سبق أن تناولنا بعض الأعداد، ودرسنا ما تنطوي عليه من دلالات ورسائل. ونواصل في هذا المبحث الحديث عن مجموعة أخرى منها، لنتعرّف إلى معانيها والغايات التي يسعى الماسونيون إلى تحقيقها من خلال استخدامها.
دلالة العدد (4)
يرمز العدد (4) في كثير من الحضارات إلى الفصول الأربعة، والجهات الأربع، والرياح الأربع، وأركان الأرض الأربعة. ويشير في البوذية إلى «الحقائق النبيلة الأربع»، وهي: معرفة المعاناة، معرفة منشئها وسببها، وكيفية وضع حدّ لها، والطريق المؤدي إلى إنهائها.
وفي المسيحية، يرمز هذا العدد إلى أذرع الصليب الأربعة، والأناجيل الأربعة، والفضائل الأساسية الأربع، وهي: الحكمة، والصبر، والعدالة، وضبط النفس.[1]
أما في الفكر الماسوني، فيرمز إلى الفضائل الماسونية الكبرى، وهي: الاعتدال، والشجاعة، والحذر، والعدالة.[2]
دلالة العدد (5)
يرمز العدد (5) في اليهودية إلى الأسفار الخمسة المنزلة على نبي الله موسى عليه السلام، وإلى الأسفار الخمسة التي تُقرأ في الأعياد اليهودية، وهي: نشيد الأنشاد، وراعوث، ومراثي إرميا، والجامعة، وأستير.
أما في الفكر الماسوني، فيشير هذا العدد إلى وصول المرشّح للعضوية الماسونية إلى مرحلة «التقديس والتثبيت». وفي هذه المرحلة، يتعيّن عليه أن يصعد الدرجات الخمس للمعبد الماسوني، ويتأمل في النجمة الخماسية.
ويرمز هذا العدد أيضًا إلى العلوم الخمسة المميّزة في الفكر الماسوني، وهي: علم الجاذبية، والهندسة، والإنتاج، والعبقرية، والعرفان.[3]
دلالة العدد (6)
يدل العدد (6) على العمل الشاق في العبودية، وعلى فقدان الحرية قبل استعادتها في السنة السابعة، كما ورد في سفر الخروج (21: 2): «إذا اشتريت عبدًا عبرانيًّا، فستَّ سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حرًّا مجانًا».
ويرمز كذلك إلى خلق الإنسان في اليوم السادس من أيام الخليقة، وفقًا لما جاء في سفر التكوين (1: 26): «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدبّ على الأرض».[4]
كما يرتبط بالسنوات الست التي حكمت فيها الملكة الشريرة «عثليا» البلاد؛ فقد تولّت الحكم بعد أن أبادت النسل الملكي من سلالة داود عليه السلام. وقد ورد في سفر الملوك الثاني (11: 3) أنها حكمت ست سنوات، وجاء في الآية الأولى من الإصحاح نفسه: «فلما رأت عثليا أم أخزيا أن ابنها قد مات، قامت وأبادت جميع النسل الملكي».[5]
أما في الفكر الماسوني، فيرمز هذا العدد إلى «العالَم الأكبر»، أي الكون الذي خُلق في ستة أيام، وإلى خاتم سليمان عليه السلام، والإنسان الكوني في التصور الماسوني. كما يرمز إلى عدد الوحش الذي سيظهر في زمن «الضيق العظيم»، أي عند نهاية العالم، كما ورد في سفر رؤيا يوحنا (13: 18): «هنا الحكمة! من له فهم فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان، وعدده ستمائة وستة وستون».[6]
دلالة العدد (7)
يُعَدّ العدد (7) من الأعداد المقدّسة لدى اليهود بوجه عام، ولدى الماسونيين بوجه خاص. ففي الفكر اليهودي، يرمز إلى طقوس العبادة والتطهير القائمة على الشريعة اليهودية، وإلى الخدمة والعمل؛ ومن أمثلة ذلك خدمة يعقوب عليه السلام سبع سنوات من أجل راحيل. كما يدل على السيادة والكمال والتمام، وعلى السنوات السبع التي استغرقها نبي الله سليمان عليه السلام في تشييد هيكله؛ إذ عهد إلى «حيرام»، رئيس البنّائين الصوري، بتشييده.[7]
أما في الفكر الماسوني، فيدل هذا العدد على صحة انعقاد المحفل متى بلغ عدد أعضائه سبعة أشخاص؛ إذ يجتمعون مرّة كل خمسة عشر يومًا، ويكون لكل محفل لباس خاص به. ومن هنا أصبح الشمعدان السباعي رمزًا لعدد أعضاء المحفل.
كما يرمز هذا العدد إلى العاطفة في الإنسان، والطهارة، والتكوين، والاتحاد بالله.[8]
دلالة العدد (8)
يرمز هذا العدد في الفكر الماسوني إلى عقل الإنسان، ويشير إلى ضرورة تغليب العقل على العاطفة. أما في القبّالة الماسونية، فيرمز إلى الميزان والراحة والتوازن.[9]
دلالة العدد (12)
يحتل العدد (12) مكانة مهمة في الفكرين اليهودي والمسيحي.
ففي الفكر اليهودي، يرمز إلى أبناء يعقوب عليه السلام الاثني عشر، أي الأسباط الذين انحدرت منهم قبائل اليهود الاثنتا عشرة، ويدل على اكتمال سيادتهم القبلية.
ويرمز كذلك إلى الحياة، استنادًا إلى ما فعله موسى عليه السلام حين ضرب بعصاه الصخرة، فانفجرت منها اثنتا عشرة عينًا.[10]
ولهذا العدد مكانة خاصة في المسيحية أيضًا؛ إذ يرمز إلى حواريّي المسيح عليه السلام الاثني عشر، وإلى المدينة المقدسة التي لها اثنا عشر بابًا، ويحرسها اثنا عشر ملاكًا، ويقوم سورها على اثني عشر أساسًا، كما ورد في سفر رؤيا يوحنا (21: 2–3، 12–16):
«وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيّأة كعروس مزيّنة لرجلها… وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلًا: هوذا مسكن الله مع الناس… وكان لها سور عظيم وعالٍ، ولها اثنا عشر بابًا، وعلى الأبواب اثنا عشر ملاكًا، وقد كُتبت عليها أسماء أسباط بني إسرائيل الاثني عشر… ولسور المدينة اثنا عشر أساسًا، وعليها أسماء رسل الحمل الاثني عشر… والمدينة موضوعة مربعة، طولها بقدر العرض، وقياسها اثنا عشر ألف غلوة؛ الطول والعرض والارتفاع متساوية».[11]
أما في الفكر الماسوني، فيرمز العدد (12)، ولا سيما عند اقترانه برمز «الساعة»، إلى طلوع فجر جديد وبداية عهد النظام العالمي الماسوني الجديد. ويبدو أن هذا الرمز يجسّد لدى الماسونيين تطلّعًا خفيًّا إلى السيطرة على العالم بأسره، وإقامة نظام جديد يقوم على الفكرين الماسوني واليهودي. كما يشير إلى هدفهم الجوهري المتمثّل في إقصاء جميع الأديان، ولا سيما الدين الإسلامي الحنيف. ويزداد هذا المعنى وضوحًا عند اقتران العدد برمز الساعة.
تكشف هذه الأعداد جانبًا من حقيقة الفكر الماسوني وتوجّهاته الرامية إلى فرض هيمنته على العالم بأسره.[12]