.
وحين بلغ غضبه ذروته، تقدّم بعض مراقبي النادي، وأطلعوا الوزير على الملف الأسود المتعلق بزوجته، الذي كشف مشاركتها منذ مدة طويلة في الأنشطة الإباحية للنادي. ولما كان الوزير عاجزًا عن إثارة فضيحة بسبب مكانته السياسية والاجتماعية، اضطر إلى مغادرة المكان مطأطئ الرأس، يعتريه الخجل.[6]
[2] بروتوكولات حكماء صهيون، عنوانٌ يُطلق على مجموعة من النصوص والتوجيهات المشهورة التي يُقال إن يهودًا أعدّوها ونظّموها في محافل مختلفة، وتتضمن خططًا للسيطرة على العالم، وإقامة حكم يهودي، وتحقيق التفوق اليهودي على سائر الأديان والأفراد، وغير ذلك.
تعليق واحد
تنبيه: الماسونية | القسم: 34 - کلمات عربي