قبل عدة أعوام، وأثناء انشغالي بالأعمال التعليمية، أُسند إليَّ تدريس مادة «تاريخ أفغانستان المعاصر». وبما أنّه لم تكن لي قبل ذلك صلةٌ تخصصية بعلم التاريخ، فقد دفعني قبول هذه المسؤولية إلى التعمق في دراسة تاريخ أفغانستان المعاصر والبحث فيه.
وخلال هذه الدراسة، لم أكتفِ بالتعرّف على مختلف القضايا والموضوعات التاريخية، بل أدركتُ كذلك حقيقةً مهمة، وهي أن أفغانستان كانت خلال القرن الماضي (من سنة ١٣٠٠ إلى ١٤٠٠هـ ش) ميدانًا للصراعات الفكرية والثقافية. فإذا كانت النزاعات الداخلية في المراحل السابقة من تاريخ أفغانستان قد دارت غالبًا حول الوصول إلى السلطة والاستيلاء على عرش الحكم وتاج الملك، فإن معظم الصراعات السياسية خلال المائة عام الأخيرة كانت نابعةً من اختلافات فكرية وأيديولوجية.
وتُظهر دراسة تاريخ أفغانستان خلال المائة عام الماضية أن محاولات إحداث تغييرات فكرية وثقافية واجتماعية في البلاد قد جرت ثلاث مرات خلال هذا القرن. وبعبارة أخرى، فبالإضافة إلى الغزوات العسكرية التي تعرض لها البلد من قبل الأجانب، فقد وقعت أفغانستان ثلاث مرات تحت تأثير الأفكار الغربية، وفي كل مرحلة من هذه المراحل وقف المجاهدون والمناضلون الملتزمون بأصالة الدين والقيم الإسلامية في وجه هذه المحاولات، وحالوا دو ن انتشار الأفكار الدخيلة، وحافظوا على الهوية الدينية والعقدية والفكرية والثقافية للمجتمع الأفغاني.
يعودُ بدءُ هذه الغزوات الفكرية إلى عهد حكم الأمير أمان الله خان؛ إذ حاول خلال سنوات حكمه العشر، مرتين، أن يروّج في أفغانستان ـ تحت عنوان الإصلاحات أو «الريفورم» ـ مجموعةً من القوانين والعادات والقيم المستمدة من الحضارة والثقافة الليبرالية الغربية.
بدأت المرحلة الأولى من هذه الإصلاحات سنة 1923م (1302هـ.ش)، وقد واجهت، إلى جانب احتجاجات متفرقة في مختلف ولايات البلاد، انتفاضةً واسعةً بقيادة الملا عبد الله المعروف بـ«الملاي لنگ» في المنطقة الجنوبية (بكتيا)، حيث انشغلت القوات العسكرية لحكومة أمان الله خان في مواجهتها قرابة تسعة أشهر. ومع أن هذه الانتفاضة انتهت في نهاية المطاف بإعدام قائدها واستشهاده، فإنها أجبرت أمان الله خان على حذف ستة عشر بنداً من القوانين، كانت متعارضةً مع أحكام الشريعة الإسلامية.
أما المرحلة الثانية من الإصلاحات الأمانية فقد بدأت عندما عاد أمان الله خان من رحلته الطويلة إلى أوروبا في صيف سنة 1928م (1307هـ.ش). وكان قد تأثر بشدة بالمجتمعات الغربية والتيارات المتغربة، فشرع بسرعة في تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن احتجاجات واسعة اندلعت لاحقاً في مناطق مختلفة من البلاد ضد هذه السياسات، وانتهت في نهاية الأمر بسقوط حكومة أمان الله خان، فإن أول صوتٍ قوي وصريح عارض هذا المسار كان صوت القاضي في الحكومة الأمانية، الشهيد المولانا عبد الرحمن البغماني.
كان القاضي عبد الرحمن يتولى أعلى منصب قضائي في حكومة أمان الله خان، وكان يتمتع بمكانة رفيعة واعتبار اجتماعي وامتيازات حكومية. ولكنه عندما رأى انتهاك الأحكام الدينية من قبل الحكومة، أعلن معارضته لها صراحةً. ورغم جميع الضغوط، لم يقبل طلب الملك بتأييد إجراءاته المخالفة للشريعة. وقد ضحّى في سبيل حماية الدين والدفاع عن الشريعة وصيانة القيم الإسلامية بكل ما يملك، ووقف ثابتاً شامخاً أمام رصاص رجال الحكومة، بعد أن قدّم روحَي ابنيه الشابين فداءً لهذا الطريق.
