مَن هو الشهيد القاضي عبد الرحمن البغماني – رحمه الله – ؟
السيد القاضي عبد الرحمن بن السيد محمد منير بن السيد محمد بشير، من السادة الحسينيين، وُلد سنة 1284هـ في منطقة «سه غنبد»، التابعة لمديرية بغمان بولاية كابول.
وبحسب الروايات العائلية وما ورد في كتيّب «مختصر البيان في تاريخ شهيد العلم والإيمان»، فإن مسقط رأسه الأصلي هو منطقة «سه غنبد»، وقد قضى طفولته ومرحلة شبابه فيها، وظلّ مقيماً بها حتى استشهاده.[1]
ولا تتوافر معلومات كثيرة عن طفولته وتعليمه الديني. ونظراً إلى أن التعليم الديني في أفغانستان في تلك الفترة كان يعتمد بدرجة كبيرة على المساجد وحلقات الدرس المحلية، فقد كان طلبة العلم يتلقّون علومهم على أيدي العلماء. وبناءً على ذلك، يمكن افتراض أنه تلقّى علومه في حلقات علمية في كابول والمناطق المجاورة لها.
ومن المشهور والمقبول عموماً أنه كان منذ نعومة أظفاره يتمتع بذكاء حاد واستعداد علمي نادر. وقد تمكّن في فترة قصيرة نسبياً من تحصيل العلوم المتداولة في عصره، ومنها الصرف والنحو والبلاغة والعقيدة وأصول الفقه والمنطق والرياضيات والجغرافيا، ثم انتقل إلى دراسة العلوم الإسلامية المتقدمة، كالتفسير وعلوم الحديث والفقه. ولا تتوافر معلومات كافية عن شيوخه وأساتذته، غير أنه يبدو أنه استفاد أكثر ما استفاد من العالم البارز والمجاهد المعروف، المولانا عبد الرزاق أندر – رحمه الله –. كما تلقّى العلم عن كبار أسرة المجدديين في منطقة «شور بازار» بكابول، وعن غيرهم من العلماء البارزين في عصره.
بداية العمل في القضاء
بعد أن أتمّ الشهيد القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – تحصيل العلوم الدينية، اشتغل بالتدريس حتى بلغ سن الثلاثين، ثم عُيّن سنة 1315هـ، للمرة الأولى، قاضيًا للمحكمة الابتدائية في ولاية «بنجشير»، الواقعة شمال كابول. وقد مارس مهام القضاء في بنجشير مدة أربع سنوات، متحلّيًا بالأمانة والصدق في أداء وظيفته.
وقد أكسبته ديانتُه الراسخة وتقواه مكانةً رفيعة لدى أهل بنجشير، فلم ينظروا إليه بوصفه قاضيًا فحسب، بل عدّوه أيضًا إمامًا تقيًّا ومرشدًا. ففي ذلك العصر، كان المتنفذون المحليون يتمتعون بنفوذ واسع وسلطة كبيرة في كثير من المناطق النائية في أفغانستان، وكانوا يمارسون الظلم بحق الفئات الضعيفة والمعدمة. غير أن القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – تصدّى لتجاوزاتهم، وعمل على منعهم من ظلم الناس. فلم يخضع لنفوذهم الاجتماعي أو لثرواتهم وأموالهم، ولم تفلح محاولاتهم في إغرائه بالمال أو استمالته. ولذلك، عارضه عدد من المتنفذين وكبار الشخصيات المحلية، وظلوا يترقبون فرصة لعزله عن المحكمة الشرعية في ولاية «بنجشير» أو نقله إلى منطقة أخرى.
