الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 16
السياسة ومكانتها وأهميتها من وجهة نظر الإسلام
تُعَدّ العلاقة بين الدين والسياسة في المجتمعات الإسلامية من القضايا المركزية والمحورية في نقاشات الباحثين في الإسلام وحواراتهم، فبعضهم يرى الإسلام مجرد دين طاهر، لا يملك حق الحكم، ولا يملك صلاحية تنظيم القضايا اليومية في حياة الإنسان؛ بينما يرى آخرون أن الإسلام ليس دينًا فحسب، بل هو نظام ونظم اجتماعي يشمل جميع جوانب حياة الإنسان، بما في ذلك الحكومة والقانون.
ويستند استدلال هؤلاء الباحثين إلى توجيهات القرآن، ويشيرون إلى المفاهيم السياسية وإلى العديد من المصطلحات القرآنية، مثل الملكية والأمة وغيرها من المصطلحات التي تحمل مفاهيم ودلالات سياسية، فعلى سبيل المثال، كلمة «سلطان» العربية، التي ذُكرت في القرآن الكريم مرات عديدة، هي لفظ ذو معنى يدل على السلطة والحكم، وقد استُخدمت للحكومة منذ بداية الإسلام.
وكذلك فإن مصطلح «الحكم» والحاكمية والقضاء ومشتقاتها، مثل الحاكم والقاضي والحكم، قد وردت في القرآن الكريم بصورة واضحة أكثر من (250) مرة، ولكل واحد منها دلالته السياسية، فعلى سبيل المثال، قال الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة النساء:
وقال الله تعالى لداود عليه السلام في سورة ص:
(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ).[2]
في الآيتين المذكورتين، ورد الأمر بالحُكم بين الناس بالحق، والمقصود به القضاء بينهم بالعدل وفق ما شرع الله تعالى.
كان كلٌّ من سيدنا داود عليه الصلاة والسلام وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حاكمًا وقاضيًا بتعيينٍ إلهي؛ ولذلك كان لهما كامل الصلاحيات القضائية.
وبالطبع، فإن تولّي شؤون الخلافة والقضاء لا يعني أنهما كانا يقضيان ويحكمان وفقًا لرأيهما ورغبتهما، بل كان حكمهما يجب أن يكون مستندًا إلى النصوص، التي تتمثل في الإسلام في نصوص القرآن الکریم، فإذا لم يكن في مسألةٍ ما نصٌّ صريح وواضح في القرآن الكريم، فإن الأنبياء يعلنون رأيهم الشرعي بناءً على الإلهام الذي يوحيه الله تعالى إليهم.
وحتى الآن، فإن هذا القدر من النصوص القرآنية كافٍ لبيان الجوانب الحكومية والقانونية لمصطلح «الحكم» القرآني.
السياسة ومكانتها وأهميتها في الإسلام
إن العلاقة بين الدين والمجتمع لا تقتصر على أداء العبادات والشعائر، بل هي جارية ومستمرة في جميع مجالات المجتمع، وهي الموجّه والرائد فيها؛ لأنّه لا يوجد أي تعارض أو تناقض بين العبادات والعقود الاجتماعية، ولا بين العقود الاجتماعية والحكومة، ولا بين الحكومة والشريعة، ولا بين الشريعة والشؤون الإنسانية عمومًا، وإنما هذه الجوانب أجزاء منفصلة من نسيج واحد.
وفقًا لرأي «باوما» (1992)، فإن طبيعة الدين وماهيته تشتملان على قوانين وبرامج منظمة وكافية لتقدم المجتمع وسعادة الإنسان ونجاحه.
لقد جاءت الأديان لتنظيم الحياة في المجتمع وبنائها، لا لكي تبقى في زاوية أو هامش من المجتمع، أو تُعزل عن الحياة اليومية وتُرفض.
ويرى أن الأديان جاءت برؤية أخلاقية تجاه السعادة، تشتمل على قوانين وأفكار وخطط لتطوير الدوافع السياسية وغيرها ودمجها، وقد يُظن أن تحركات الأديان ودوافعها تختلف عن أفكار المجتمع ودوافعه؛ ومع ذلك، فإن الاختلاف بين النماذج التي تقترحها الأديان والنماذج الموجودة في المجتمع لا يعني أن الأديان قديمة ويجب استبدالها بأديان عصرية.