إن ثبات الشهيد القاضي عبد الرحمن وتضحياته وفداءه المشرق لم يحظَ في التاريخ بما يليق بمكانته وشخصيته. فقد نال، شأنه شأن كثير من المناضلين الساعين إلى الحق في هذه البلاد، نصيباً من الأحكام المنحازة، وأحياناً من الحساسيات الفكرية لبعض المؤرخين؛ إذ بُذلت محاولات لطمس شخصيته وسيرته، أو عرضها بصورة مشوّهة.
وانطلاقاً من الاعتقاد بضرورة أداء حق هذا الحارس لحرم الدين وفكر الشعب الأفغاني، وتعريف الجيل الحاضر بشخصيته ومسيرته، كنت أفكر منذ مدة طويلة في تأليف عمل مستقل حول حياته وجهاده. وفي العام الماضي، بمناسبة الذكرى المئوية لاستشهاد الملا عبد الله (آخندزاده)، كتبت مقالاً حول شخصيته ونضاله، وقد لقي ترحيباً واسعاً من القرّاء. ومنذ ذلك الوقت كنت أفكر في إعداد عمل مماثل عن الشهيد القاضي عبد الرحمن البغماني؛ غير أن الكتابة عنه، بسبب كثرة المصادر ووفرة المعلومات، تجاوزت تدريجياً إطار المقالة، ووصلت إلى حجم كتاب أو رسالة علمية.
ومن الجدير بالذكر أن جميع المعلومات والمواد الواردة في هذا العمل جُمعت اعتماداً على مصادر تاريخية موثوقة ومستندة، وقد أُثبتت الإحالات اللازمة في الهوامش عند الحاجة.
وفي الختام، لا بد لي من أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ سيد أحمد قريب، أحد أفراد أسرة (حفيد) الشهيد القاضي عبد الرحمن البغماني، الذي وضع تحت تصرفي النسخة النادرة من رسالة «مختصر البيان» وبعض المصادر الأخرى للاستفادة منها وإكمال هذا البحث. كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى المولوي إحسان الله بدر، رئيس المطبوعات في إدارة الشؤون، على تعاونه معي في استكمال جانب من معلومات هذا العمل.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا الجهد ذخراً لي ولوالديّ في الآخرة.
آمين يا رب العالمين.
القارئ عبد الستار سعيد
12 محرّم الحرام 1448هـ
7 سرطان 1405هـ.ش
دار الأمان، كابل.
مقدّمة المترجم
بسم الله الرحمن الرحيم
تُعدّ ترجمةُ الآثار العلمية والتاريخية من أهم الوسائل لنقل المعرفة، والحفاظ على التراث الثقافي، وتوسيع آفاق التفاعل الفكري بين المجتمعات العلمية. وهذه العملية ليست مجرد نقلٍ للألفاظ من لغة إلى لغة أخرى، بل هي إعادةُ صياغةٍ واعية للمفاهيم، ونقلٌ دقيق لمقاصد المؤلف، وتمثيلٌ أمين للبيئة الفكرية والتاريخية للنص في قالب اللغة الهدف. ومن هنا، فإن ترجمة المؤلفات المرتبطة بالتاريخ، والشخصيات الدينية، والتيارات الفكرية، تحتاج إلى دقة علمية، ومعرفة بالسياقات التاريخية، وتمكن من كلٍّ من اللغة الأصلية واللغة المنقول إليها؛ حتى تُحفظ أصالة العمل، وتتهيأ الاستفادة منه لأكبر عدد ممكن من القراء والباحثين.
يُعدّ كتاب «شهيد الحجاب والعفة؛ نظرة إلى حياة الشهيد القاضي عبد الرحمن البغماني» من الأعمال التي تتناول إعادة قراءة حياة وفكر وجهاد ومكانة إحدى الشخصيات المؤثرة في تاريخ أفغانستان المعاصر؛ تلك الشخصية التي أدّت دوراً بارزاً في مجالات القضاء والعلم والدعوة الدينية، والتي وقفت في إحدى أكثر المراحل حساسيةً من تاريخ البلاد، مستندةً إلى معتقداتها الدينية وأصول الشريعة الإسلامية، في مواجهة الإجراءات التي كانت تراها مخالفةً لأحكام الدين الإسلامي وقيم المجتمع، حتى نالت الشهادة في سبيل ذلك. ومن هذا المنطلق، فإن هذا العمل لا يمثل مجرد سردٍ لحياة شخص واحد، بل يعكس أيضاً جانباً من التاريخ السياسي والاجتماعي والديني لأفغانستان، ويوفر أرضيةً لفهمٍ أفضل للتحولات التي شهدتها تلك المرحلة.
