
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 12
ماذا يبقي من حكم الشعب
عندما نتفحّص الجوانب الخفية والمستترة للديمقراطية، ونزيل قشرتها الخارجية ومظهرها المصطنع، فستظهر الحقائق السوداء، من وراء سحب الأكاذيب والخداع، كالشمس في وضح النهار، وستبدّد ليل الخداع والمكر، وتزيل قيود الديمقراطية.
إن الأمور المذكورة أعلاه هي القوى الحقيقية للأقلية في الديمقراطية، ومن المؤكد أن النقاش حول حكم الأقلية قد استمرّ بعض الوقت؛ لأن الهدف الأهم، من وجهة نظر الديمقراطية، هو حكم الأغلبية، لا حكم الأقلية، الذي ملأ الآفاق اليوم بضجيجه؛ ولكن هل هذا صحيح أم لا؟ إن الحكم في ذلك متروك للقرّاء.
يقول «ريني» إن بعضهم يبالغون في القول إن الأنظمة الديمقراطية هي صورة من صور الدكتاتورية، تُمارَس من خلال أصوات الشعب، ونحن أيضًا نقول: من الأفضل أن نقول إن الديمقراطية هي حكم الأقلية (Oligarchy)الذي يُدار عن طريق الانتخابات العامة، حتى لو كان الحكم الشعبي موجودًا منذ السابق، أو وُجد يومًا ما، فإنه سيكون مؤقتًا، وسرعان ما سيُثبَّت حكم الأقلية أو الحكم الفردي.
إن القانون الحاكم في عالم السياسة هو أن قانون داروين هو الذي يبقى فيه الأقوى: «صراع البقاء»، ولذلك كان من الانتقادات الموجّهة إلى حكم الشعب أنه يفتح الطريق أمام الظلم والقهر باسم الشعب، وبناءً على ذلك، لا بد من وجود وسائل حماية وضمانات تحول دون هذه النتيجة، وهذا الضمان هو حق الحرية؛ لأنه يحمي حرية الأقلية من استبداد الأغلبية، لكننا رأينا أن المسألة ليست مسألة الأغلبية، بل هي مسألة حكم الأقليات؛ ولذلك ينبغي لنا، في هذه الحالة، أن نطرح هذه المسألة على الغربيين ونوضحها لهم، وأن نجعل الحرية حاميةً لحرية الشعب في مواجهة ظلم الأقلية، ولا عيب في بيان مسألةٍ للغربيين؛ لأنهم قبلوا كثيرًا من المسائل على نحوٍ خاطئ.
إن المشكلة الأساسية تكمن في عرض بعض الحقائق بصورة مقلوبة أو منحرفة، بحيث تؤدي إلى نتائج معاكسة، فإذا شُرحت هذه الحقائق شرحًا صحيحًا، فسوف تسير الأمور، يقينًا، في مسارها الصحيح.
الحكم الديمقراطي من وجهة نظر المفكرين الغربيين
تحدّثنا في الملاحظات السابقة عن حكم الأقليات للأغلبية، أما في هذا البحث فسنتحدث عن حكم الأقلية أو الأقليات من وجهة نظر المفكرين الغربيين. ويبدو أن هذه المسألة لم تكن مجهولة لديهم، ولا تزال كذلك.
وقد رصد المفكرون الغربيون أيضًا شكل حكم
وكيفيته، واعترضوا عليه، ووجّهوا انتقادات إلى الديمقراطية.
