
الكاتب: المفتي محمد نبي "الميداني"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
(القسم التاسع والثلاثون)
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله ومزايا المذهب الحنفي (تتمة)
سابعًا: كثرة أتباع المذهب الحنفي في أكثر دول العالم
يقول الباحثون: إنَّ ٦٠٪ (ستين بالمائة) من المسلمين في العالم هم من أتباع المذهب الحنفي ومعتقدوه، بينما تتوزع نسبة الأربعين بالمائة المتبقية بين المذاهب الثلاثة الأخرى.
إن كثرة مسائل مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وكثرة تلاميذه الذين انتشروا في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وأنشأوا المدارس في مناطقهم، ونشروا مذهب الإمام بين الناس؛ كل ذلك كان سببًا في أن يعتنق أكثر أهل العالم المذهب الحنفي ويتبعوه.
وفي سنة (١٧٠هـ) عُيِّن الإمام أبو يوسف رحمه الله تعالى قاضيَ القضاة في الدولة العباسية، وكانت الدولة العباسية آنذاك واسعة النفوذ والحكم في مناطق كثيرة من العالم، فكانت الحكومات التابعة لها تقضي وتحكم وفق المذهب الحنفي.
وعندما جاءت فترة الدولة العثمانية، أعلن خليفة ذلك العصر رسميًّا أن المذهب الحنفي سيكون المذهب الرسمي للدولة العثمانية.
كما وصل المذهب الحنفي إلى شمال أفريقيا، مثل: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، عن طريق عبد الله بن فروخ، وأسَد بن الفرات رحمهما الله تعالى، وتلاميذهما، كما دخل إلى الأندلس لفترةٍ قصيرة.
وفي عهد الخليفة المهدي انتشر المذهب الحنفي في مصر، وظلت الأعمال القضائية والأحوال الشخصية تُدار وفق المذهب الحنفي مدةً طويلة.
وفي بلاد الشام كان غالب سكان أكثر الأقاليم من أتباع المذهب الحنفي، كما انتشر المذهب الحنفي في العراق، وكذلك كان أهل بلاد ما وراء النهر لا يعرفون مذهبًا غير المذهب الحنفي، وكان سكان أرمينيا وأذربيجان والصين من أتباعه أيضًا.
وفي جنوب آسيا، ولا سيما في الهند، وبنغلاديش، وباكستان الحالية، كان أكثر الناس من معتنقي المذهب الحنفي، كما انتشر هذا المذهب في تركيا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، وتركستان، وأفغانستان، ومنطقة القوقاز، والبرازيل.
ويرى المؤلف أن كثرة أتباع المذهب الحنفي، واتساع نطاق الاعتقاد به في هذه البلدان، تُعدّ من الأدلة على شمول هذا المذهب ومكانته.
وهناك أدلة أخرى كثيرة يمكن الاستدلال بها في هذا الباب، إلا أن ذكرها جميعًا يطيل البحث، ولذلك نكتفي بما سبق من الأدلة.
الخاتمة
خلصتُ في هذا البحث إلى أن المذهب الحنفي هو أفضل المذاهب، وأنه يمتاز بخصائص ومزايا عديدة لا توجد في غيره من المذاهب، ومن أبرز هذه المزايا -بحسب ما عرضه المؤلف في هذا البحث- ما يأتي:
-
أن مؤسس المذهب الحنفي وواضع أصوله، الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى، من التابعين.
-
أن المذهب الحنفي في حقيقته هو ترتيبٌ وتدوينٌ لفقه الصحابة الكرام وفتاواهم.
-
أن المذهب الحنفي كان أول مذهب دُوِّنت مسائله بصورةٍ شُورِيّةٍ وإجماعية، ورُتِّبت في أبواب وكتب.
-
أن أول لجنة علمية بحثية في تاريخ الفقه الإسلامي أُنشئت -بحسب ما يذكره المؤلف- على يد الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ من أجل تحقيق المسائل الفقهية وتدقيقها وتقوية أصول المذهب.
-
أن المذهب الحنفي تميز بالعناية بالفقه التقديري (الافتراضي)، وذلك ببحث أحكام المسائل قبل وقوعها.
-
أنه توسع في الاعتماد على القياس والاستحسان في مواضع الاجتهاد وفق أصوله المقررة.
-
أن عدد أتباع المذهب الحنفي في العالم يفوق عدد أتباع المذاهب الفقهية الأخرى، بحسب ما أورده المؤلف في هذا البحث.
التوصيات
نرغب، تعزيزًا لما سبق عرضه في هذا البحث، في تقديم التوصيات الآتية إلى القائمين على شؤون النظام الإسلامي:
-
نأمل من قيادة النظام الإسلامي إدراج كتبٍ تتناول سيرة الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى والمذهب الحنفي ضمن المناهج الدراسية في المدارس والمعاهد والجامعات.
-
كما نرجو من وزارة الإرشاد والحج والأوقاف الموقرة إعداد خُطبٍ خاصةٍ للأئمة والخطباء حول الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى والمذهب الحنفي، ليقوموا بتوعية عامة الناس بهذا الموضوع من خلال خطبهم ودروسهم.
-
ونوصي جميع المؤسسات التعليمية والجهات المعنية بتنظيم الندوات والمؤتمرات العلمية التي تُعنى ببيان مزايا الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى والمذهب الحنفي، والعمل على نشر الوعي العام في هذا الشأن.
-
ونأمل من السلطة التنفيذية أن تتعامل مع مخالفي المذهب الحنفي وفق الأصول والأنظمة المعمول بها.
-
كما نرجو من السلطة التشريعية أن تراعي المذهب الحنفي عند سنِّ القوانين، وأن تُصاغ التشريعات وتُنفَّذ في ضوء أحكامه.
المراجع والمصادر
-
القرآن الكريم.
-
الأحاديث النبوية الشريفة.
-
مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار، للإمام العيني.
-
أخبار أبي حنيفة وأصحابه، للإمام الصيمري الشافعي.
-
الطبقات الكبرى، لابن سعد، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
-
-
المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، لعلي جمعة محمد عبد الوهاب.
-
الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية.
-
الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي.
-
تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة، للإمام السيوطي.
-
تاريخ الإسلام، للإمام الذهبي.
-
الوافي بالوفيات، للإمام الصفدي.