ينبغي لنا في هذا المبحث أن ندرس العلاقة بين الماسونية واليهودية والصهيونية؛ لنحلّل هذا الموضوع المهم ونُقيّمه؛ إذ يمثّل، في الحقيقة، ركيزةً أساسيةً في فكر هذه الحركة وتوجّهاتها. وقد أشار معظم المحقّقين والباحثين في هذا المجال، في مؤلفاتهم، إلى أن الماسونية تُعَدّ ذراعًا قويةً ومتينةً لليهودية، تسعى اليهودية من خلالها إلى تحقيق غاياتها في العالم.
نبذة موجزة عن اليهود
نقدّم في البداية نبذةً موجزةً عن تاريخ اليهود. وتجدر الإشارة إلى أننا لا نعتزم في هذا المقال تناول تاريخهم كاملًا؛ فقد تناولت مؤلفات كثيرة هذا الموضوع من قبل.
وسواء أكان اليهود من أصول عبرانية، وجاؤوا مع إبراهيم عليه السلام، أم لم يكونوا كذلك، أم كانوا من ذرية يعقوب عليه السلام أو من أصول أخرى، وسواء أكانوا هم الذين عبر بهم موسى عليه السلام البحرَ إلى صحراء سيناء أم لم يكونوا كذلك فإنهم، على أي حال، جماعة بشرية تشكّلت على أساس دين خاص صاغوه لأنفسهم بعد إنكار نبوة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وسلكوا مسارًا مخالفًا تمامًا. ثم تعرّض هذا الدين في مراحل لاحقة للتحوّل، وأصبح قائمًا تدريجيًّا على الخداع والحقد والعداء تجاه سائر البشر.
وإذا كان لهم في حقبة من التاريخ كيان سياسي، وذلك في عهد النبيين الكريمين داود وسليمان عليهما السلام، فإن زعمهم امتلاك الحق في أرض فلسطين لا أساس له، وتشهد على ذلك نصوص التوراة نفسها.
1- فلسطين قبل العبرانيين
كانت فلسطين، قبل أن يُخلق إبراهيم ويعقوب وداود وسليمان وموسى عليهم الصلاة والسلام، أرضًا عربيةً يسكنها أبناء كنعان العرب. وقد صرّحت كتب اليهود المقدسة بهذه الحقيقة، وسمّت هذه البلاد «أرض كنعان». كما صرّح المؤرخ اليوناني هيرودوت وغيره من المؤرخين المعتبرين، قبل الميلاد وبعده، بأن فلسطين كانت أرضًا عربيةً، وأن الكنعانيين والآشوريين والفينيقيين عمّروها قبل دخول العبرانيين إليها.[1]
وقد استقر العبرانيون قبل نحو ألفين وثلاثمئة سنة، بوصفهم لاجئين، في نواحي شكيم «نابلس». وتؤكد هذه الحقيقةَ أيضًا المكتشفاتُ الأثرية في سيناء وفلسطين وسورية والعراق ومصر، بما تشتمل عليه من ألواح ونصوص ومراسلات تاريخية تعود إلى تلك الحقبة.
أما مدينة القدس، التي وقعت في حقبة من التاريخ تحت حكم داود وسليمان عليهما السلام، والتي يزعم اليهود، كذبًا وتحريفًا، أنها من أعظم مقدساتهم، فهي مدينة عربية، حتى باعتراف نصوصهم الدينية. فقد ورد في «سفر حزقيال»:
«يا ابن آدم، عرّف أورشليم برجاساتها، وقل: هكذا يقول السيد الرب لأورشليم: مخرجك ومولدك من أرض كنعان؛ أبوك أموري وأمك حثّية».[2]
وكان الحثّيون والأموريون من الأقوام العربية، ومن ذوي القربى للكنعانيين العرب.
2- قِصَر مدة الحكم اليهودي
لم يدم حكم داود عليه السلام لمدينة القدس طويلًا، بعد انتزاعها من أيدي «اليبوسيين» بالقتال سنة 1048 ق.م، وما أعقبه من حكم سليمان عليه السلام، إلا مدةً قصيرةً لم تكن كافيةً، من الناحية التاريخية، لإضفاء الهوية اليهودية على تلك الأرض؛ إذ سرعان ما تفرّقوا مرةً أخرى.