جاءت ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية انطلاقًا من قناعةٍ بأن الفهم الدقيق لتاريخ أفغانستان المعاصر لا يتحقق من دون الرجوع إلى مصادر متنوعة والاستفادة من المؤلفات المكتوبة باللغات الوطنية للبلاد. وعلى الرغم من الروابط الثقافية واللغوية الوثيقة بين اللغتين الدَّرِيَّة والبَشْتَوِيَّة، فإن جانبًا مهمًّا من التراث المكتوب للبلاد لا يزال غير متاح بصورة مباشرة لشريحة من الباحثين والمهتمين. ومن هنا، تبرز أهمية ترجمة مثل هذه الأعمال إلى اللغة العربية؛ لما يمكن أن تؤديه من دور فاعل في تطوير الدراسات التاريخية، وإثراء الأدبيات البحثية، وتعزيز الحوار العلمي بين الباحثين، ونقل التراث الفكري للبلاد إلى الأجيال القادمة.
وقد روعي في عملية الترجمة تحقيق التوازن بين أصلين أساسيين؛ وهما الأمانة للنص الأصلي، والالتزام بمعايير اللغة العربية. ولهذا، حُفظ الهيكل العام للعمل، ومحتواه، واستدلالاته، وآراء المؤلف دون تغيير أو تصرف، ولم تُجرَ إلا التعديلات التي اقتضتها الفروق البنيوية بين اللغتين أو متطلبات الأسلوب المعياري للغة العربية، وذلك في طريقة التعبير، وترتيب الجمل، واختيار المقابلات اللفظية المناسبة. كما تم في ترجمة المصطلحات الدينية والتاريخية والقانونية والإدارية الاعتماد على المعادلّات المتداولة والمقبولة في اللغة العربية، حتى يجمع النص بين الوفاء للأصل والانسجام العلمي واللغوي.
ومن البديهي أن مسؤولية الآراء والتحليلات والتفسيرات الواردة في هذا الكتاب تقع على عاتق مؤلفه، وأن هذه الترجمة إنما أُنجزت بهدف نقل مضمون النص الأصلي بدقة إلى القراء الناطقين باللغة العربية. ومن جانبي كمترجم، سعيت إلى تجنب أي حكم أو تفسير شخصي أو تغيير في محتوى العمل، والاكتفاء بأداء دور الوسيط العلمي بين المؤلف والقارئ؛ وهو مبدأ من المبادئ الأساسية في الترجمة البحثية.
ولا شك أن أي ترجمة لا تخلو من احتمال الخطأ أو النقص، ولذلك فإن هذه الترجمة أيضاً لا تدّعي أنها بمنأى عن النقد والتقييم العلمي. ومن هنا، أتوجه بدعوة صادقة إلى الأساتذة والباحثين وأهل القلم للإسهام بآرائهم ومقترحاتهم ونقدهم البنّاء في تحسين الطبعات القادمة من هذا العمل وتطويرها؛ لأن رقيّ الأعمال العلمية لا يتحقق إلا في ظل النقد المنهجي والحوار العلمي.
وفي الختام، أجد من واجبي أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جميع الذين ساعدوني وشجعوني في إعداد هذه الترجمة وإنجاز هذا العمل العلمي. وأرجو أن تكون هذه الترجمة خطوةً ـ وإن كانت صغيرة ـ في سبيل التعريف الأفضل بالشخصية العلمية والقضائية والتاريخية للقاضي عبد الرحمن، وإثراء الدراسات البحثية حول تاريخ أفغانستان المعاصر، والمحافظة على التراث المكتوب للبلاد، وتهيئة المجال لإجراء بحوث أوسع في هذا المجال للباحثين والجيل الشاب.
أسألُ اللهَ تعالى أن يجعل هذا العملَ خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعَ به المسلمين والباحثين.