ومع ذلك، فإن المجتمع هو العلاقات البنيوية بين الناس والجماعات، ودوافعهم تنشأ من المجتمع، وقد جاء الدين، ببصيرته الأخلاقية ومناهجه الأبدية، لتقويم دوافع المجتمع وإصلاحها، وفي هذه العملية بقي البشر على مقامهم بوصفهم بشرًا، ولم يتحولوا إلى موجود آخر؛ فعلى سبيل المثال، من الأمور شديدة البغض والنفور أن نقول: إن الإنسان مخلوق قديم، وينبغي أن يُستبدل به مخلوق آخر متطور وعصري، وكذلك فإن مثل هذا الكلام عن الدين غير مناسب وقبيح جدًا.
إن سوء الفهم بشأن مقصد الدين شيء، وترك الدين شيء آخر، فالشريعة الإسلامية، كما يؤكد «يوسف شاخت»، لا تفصل الدين عن الحياة اليومية، ولا تفصل الدين عن السياسة، ولا السياسة عن الأخلاق، ولا الأخلاق عن الحكومة، وفي الشريعة الإسلامية، تقوم أنشطة الأفراد وعلاقاتهم بالدولة على أسس ميتافيزيقية (ما وراء الطبیعة) ودينية، والإسلام نظام للحياة العملية للإنسان في جميع جوانبها.
ويدّعي الإسلام امتلاك مفهوم مثالي ومقنع يبيّن العلاقات بين الخالق والمخلوق، وبين الحياة كلها والإنسانية، ويشرح الإسلام طبيعة العالم، ويحدد مكان الإنسان في هذا العالم وأهدافه النهائية، ويشتمل الإسلام على تعاليم ونُظُم عملية تنبع من صميم هذا الطموح وترتبط به، وتُنشئ ذلك الواقع الذي ينعكس في الحياة اليومية للناس.
وبالنظر إلى أن هدف الإسلام هو تنظيم حياة الإنسان وتحقيق التوازن بين الجسد والروح، فإن التوقع المنطقي الوحيد منه هو أن تقوم علاقة وثيقة جدًا بين الدين والسياسة، وبين المسجد والقلعة العسكرية.
ووفقًا لـ«بواما»، فإن النشاط الديني يشمل جسد الشخص كله وبنية الجماعات الاجتماعية؛ لأن الإسلام يهتم بتمام الإنسان وكماله كما هو في الواقع، لا بوصفه مفهومًا فكريًا مخالفًا نابعًا من المثالية والوضعية والمفاهيم المماثلة؛ لأن الإسلام لا يهتم بالمسائل التي لا وجود لها في الواقع العملي.
ومن جهة أخرى، فإن الإسلام لا ينظر إلى الإنسان على أنه روح فقط أو جسد فقط؛ لأن الإنسان ليس عقلًا وروحًا فحسب، بل يتكوّن من مجموع الجسد والعقل والروح، وتشكل أعضاء جسده كُلًّا واحدًا متكاملًا وفعّالًا ومسؤولًا.
يقوم النظام الاجتماعي في الإسلام على مبادئ العالمية والأخوّة الإنسانية، ويسعى الإسلام إلى ضمان السعادة والنجاح والخير للفرد والمجتمع، ولا مكان في هذا النظام للصراع الطبقي بين الأفراد والمجتمع، والنظام الاجتماعي في الإسلام نظام شامل، يعطي الأولوية للحياة الاجتماعية، ويدعو إلى العبادة الجماعية، فالمجتمع الذي يتجه بأجمعه إلى غاية نهائية واحدة، وله اتجاه ومركز واحد، يصوم شهرًا واحدًا في جميع أنحاء العالم في الوقت نفسه، ويذهب إلى الحج في وقت واحد بوصفه من الواجبات الأساسية على المسلم.
ويؤكد الإسلام كثيرًا على المسؤولية الفردية، ولا يغفل عن تطور الفرد؛ وفي الوقت نفسه، ينظم جميع الناس في جماعة واحدة، أي في المجتمع الإسلامي، وينظم قانون واحد شؤون حياة الناس في كل طبقة وفي كل بلد.
وفي هذا السياق، ينبغي أن نوضح نقطةً تتكرر في الأدبيات الغربية، وهي أن الإسلام ليس دينًا فحسب، بل هو في الوقت نفسه دين ودولة.
يقول هيغل: «قد يكون جوهر الأخلاق الإسلامية كاملًا، وما ينبغي أن يكون ميلًا داخليًا يصبح مسألةً للنظام الخارجي، ولا حاجة إلى إرادة تأمر بالأعمال الأخلاقية؛ لأنها تُؤدَّى طوعًا، فالأمر يصدر من الداخل، ولم تنفصل الأمور الخارجية والداخلية حتى الآن من الناحية الشرعية والأخلاقية، وبهذا تشكلان وحدةً غير منقسمة، وكذلك الدين والدولة».
