
الكاتب: أبو رائف
الماسونية القسم التاسع
رواية أخرى عن أحداث الماسونية
تكشف رواية أخرى عن نشأة المرحلة الرمزية للماسونية ونموّها عن جوانب أكثر خفاءً وخطورةً تتعلّق بكيفية نشأة هذه الحركة وأهدافها.
بدأت هذه الأحداث في سنة 1716م، أي قبل سنة واحدة من سنة 1717م، وتحديدًا في شهر أغسطس من السنة نفسها، حين وصل إلى لندن مبعوثون من قِبل جمعية «القوة الخفية» اليهودية، التي كانت على وشك الانهيار والزوال. وعقد هؤلاء المبعوثون اتفاقًا مع الدكتور «ديزاغولييه» ومساعده «جورج» لإحياء جمعية «القوة الخفية»، بعد أن كشفوا لهما جانبًا من تاريخ هذه الجمعية وأسرارها ونفوذها الخفي. وطلب المبعوثون من ديزاغولييه تغيير اسم الجمعية وقوانينها، فاقترح ديزاغولييه اسم «الماسونية» أو «البنّائين الأحرار» لتحقيق هذا الغرض. وقد وافق طرفا هذه المؤامرة، وهما جمعية «القوة الخفية» وديزاغولييه،[1] على هذا الاقتراح؛ وكانت أهم أسباب اختيار هذا الاسم ما يأتي:
1- كان هذا الاسم يُطلق على جمعيات من صنف البنّائين، وكان مشهورًا منذ القرن الثالث عشر؛ ولذلك كان غطاءً مناسبًا للاختفاء وراءه من غير أن يشك أحد في الحقيقة الكامنة خلفه.
2- كانت الرموز والإشارات المرتبطة بهذا الاسم تنسجم مع معظم رموز جمعية «القوة الخفية» وإشاراتها.
3- كانت للماسونيين محافل قائمة واجتماعات نشطة. وقد قال ديزاغولييه: «يمكننا بهذا الاسم أن نجمع الجماعات كلها في جمعية واحدة، من غير أن يعرف أحد المقاصد التي اتفقنا عليها».
وبعد هذا الاتفاق، انفرد الدكتور ديزاغولييه بترتيب الأمور. وفي شهر مارس سنة 1717م، عقد اجتماعًا مع نخبة من الماسونيين، وكان من بينهم «جيمس أندرسون»، الذي تولّى لاحقًا كتابة الدستور الماسوني. وكشف ديزاغولييه لنخبة الماسونيين حقيقة الأمر، فوافقوه ونسّقوا معه لتنفيذ هذه الخطة يوم اجتماع المحافل الماسونية الأربعة في الرابع والعشرين من يونيو سنة 1717م.
غير أن ديزاغولييه حاول، قبل حلول ذلك اليوم، خداع أحد قادة جمعية «القوة الخفية»؛ ليدفعه إلى تسليمه نسخة كاملةً من الوثائق السرّية للجمعية. وأقنع ديزاغولييه ذلك القائد بأن هذه الوثائق ستكون أنفع في تنظيم قوانين الماسونية الجديدة وصياغتها بمزيد من الدقة. وما إن حصل ديزاغولييه على الوثائق حتى امتنع عن إعادتها، مع أن ذلك القائد كان ينافسه على رئاسة الاتحاد الجديد.
وفي الرابع والعشرين من يونيو، انعقد المجمع الماسوني الكبير. ويبدو أن قادة جمعية «القوة الخفية» كانوا حاضرين أيضًا في الخفاء. وقد أُقرّت جميع القرارات العلنية والسرّية التي سعى ديزاغولييه إلى إقرارها.
وخلال الاجتماع نفسه، قُتل أحد القادة المنافسين لديزاغولييه. وبعد التحقيق، تيقّن أعضاء جمعية «القوة الخفية» أن هذا العمل كان من تدبير ديزاغولييه. ولذلك قرّر أعضاء الجمعية الانتقام منه بعد سنة 1718م؛ فقتلوا أولًا مساعده «جورج»، ثم هدّدوا ديزاغولييه، مطالبين إياه بقبول الشروط الآتية:
1- أن تكون الرئاسة العليا والعامة للماسونية في يد جمعية «القوة الخفية»، وأن تتولى لجنة مكوّنة من خمسة أثرياء يهود سلطة إقرار القوانين العامة.
2- أن تُحفَظ جميع رموز جمعية «القوة الخفية» وقواعدها من غير أي تغيير، إلا بإضافة أمور جديدة، وأن تبقى الكلمات العبرية أيضًا على صورتها الأصلية.
