
الكاتب: المفتي محمد نبي "الميداني"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
(القسم السادس والثلاثون)
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله ومزايا المذهب الحنفي
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمدٍ وآله وأصحابه أجمعين، وبعد:
في العالم توجد أربعة مذاهب مشهورة، وهي: مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ومذهب الإمام مالك رحمه الله، ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وتُسمّى هذه المذاهب جميعًا بمذاهب أهل السنة والجماعة، إلا أن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى يُعدّ من أفضل هذه المذاهب، وأقواها، وأكثرها احتياطًا.
إن المذهب الحنفي الذي نحن من أتباعه يمتاز بين سائر المذاهب بخصائص ومزايا كثيرة لا توجد في غيره من المذاهب، وإن منزلة كل مذهب وخصائصه تتجلى بصورة أوضح من خلال مؤسسه، وللمذهب الحنفي مزية وتفوّق على غيره من المذاهب؛ لأن مؤسس هذا المذهب هو من كبار التابعين، ومذهب أيِّ إمامٍ كان من التابعين لا بد أن يكون غنيًّا من جميع الجوانب، جامعًا للمسائل، حائزًا على الفضل والتميّز.
يقول الباحثون: إنَّ ٦٠٪ (ستين بالمائة) من المسلمين في العالم هم من أتباع المذهب الحنفي ومعتقدوه، أما الأربعون بالمائة الباقية فهم موزَّعون على المذاهب الثلاثة الأخرى.
ففي بلاد الشام كان الناس في أكثر المدن أتباعًا للمذهب الحنفي، وكذلك كان المذهب الحنفي منتشرًا في العراق، كما أن أهل ما وراء النهر لم يكونوا يعرفون مذهبًا آخر غير المذهب الحنفي، وكان أهل أرمينيا وأذربيجان والصين من أتباع المذهب الحنفي، وفي جنوب آسيا؛ كالهند وبنغلاديش وباكستان الحالية، فإن الناس ممن يعتقدون بالمذهب الحنفي، وكذلك انتشر المذهب الحنفي في تركيا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، وتركستان، وأفغانستان، والقوقاز، والبرازيل، وإنَّ كثرةَ اعتقاد الناس بالمذهب الحنفي وثقتهم به تُعدُّ دليلًا كبيرًا على شمولية المذهب الحنفي وفضله.
وبما أنَّ الناس في البلدان المذكورة وبعض البلدان الأخرى يتبعون في الغالب مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فينبغي لهم جميعًا أن يتمسّكوا بمذهبهم، وأن يلتزموا باتباعه التزامًا قويًّا، وأن تكون الأحكام والفتاوى صادرةً وفق هذا المذهب؛ فهذا المذهب الحنفي كافٍ لنا، مع بقاء احترامنا وتقديرنا للمذاهب الثلاثة الأخرى.
وقد تناول هذا البحث هذه القضية بالدراسة والتحقيق، من أجل أن يلتزم مسلمو منطقةٍ واحدةٍ وبلدٍ واحدٍ باتباع مذهبٍ واحد، وألا ينظروا إلى المذاهب الأخرى نظرةَ سوءٍ، وألا يتعصّبوا، بل أن يعامل بعضهم بعضًا بالاحترام والتقدير.
والله هو الموفّق والمعين، وهو حسبي ونِعم الوكيل.
الكلمات الأساسية: الإمام الأعظم، أبو حنيفة، المذهب، المزايا.
أهمية البحث
نظرًا إلى أننا من جهةٍ من أتباع المذهب الحنفي، ومن جهةٍ أخرى لا نملك معلوماتٍ كافيةً عن أهمية هذا المذهب وقيمته؛ فإنه من الضروري في وقتنا الحاضر أن يقوم كلُّ من يستطيع بإجراء البحوث حول هذا الموضوع من أجل نشر الوعي العام، وأن يقوم الدعاة والكتّاب بإيصال هذه المعلومات إلى أسماع الناس.
وتزداد أهمية هذا الموضوع؛ لأن النظام الإسلامي قائم في الوقت الحاضر، وأصبح نموُّ المذهب الحنفي وتطوّره وبيان حقانيته وتطبيق أحكامه أمرًا أكثر سهولة.
أسباب البحث
كان لهذا البحث سببان:
أحدهما: أنه خلال عشرين عامًا (في فترة الاحتلال) لم يكن هناك من جهةٍ إلزامٌ على الناس في أفغانستان بأن يلتزموا باتباع مذهبهم فقط، ومن جهةٍ أخرى أُتيحت فرصةٌ مناسبة لغير الملتزمين بالمذاهب والذين يستهينون بها؛ لإثارة الشبهات حول المذاهب بين الناس، وتشجيع الخلافات بين المسلمين، ووصم بعضهم بتهمة الشرك.