وفي هذا الصدد، أكد «مونتيسكيو» في كتابه روح القوانين (The Spirit of Laws) أنه لا يوجد مجتمع من دون قوانين، وأنه حيثما يوجد قانون، فلا بد أن تكون هناك حكومة، وقد بنى رأيه على الملاحظات الإنجيلية والقرآنية، وعلى القوانين التي وضعها الله جل جلاله: «إن الخالق والإله الحافظ وضع القوانين؛ لأن ذلك مرتبط بحكمته وقدرته، وكما نرى، فإن الكون لا يزال موجودًا، ولا بد أن تكون لحركاته قوانين لا تتغير، وإذا استطعتم أن تتصوروا عالمًا آخر غير هذا، فسيكون ذلك العالم أيضًا قائمًا على القوانين وخالدًا، أو سينهار».
يقول المفسرون المتقدمون، مثل ابن كثير، في تفسير الآية (59) من سورة النساء: «الله تعالى هو الحاكم، وهو وحده المشرِّع».
ويقول الجصاص في تفسير الآية (65) من سورة النساء: «إن دور الشريعة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقائد الإسلامية، ولا وجود للشريعة الإسلامية من دون حكومة».
ويؤكد محمد الغزالي (1917-1996)، وهو من علماء الأزهر، أن الله جل جلاله هو المشرِّع الوحيد، وأن على الأمة أن تقيم الحكم على أساس الشورى.
ويقول المفسر المشهور، العلامة القرطبي رحمه الله تعالى: «اتفق جميع العلماء على أن الله تعالى هو المشرِّع، وأنه لا بد من وجود دولة لإدارة شؤون الناس».
ويقول الماوردي رحمه الله تعالى في هذا الصدد: «إن القيادة بعد النبوة ذات أهمية بوصفها وسيلة لحفظ الدين وتدبير شؤون الدنيا، وقد انعقد الإجماع على أن المسؤول عن هذا المنصب (القيادة) يجب أن يتولى قيادة الأمة».
وكذلك يقول شيخ الأزهر، الشيخ نووي رحمه الله تعالى (1896-1900): «نعم، الإسلام دولة، وله نظرية سياسية واضحة، ويجب على المسلمين أن يعلموا أن الحاكمية لله سبحانه وتعالى وحده، والشريعة الإسلامية هي الدستور الأساسي لكل جماعة سياسية إسلامية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الاعتقاد هو إجماع الأمة الإسلامية، وحتى الذين يشيرون في هذه المسألة الخاصة إلى دور الإنسان، فإنهم يقصرون رأيهم على المسائل التي لم تقدم فيها الوحي قواعد أو توجيهات لازمة».
ويقول العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في أهمية الدولة الإسلامية: «ينبغي أن نعلم أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا متفقين على ضرورة استمرار الدولة الإسلامية التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك، وقبل دفنه صلى الله عليه وسلم، اختاروا لأنفسهم قائدًا».
وكذلك يقول الجويني رحمه الله تعالى: «يجب على المسلمين أن يكون لهم قائد يتولى قيادة حكومتهم، وهذا الرأي محل اتفاق الأمة والأئمة».
ويقول ابن خلدون رحمه الله: «إن الدولة الإسلامية أمر واجب، ويتحدد وجوبها بإجماع الصحابة الكرام رضي الله عنهم».
ويؤكد محمد عمارة، وهو من العلماء المعاصرين، قائلًا: «الإسلام دولة تكون فيها السيادة لله تعالى بوصفه أعلى مرجع قانوني ودستوري، ودستورها القرآن والسنة».
ويضيف محمد خضر حسين، شيخ الأزهر (1952-1954): «إن فصل الدين عن الدولة إهانة لحقيقة الدين، وكل مسلم يفعل ذلك فليس بمسلم».
ويقول مصطفى صبري (1869-1954)، رئيس مجلس علماء القضاة في الدولة العثمانية، والذي عُيّن شيخًا للإسلام أربع مرات، وانتهت ولايته الأخيرة مع التغييرات التي طرأت على الحكومة العثمانية، في هذا الصدد: «إن فصل الإسلام عن الدولة في البلدان الإسلامية بدعة من البدع، نشأت على أيدي من يُسمَّون بالمحدثين ومن يقلدون الأجانب، وليس ذلك إلا تمردًا على الإسلام، وهذه المحاولة ثورة حكومية ضد عقائد الناس، والطريق الصحيح هو ثورة الناس ضد الحكومة من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية».
يتبع…
[1] النساء: 105
تعليق واحد
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 15 - کلمات عربي