
الکاتب: المولوي رحمت الله "عبيد"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
القسم الثلاثون
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله وعلم الحديث
نبذة مختصرة عن حياة الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
اسمه ونسبه:
اسم الإمام أبي حنيفة رحمه الله هو النعمان، واسم والده ثابت، واسم جدّه النعمان بن مرزبان، وقيل: زُوْطَي بن ماه (على وزن موسى)، وكنيته أبو حنيفة رحمه الله، ونسبه الكامل هو:
الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن مرزبان الكوفي.
وقد اتفق المحققون على أن الإمام رحمه الله كان في الأصل من العجم، وأن مولده كان في الكوفة، أما ما يُذكر في نسبه من أنه كان في الأصل من كابُول، وأن جدَّه النعمان بن مرزبان أُسِر في إحدى حروب كابُول، ثم أخذه الجيش الإسلامي على أنه مملوك، وبعد ذلك اشترته امرأة من قبيلة تيم الله ثم أعتقته؛ فهذه الرواية ـ وإن كانت مشهورة جدًا ـ فقد أنكرها ابن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، حمّاد، إنكارًا شديدًا، وقال:
«والله ما وقع الرق على أهل بيتنا قط».
ولما كانت هذه الرواية صادرة عن ابن الإمام نفسه، فقد رجّح كثير من العلماء أن الرق لم يلحق بأسرة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وأنهم كانوا أحرارًا في جميع مراحل حياتهم.
مولده:
وردت في تاريخ مولد الإمام أبي حنيفة رحمه الله أربعة أقوال:
القول الأول: أنه وُلد سنة 61هـ.
القول الثاني: أنه وُلد سنة 63هـ.
القول الثالث: أنه وُلد سنة 70هـ.
القول الرابع: أنه وُلد سنة 80هـ.
وعلى الرغم من أن القول الرابع هو الأشهر، أي أن ولادة الإمام أبي حنيفة رحمه الله كانت في سنة 80هـ، وقد ذكره كثير من أصحاب كتب المناقب، إلا أن العلامة زاهد الكوثري رحمه الله رجّح القول الثالث، أي أنه وُلد سنة 70هـ، مستندًا إلى بعض الوقائع وأقوال العلماء. والله أعلم. [1]
طلبه للعلم:
يُذكر أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لم يكن قد اشتغل بطلب العلم في صغره، بل إنه في بداية حياته اتجه إلى التجارة، ولما كان الله تعالى قد منحه ذكاءً وفهمًا عظيمين، رآه الإمام الكبير في الحديث عامر بن شراحيل رحمه الله ذات يوم، فقال له: «عليك بطلب العلم؛ فإنك تستطيع أن تقدم خدمة عظيمة».
فلما سمع الإمام أبو حنيفة رحمه الله هذه النصيحة، ترك الاشتغال بالتجارة، وتوجه إلى طلب العلم.
وفي مدة قصيرة بلغ في علم الكلام منزلةً عالية، حتى عجزت الفرق الضالة في ذلك العصر، مثل القدرية والزنادقة وغيرهم، عن مجاراته في المناظرات، وظهر عجزهم أمامه.
ولما كان التعمق في علم الكلام والانشغال به لم يكن من طريقة الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولا من طريقة كبار التابعين، ترك الإمام أبو حنيفة رحمه الله هذا العلم، ووجّه اهتمامه إلى علم الفقه، فلزم الإمام حماد بن سليمان رحمه الله، الذي كان يدرّس في المسجد الجامع بالكوفة، وانضم إلى حلقته الفقهية وإلى جماعة تلاميذه.
وبعد ملازمته له مدة ثمانية عشر عامًا، لما توفي حماد بن سليمان رحمه الله، عُيّن الإمام أبو حنيفة رحمه الله خليفةً له في مجلسه العلمي.
مكانته ومنزلته:
اتفق عدد كبير من المحققين من أصحاب كتب المناقب، ومنهم العلامة الذهبي وابن حجر رحمهما الله، على أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان من التابعين، وأنه رأى بعينيه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه وعددًا من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وبذلك كان ممن دخل في مصداق قول الله تعالى:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[2]
أي:
“والذين اتبعوا هؤلاء المهاجرين والأنصار بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك هو الفوز العظيم.”
وفاته وسبب سجنه:
اتفق أصحاب كتب المناقب على أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله أمضى الفترة الأخيرة من حياته في السجن، وأما السبب الحقيقي لسجنه، فقد نُقل فيه قولان:
القول الأول: أن الخليفة العباسي المنصور عرض على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تولّي منصب القضاء، فرفض الإمام ذلك، وهذا القول هو المشهور، وقد ذكره كثير من العلماء.
القول الثاني: أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لم يكن في الأصل راضيًا عن خلافة المنصور، ولم يكن يراه أهلًا للخلافة، فلما خرج إبراهيم ومحمد على المنصور، أعان الإمام رحمه الله ثورتهما بالمال، وبعد قتلهما، أقدم المنصور على سجن الإمام أبي حنيفة رحمه الله انتقامًا منه، وجعل عرض منصب القضاء ذريعةً لذلك، ثم دسّ إليه السم، فمات الإمام رحمه الله على إثر ذلك موتةَ الشهادة.
تاريخ وفاته:
اتفق أصحاب كتب المناقب على أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله توفي سنة 150 هـ، إلا أنهم اختلفوا في تحديد الشهر الذي كانت فيه وفاته:
القول الأول: أنه توفي في شهر رجب المرجب.
القول الثاني: أنه توفي في شهر شعبان المعظم.
المكانة الحديثية للإمام أبي حنيفة رحمه الله:
لما كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله قد وُلد في الكوفة، فإننا عند الحديث عن مكانته ومهارته في علم الحديث نبدأ أولًا بالحديث عن الكوفة، وبيان مكانتها العلمية، والدور الذي أدّته بوصفها مركزًا من مراكز انتشار الحديث والعلم؛ لأن ذلك له تأثير مباشر في بيان المكانة الحديثية للإمام أبي حنيفة رحمه الله.
يتبع..
[1] تأنيب الخطيب: 40–44