وحتى عودتهم على يد موسى عليه السلام لم تؤدِّ إلى تثبيت وجودهم في فلسطين؛ فقد سلّط الله عليهم بختنصّر نصرةً لسكان البلاد الحقيقيين، ونفاهم إلى بابل سنة 538 ق.م، وهم أسرى أذلاء؛ بقصد تحطيم قوتهم وتطهير الأرض من شرورهم. ولم يبقَ في فلسطين إلا العاجزون والضعفاء، وكان هذا المصير نتيجة أعمالهم.[3]
وقد ورد في «سفر أخبار الأيام الأول» (36: 14–20) أن رؤساء الكهنة والشعب أكثروا من الخيانة، وفعلوا مثل رجاسات الأمم الأخرى، ونجّسوا بيت الله الذي تقدّس في أورشليم، وسخروا من رسل الله، واستهانوا بكلامه، وأعرضوا عن أنبيائه، حتى حلّ عليهم غضب الله، ولم يبقَ سبيل إلى العلاج. ثم هاجمهم ملك الكلدانيين، فقتل شبّانهم في البيت المقدس، ولم يرحم شيخًا ولا شابًّا، ولا رجلًا ولا امرأةً، بل أسلمهم جميعًا إلى يده، ونقل الأموال والخزائن إلى بابل، وأحرق بيت الله، وهدم أسوار أورشليم، وسبى من بقي منهم.[4]
3- العودة واستمرار الخلافات
عندما أعادهم كورش إلى فلسطين سنة 529 ق.م، بعد وقوعهم في الأسر، وساعدهم على بناء الهيكل، اتجهوا، بعد استقرارهم فيها، إلى الفساد والفحشاء والانحراف، وكان كهنتهم في مقدمة هذه الانحرافات؛ لأن القدس لم تكن تتمتع عندهم بقداسة حقيقية، ولم يكن الهيكل سوى ستار يخفون وراءه تطلّعهم إلى سلب الحق العربي في تلك الأرض، مترقّبين الفرصة المناسبة لتحقيق ذلك. ثم اشتدت خلافاتهم الداخلية، وقاتل بعضهم بعضًا، وعادوا إلى الإفساد في الأرض.
وفي مرحلة أخرى، سلّط الله عليهم قائدَين من قادة الرومان؛ هما «بومبي» سنة 63 ق.م، و«غابينيوس» سنة 56 ق.م، فأسفرت حملاتهما عن قتل أعداد كبيرة منهم وتشريدهم. واستمرت حالة التفرّق، واتسعت دائرة الكراهية تجاههم نتيجة سلوكهم ومؤامراتهم وحقدهم على سائر البشر، حتى جاء «تيتوس»، ابن «فسباسيان» وخليفة «نيرون»، سنة 70م، فقتل منهم الآلاف، ودمّر جميع آثارهم في القدس والهيكل، وأحرق كل ما يتصل بهم، وأنهى وجودهم في هذه الأرض بإخراجهم منها، باستثناء فئة قليلة من الضعفاء الذين أنكروا يهوديتهم. وكانت هذه الحادثة النهاية الحقيقية لجماعة ادّعت أن وجودها القصير والعابر يمثّل حقًّا سماويًّا وأبديًّا.[5]
وقد تنبّأ عيسى عليه السلام بهذا المصير من قبل، فقال:
«يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا! هو ذا بيتكم يُترك لكم خرابًا».[6]
4- اليهود المعاصرون وادعاء النسب
إذا كان يهود اليوم يزعمون أنهم من أبناء إبراهيم ويعقوب وداود وسليمان عليهم الصلاة والسلام، وأنهم أتباع موسى عليه السلام، فإن الواقع يخالف هذا الزعم؛ لأن اليهود المعاصرين ليسوا الجماعة التاريخية نفسها، ولا يُعَدّون من نسلها المباشر، وإنما هم تجمّع من أقوام شتى جاؤوا من أنحاء مختلفة من العالم، مثل روسيا وبولندا وأمريكا وفرنسا وإنجلترا، استجابةً لدعوات متعددة أطلقها الزعماء اليهود. غير أن هذه الأقوام اجتمعت في إطار دين واحد؛ دين يقوم على الرذيلة والدناءة والكسب غير المشروع، وجمع الثروات بسرعة، واستغلالها لتحقيق مزيد من الهيمنة، ولو كان ذلك على حساب شعوب العالم كافة.
وعلى هذا، فمن أين نشأ «الحق» الذي يدّعونه في أرض فلسطين، مع أنهم لم يدخلوها إلا لاجئين، ولم يقيموا فيها، بمقياس التاريخ، إلا مدةً قصيرةً جدًّا؟ وهم اليوم أيضًا يأتون إليها بلغات وأعراق مختلفة، ولا يجمع بينهم سوى الاتفاق على العداء وسلب حقوق الآخرين.
وقد ظنّت دول كثيرة في العالم، بعدما تضرّرت من تجسّسهم وخيانتهم وطمعهم ودناءتهم، أن جمعهم في فلسطين سيخلّص تلك الدول من شرّهم؛ غير أن هذه السياسة أدّت إلى أزمة أشد تعقيدًا: فمن جهة، تشرّد شعب نشأت في داخله مقاومة ترفض الاستسلام؛ ومن جهة أخرى، تشكّلت جماعة لا تنتهي أطماعها، ولا تقف مطالبها عند حدّ. وقد أدّى هذا الوضع إلى يقظة الشعوب تدريجيًّا، وإدراكها أنها كانت ضحيةً لهذه السياسة؛ ولذلك أخذت معارضة هذا المسار والمطالبة بإنهائه تتزايدان.[7]
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن عددًا كبيرًا من السياسيين والمفكرين في العالم قد أدلوا بأقوال وآراء مختلفة بشأن اليهود، وسنورد بعضًا منها عند الاقتضاء.
تعليق واحد
تنبيه: الماسونية | القسم: 33 - کلمات عربي