وفي سنة 1319هـ، بعد وفاة الأمير عبد الرحمن خان وتولّي الأمير حبيب الله خان العرش، رأى معارضو القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – في انتقال السلطة فرصةً لتحقيق مآربهم، فرفعوا شكوى ضده إلى السلطات في كابول. وفي هذا السياق، تقدّم أحد المتنفذين المحليين في ولاية «بنجشير»، المدعو «لنغرخان»، بشكوى اتهم فيها القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – بعدم مراعاة العدل والإنصاف عند إصدار الأحكام، وتلقّي الرشوة، وجمع ثروة طائلة. وعلى إثر ذلك، استدعت الحكومة القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – من بنجشير إلى كابول، وأبقته رهن الاحتجاز حتى يتبيّن لها مدى صحة الاتهامات الموجهة إليه. كما أوفدت لجنةً إلى بنجشير للتحقيق في ادعاءات تلقيه الرشوة وما نُسب إليه من امتلاك ثروة كبيرة، تمهيدًا لمحاكمته إذا ثبتت تلك الاتهامات.
وبعد عدة أشهر من التحقيق، تبيّن أن هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة. فلم يُعثر على ما يدل على امتلاكه ثروة كبيرة، بل تبيّن أنه كان مدينًا للناس بنحو عشرة آلاف روبية كابولية. وعندما علم أهل بنجشير باحتجازه، بادروا إلى سداد ديونه، وطالبوا الحكومة بإعادة تعيينه قاضيًا في منطقتهم.
وهكذا، أُفرج عن القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – بعد ستة أشهر من الاحتجاز، وبُرّئ من جميع التهم الموجهة إليه. لكنه لم يعد إلى منصب القضاء بعد إطلاق سراحه، بل استأنف تدريس العلوم الدينية. ومنذ ذلك الحين، ظل التدريس، إلى جانب مسؤولياته العلمية والاجتماعية الأخرى، أحد أبرز مجالات نشاطه حتى نهاية حياته.
النشاط في مجال البحث والتأليف
سعى الأمير حبيب الله خان إلى تشكيل هيئة تضم نخبةً من العلماء البارزين المعروفين بالكفاءة والاقتدار والثقة. وقد أُنيطت بهذه الهيئة المسؤوليات الآتية:
1- جمع المسائل الفقهية المتعلقة بالدعاوى والخصومات وتدوينها، استنادًا إلى المصادر الفقهية المعتبرة، وتنظيمها في مجموعة مرتبة. وقد طُبعت حصيلة هذه الجهود لاحقًا في عدة مجلدات تحت عنوان «سراج الأحكام في معاملات الإسلام».
2- تقييم الكفاءة العلمية للأشخاص الذين يُرشَّحون أو يُعيَّنون لتولّي المناصب القضائية والدينية، ومنها: القاضي، والمفتي، والمحرر، وإمام الجماعة، وخطيب المسجد.
3- مراجعة الأحكام الصادرة عن المحاكم الأفغانية مراجعةً نهائيةً؛ للتأكد من صحتها ودقتها، والحيلولة دون وقوع أي خطأ في إصدارها.
4- النظر في شكاوى الأشخاص الذين يعترضون على الأحكام الصادرة عن المحكمة الشرعية في كابول، والبتّ فيها.
بدأت هذه الهيئة، التي ضمّت نخبةً من العلماء البارزين، نشاطها في المدرسة الملكية الواقعة في منطقة «جوبفروشي» بمدينة كابول، وهي المدرسة التي أُسِّست في عهد الأمير عبد الرحمن خان. وكانت الهيئة تُعرف في البداية باسم «علماء المؤلفين»، ثم تحوّلت لاحقًا إلى مؤسسة مستقلة، وواصلت نشاطها تحت اسم «ميزان التحقيقات الشرعية».
وكان أول رئيس لهذه المؤسسة خطيب دار السلطنة، سيد مير علي خان آغا صاحب. وبعده، تولّى سردار محمد عثمان خان رئاستها مدةً من الزمن، ثم أُسندت هذه المسؤولية لسنوات طويلة إلى العالم البارز مولانا عبد الرزاق خان أندر– رحمه الله –.