ولم يجد ديزاغولييه سبيلًا سوى قبول هذه الشروط كاملة. ونتيجة لذلك، آلت الرئاسة الخفية العليا للماسونية الجديدة إلى جمعية «القوة الخفية».[2]
الجمع بين الروايتين
يُستفاد من هاتين الروايتين أن ديزاغولييه، الذي يعدّه أنصار الماسونية «أبا الماسونية الحديثة»[3]، كان في حقيقته مخادعًا ذا وجهين؛ فقد كان يسعى في الظاهر إلى تحويل «الماسونية العملية» إلى «الماسونية الرمزية»، لكنه كان يعمل في الخفاء على إحياء جمعية «القوة الخفية» اليهودية في إطار الماسونية الجديدة، وجعل هذه الجمعية صاحبةَ السلطة الخفية على المنظمة بأكملها، من غير أن يعلم بذلك حتى عامة الماسونيين.
بل يتضح من التأمل في مجريات الأحداث أن ديزاغولييه كان يسعى إلى تنصيب نفسه «رئيسًا خفيًّا» للجمعيتين، وتسخيرهما لتحقيق أغراضه الشخصية؛ غير أن هذه الخطة، كما تُظهر الرواية الثانية، لم تنجح نجاحًا كاملًا[4].
وإذا أردنا ترتيب الأحداث من خلال الجمع بين الروايتين، أمكن استخلاص النتائج الآتية:
1- في سنة 1703م، قرّر بعض أعضاء الماسونية العملية تحويلها إلى ماسونية رمزية، لكن هذا القرار لم يُنفّذ.
2- في سنة 1716م، جرى اتفاقٌ بين جمعية «القوة الخفية» وديزاغولييه على إحياء هذه الجمعية اليهودية تحت غطاء الماسونية.
3- بعد هذا الاتفاق، عمل ديزاغولييه على مسارين متزامنين: فكان يتواصل مع عامة الماسونيين لتحويل الماسونية إلى صورتها الرمزية، ويتواصل مع نخبة الماسونيين لإطلاعهم على الهدف الخفي من هذا التحوّل.
4- في شهر فبراير سنة 1717م، التقى ديزاغولييه بعامة الماسونيين في محفل «آبل تري تافرن» في لندن، وأُنشئ أول «محفل أعظم» مؤقت.
5- في شهر مارس سنة 1717م، انعقد الاجتماع السرّي بين ديزاغولييه ونخبة الماسونيين، ومن بينهم جيمس أندرسون، وكشف ديزاغولييه لهم الهدف الحقيقي. وتعاونت نخبة من الماسونيين معه مقابل وعد بالحصول على نوع من السلطة الخفية. وفي الرابع والعشرين من يونيو سنة 1717م، انعقد المجمع العام للماسونية.[5]
فعلى المستوى الخفي، أقرّت نخبة الماسونيين وأعضاء جمعية «القوة الخفية» هذا التحوّل، وبعد خروج منافس ديزاغولييه من المشهد، أُسندت إليه الرئاسة الخفية العليا.
أما على المستوى العام، فلم يكن عامةُ الماسونيين على علم إلا بتحويل الماسونية من صورتها العملية إلى صورتها الرمزية، وأُسندت الرئاسة الظاهرية إلى «أنتوني ساير»، وهو شخص لا تقدّم المصادر معلوماتٍ واضحةً عنه.
6- في سنة 1718م، انتزعت جمعية «القوة الخفية» الرئاسة من ديزاغولييه، وفرضت نفسها سلطةً يهوديةً خفيةً تهيمن على الماسونية.
7- بين سنتي 1720م و1723م، وضع أندرسون الدستور الماسوني. ووفقًا لما سبق، اشتمل هذا الدستور على القوانين العلنية التي أُقرّت في المحافل العامة، والقوانين السرّية التي أقرّها ديزاغولييه وجمعية «القوة الخفية» بعد أن هدّدت الجمعية ديزاغولييه بالقتل؛ وهي قوانين لم يكن يُسمح بالاطلاع عليها إلا للقادة السرّيين.
وقد قيل: «على الرغم من أن صياغة هذه القوانين تُنسب إلى أندرسون، فإن المدبّر والمشرف الحقيقي عليها كان ديزاغولييه. وإذا كان أندرسون قد كتبها، فإن ديزاغولييه هو الذي كان يصوغ أصولها ومبادئها وأفكارها الأساسية».
النتيجة
نصل من مجموع هذه الأحداث إلى نتيجة مهمة وخطيرة، وهي أن الماسونية في مرحلتها الرمزية الحديثة تحوّلت إلى أداة في يد جمعية «القوة الخفية» اليهودية، وأن هذه الجمعية فرضت سيطرتها على الماسونية. وانفصلت الماسونية عن صنف البنّائين وحرفة البناء، واتجهت إلى إثارة الفتن، ودعم الحركات الخفية، ونشر الفساد في المجتمعات والأمم؛ وكل ذلك من أجل هدف واحد، هو القضاء على الدول والأديان وإقامة المملكة اليهودية العالمية. وقد ظلّت هذه الحقيقة خافية على عامة الماسونيين، ولا يزال هؤلاء الماسونيون حائرين، جاهلين بأصل جمعيتهم وحقيقتها.[6]
يتبع…