والثاني: أن إدارةَ “كلمات”، والتي قدّمت ولا تزال تقدّم خدماتٍ كثيرةً للأمة الإسلامية، كانت قد نشرت إعلانًا يدعو إلى كتابة مقالاتٍ حول مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وما يتعلق بالمذهب الحنفي، وذلك من أجل إقامة ندوةٍ علميةٍ حول هذا الموضوع، وتقديم المقالات فيها.
أهداف البحث
يتضمن هذا البحث الأهداف والغايات الآتية:
1- نشر الوعي العام حول مزايا الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى والمذهب الحنفي.
2- بيان الأدلة على رجحان المذهب الحنفي وفضله على المذاهب الأخرى.
3- إرشاد عامة الناس إلى اتباع المذهب الحنفي، والثبات والتمسك به.
4- بيان التحديات والفرص المتعلقة بالمذهب الحنفي.
منهج البحث وطريقته
من الطبيعي أن هذا البحث قد أُنجز بالاعتماد على المنهجَين التحليلي والوصفي، حيث تمت مراجعة الكتب والمكتبات وغيرها من مصادر المعلومات، مع إيلاء اهتمامٍ خاصٍّ لأحدث الدراسات والمقالات المتعلقة بهذا الموضوع.
مزايا المذهب الحنفي
توجد في العالم أربعة مذاهب، وجميعها على الحق، إلا أن المذهب الحنفي يتميز عن غيره بالفضل والرجحان والأفضلية، ولا يستطيع أحد أن يغضّ الطرف عن محاسن المذهب الحنفي ومكانته.
فما هي مزايا هذا المذهب؟ وما الأدلة التي استند إليها في تفضيله؟ سنوضح ذلك كله في الفقرات القادمة على النحو الآتي.
أولًا: مؤسس المذهب الحنفي الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى كان تابعيًّا جليل القدر
إن قيمة كل مذهب وشموليته تظهر بصورة أكبر من خلال مؤسسه والأسس التي بُني عليها، وإن المذهب الحنفي يمتاز على غيره من المذاهب؛ لأن مؤسس هذا المذهب هو تابعيٌّ كبير القدر، بينما أئمة المذاهب الأخرى ليسوا من التابعين، والإمام الذي يكون مؤسس مذهبه من التابعين، فإن مذهبه يكون -بلا شك- غنيًّا من جميع الجوانب، جامعًا للمسائل، حائزًا على الفضل والتميّز.
إن مؤسس المذهب الحنفي (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى) كان من التابعين، وقد كان في زمانه ستةٌ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أحياء، وقد لقيهم الإمام رحمه الله، ويذكر بعض المؤرخين المعتبرين أن عدد الصحابة الذين كانوا أحياء في ذلك العصر كان سبعةً، وكان من بينهم أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد روى الإمام أبو حنيفة رحمه الله عنه أيضًا.
ومن الصحابة الكرام الذين كانوا أحياء في زمن الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله:
1- أنس بن مالك رضي الله عنه.
2- عبد الله بن أنس رضي الله عنه.
3- عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنه.
4- عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
5- جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه.
6- واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.
7- عائشة بنت عُجْرَد رضي الله عنها.
8- ورضي الله عنهم أجمعين.[1]
يذكر الإمام الصميري، والحافظ ابن مِزّي، والحافظ ابن كثير رحمهم الله تعالى أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد لقي الصحابيَّ الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه في سنة (٩٦هـ)، وكان عمره آنذاك ست عشرة سنة.
ويقول الإمام الصميري: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى نقل عن أنس بن مالك رضي الله عنه هذين الحديثين، ومن ذلك قوله:
«فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تفقَّه في دين الله كفاه الله همَّه، ورزقه من حيث لا يحتسب».
(أي: سمعتُ أنسًا رضي الله عنه يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تعلّم الفقه في دين الله وتعمّق فيه، كفاه الله ما أهمَّه، ورزقه من حيث لا يتوقع ولا يحتسب).[2]
وفي روايةٍ أخرى يذكر الإمام الصميري رحمه الله تعالى:
عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: سمعتُ أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«الدالُّ على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان».[3]
وعليه، فمن الواضح أن المذهب الحنفي قد نشأ في الطبقة الثانية من طبقات خير القرون، وهي طبقة التابعين، وأن مؤسس هذا المذهب كان أقربَ إلى عصر النبوة والصحابة من مؤسسي المذاهب الأخرى، ويُعدّ ذلك من الأدلة المهمة على مكانة هذا المذهب وفضله.
يتبع…
[2] المرجع السابق.
[3] أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصَّيمري الشافعي، ص: 17-18.