وكان الشهيد القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – من أوائل أعضاء هذه الهيئة العلمية. وإلى جانبه، ضمّت المؤسسة عددًا من علماء ذلك العصر المشهورين، منهم: المولوي عبد الرؤوف القندهاري، وسيد غلام محمد آغا جارباغي، والمولوي أحمد جان آخندزاده، والمولوي محمد سرور خان واصف، والملا لالاگل أرغنديوال، ومولانا گل آخندزاده– رحمهم الله –.
وكان القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – من أبرز تلاميذ رئيس هذه المؤسسة، مولانا عبد الرزاق خان أندر، كما عُيّن لاحقًا نائبًا لرئيسها؛ ولذلك أُسند إليه جانب كبير من مسؤوليات المؤسسة.
وبحسب رواية محمد صادق مجددي، فقد كان القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – أكثر أعضاء هذه الهيئة إسهامًا في جمع المواد، وإعداد المسودات، ومراجعتها، وإعداد الصيغة النهائية لكتاب «سراج الأحكام». ومع ذلك، ولأن المسؤولية العامة عن مؤسسة «ميزان التحقيقات الشرعية» كانت تقع على عاتق مولانا عبد الرزاق خان الأندر، فقد أُثبت اسمه على الكتاب بصفته مؤلفًا.
وفي سنة 1324هـ، توجّه القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج. وفي ذلك العصر، كان السفر لأداء الحج يتم غالبًا سيرًا على الأقدام، وسط مشقات كثيرة. وقد أُصيب خلال رحلته بمرض شديد، ظل يعاني من آثاره سنوات عدة. ومع ذلك، لم يُثنِه المرض عن مواصلة التدريس والبحث وسائر الخدمات الدينية، ولم يُحدث أي خلل في نشاطه العلمي والتعليمي. وخلال هذه الفترة، واصل الشهيد القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – التدريس إلى جانب البحث والتأليف. وقد انتفع كثير من طلاب العلوم الدينية في ذلك العصر بفيض علمه، ولا سيما الذين كانوا يدرسون في المدرسة الملكية بكابول. وقد حظيت مكانته العلمية بتقدير كبير، حتى إن كبار أسرة مجددي في منطقة «شوربازار» أقرّوا بفضله وعلمه. وكان ثلاثة من أبناء حضرة خواجه غلام قيوم مجددي، وهم حضرة شمس المشايخ فضل محمد مجددي، وحضرة نور المشايخ فضل عمر مجددي، وحضرة محمد صادق مجددي، من جملة تلاميذ القاضي عبد الرحمن – رحمه الله -.
ويروي حضرة محمد صادق مجددي أنه في سنة 1329هـ، عندما عزم حضرة غلام قيوم مجددي على التوجّه إلى سرهند لزيارة مرقد جدّه الجليل، الإمام الرباني الشيخ أحمد السرهندي – رحمه الله -، استدعى القاضي عبد الرحمن – رحمه الله -، وطلب منه نقل مقر إقامته إلى الخانقاه المجددية في شوربازار والإقامة فيها. كما عهد إليه بابنه الصغير محمد صادق مجددي، وأكّد عليه ضرورة الاهتمام بتعليمه وتربيته.
ومنذ ذلك الحين وحتى سنة 1347هـ، أي قرابة تسعة عشر عامًا، كانت الخانقاه المجددية في منطقة شوربازار مقرَّ إقامة القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – ليلًا؛ إذ كان مسكنه الأصلي يقع في قرية «سهغنبد» بمديرية پغمان، ولم يكن التنقّل اليومي بين بغمان وكابول أمرًا ميسورًا له.
[1] ينسب بعض الكتّاب الشهيد القاضي عبد الرحمن- رحمه الله – ، خطأً، إلى قرية بيكتوت في منطقة بغمان، ويطلقون عليه نسبة «البيكتوتي». غير أن البحث يُظهر أن مسقط رأسه وموطنه الأصلي كانا منطقة «سه غنبد»، وهي قرية مستقلة عن بيكتوت، تفصل بينهما قريتان. ولعل الشهرة الأوسع لقرية بيكتوت كانت سبباً في هذا الخطأ في نسبته.