وهنا نورد قول «روسو»، إذ يقول: «إذا أخذنا المفهوم الحقيقي للديمقراطية بعين الاعتبار، فسيتضح أنه لم تكن هناك ديمقراطية حقيقية، ولن تكون؛ لأنها تتعارض مع النظام الطبيعي الذي تكون فيه سلطة الحكم والحكومة في أيدي الأكثرية، ويكون عدد قليل من الناس محكومين ويُحكَم عليهم»، ويقول المفكر الأمريكي «مكآيفر»: «الحقيقة هي أن جميع الناس لا يحكمون، بل إن الأقلية دائمًا ما تكون لها السلطة وتمارس الحكم»
.إن منتقدي الديمقراطية يدركون هذه النقطة جيدًا، وقد قال «غايتانو موسكا»، وهو مفكر إيطالي (١٨٥٨–١٩٤١): «من العبث أن تُصنَّف الحكومات في أشكال محددة، كالحكم الملكي والأرستقراطي والديمقراطي؛ لأن هناك نوعًا واحدًا من الحكم، وهو حكم الأقليات، وقد قسّم مفكر إيطالي آخر، هو «ويلفريدو باريتو»، المجتمع إلى طبقتين: الطبقة المختارة والطبقة غير المختارة، وتنقسم الطبقة المختارة نفسها إلى قسمين: المختارون الذين يحكمون ويتولّون السلطة، والمختارون الذين لا يحكمون، كما ينقسم المختارون الحاكمون إلى جماعتين: جماعة داخلية تمارس السلطة والقوة، وهم الآن قادة الأحزاب، وجماعة خارجية تملك السلطة والسيادة».
ومن جهة أخرى، طرح «روبرتو ميشيلز» (١٨٧٦–١٩٣٦) قانونًا سمّاه «القانون الحديدي لحكم الأقلية»، ومفاده أنه لا أمل في نجاح أي حزب أو حركة من دون قيادة؛ وهذه القيادة هي اسم آخر لحكم الأقلية، (Oligarchy) ويرفض كلٌّ من موسكا وميشيلز القول بأن «كلما زاد عدد السكان، زاد عدد الحكام»؛ لأن موسكا يرى أنه كلما ازداد عدد السكان، قلّ عدد أفراد الطبقة الحاكمة، ويقول ميشيلز أيضًا: «كلما كبر الحزب، أُسندت الأعمال والمهام بدرجة أكبر إلى دائرة محدودة من القادة والموظفين».[1]
كان الكاتبان والمفكران البريطانيان، «هـ. ج. ويلز» (١٨٦٦–١٩٤٦) و«برنارد شو»، يعتقدان أن الناس لا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وأنهم يفضّلون حكومة تتكوّن من أقلية قوية.
وإلى جانب المنتقدين، يدرك كثير من المدافعين عن الديمقراطية في الغرب ما يمكن أن تفعله أقلية قوية، ويقول «مكآيفر»: «إن المشكلة الأزلية للديمقراطية هي أن تضع جماعاتها القوية في أماكن مناسبة وملائمة، وأن تعمل على احترام المبادئ الديمقراطية وحمايتها».
ويُرى تركّز السلطة واحتكارها على جميع المستويات، فمنذ قرن مضى، تنبّأ «دي توكفيل(De Tocqueville) » بأن الأنظمة القديمة والحديثة ستتجه نحو تركّز السلطة واضطرابها.
وأعلى هذه المستويات هو المستوى العالمي، فقد كان العالم في السابق ثنائيَّ القطبية، ثم تعرّض أحد القطبين، وهو القطب الشيوعي، للهزيمة والانهيار، وأصبح العالم اليوم أحاديَّ القطبية، والقطب المهيمن فيه هو الولايات المتحدة الأمريكية.
ويوجد كذلك تركّز للسلطة وحكم للأقلية في منظمة الأمم المتحدة، فمجلس الأمن، الذي يتكوّن من ممثلي (15) دولة، يتمتع بسلطة ونفوذ أكبر من سائر أجهزة الأمم المتحدة، ومن بين أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر خمسة أعضاء دائمون يتمتعون بحق النقض (الفيتو)، ومن بين هؤلاء الأعضاء الخمسة تُعدّ الولايات المتحدة أقواهم، وغالبًا ما تُقبل مطالبها، أو تُفرَض على الآخرين بطريقة أو بأخرى.
ويظهر أيضًا نوع من تركّز السلطة على مستوى الاتحادات الدولتية، ومن أمثلته مسألة الحكومات الفدرالية التي تتحرك نحو حكومة موحّدة، فالدولة الفدرالية تتكوّن من عدة ولايات، لكل واحدة منها برلمانها وحكومتها الخاصان؛ في حين تكون مركزية الدولة الموحّدة أكبر، وتكون سلطتها أكثر تركّزًا
يتبع…
تعليق واحد
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 13 - کلمات عربي