درسنا في المبحث السابق مجموعةً من السياسيين الذين كانوا من أتباع الماسونية ومن المتأثرين بها، ونستكمل في هذا المبحث قائمة هؤلاء السياسيين.
7 ـ أدولف كريمييه (إسحاق كريمييه) (ت 1880م)
تولّى منصب وزير العدل الفرنسي سنة 1848م، وكان رئيسًا للجالية اليهودية في باريس. وكان ماسونيًّا صهيونيًّا، و«الأستاذ الأعظم» للمحفل الماسوني الكبير في باريس. وكان في خدمة قضايا اليهود أينما وُجدوا، وسافر إلى دول مختلفة في أنحاء العالم من أجل تحقيق مصالح اليهود وضمان امتيازاتهم الرسمية.[1]
8ـ إرنستو ناتان (ت 1921م)
سياسي إيطالي كان عمدةً لمدينة روما من سنة 1907م إلى سنة 1913م. وسعى خلال تولّيه هذا المنصب إلى إلغاء تدريس الدين في جميع المؤسسات التعليمية المدنية. وكان ناتان ماسونيًّا يهوديًّا، كما تقلّد منصب «الأستاذ الأكبر رفيع الرتبة»، وهو أعلى منصب فخري في محفل «الشرق الأعظم» في إيطاليا.[2]
9ـ فالتر راتناو (ت 1922م)
سياسي ألماني، ومن أبرز قادة الصناعة والاقتصاد في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، وكان ماسونيًّا يهوديًّا. ومن أقواله: «إن ثلاثمائة سياسي، يعرف بعضهم بعضًا، يديرون شؤون أوروبا، بل شؤون العالم بأسره حاليًّا، ويختارون خلفاءهم».[3]
10ـ مصطفى كمال أتاتورك (ت 1938م)
قائد تركي مشهور أسقط نظام الخلافة الإسلامية، ودعا إلى إلغاء اعتبار الإسلام دينًا رسميًّا للدولة التركية الحديثة. وكان ماسونيًّا يحمل حقدًا ظاهرًا على مظاهر الإسلام؛ ولذلك غدا نموذجًا لـ«الأبطال» الذين تتباهى بهم المحافل الماسونية، وتدعو الآخرين إلى الاقتداء بهم.
وكان أتاتورك أيضًا من مؤسّسي حزب «تركيا الفتاة[4]»، وكان جميع أعضاء هذا الحزب من الماسونيين، في حين كان قادته الرئيسيون من اليهود، وفقًا للمنشورات الماسونية الرسمية. وقد أدّى هذا الحزب دورًا بالغ الأهمية في إسقاط حكم السلطان عبد الحميد، بل توجد شهادة للسلطان عبد الحميد نفسه في هذا الشأن.[5]
هل كان هؤلاء القادة يجهلون الأهداف الخفية للماسونية؟
قد يدّعي بعضهم أن هؤلاء القادة كانوا، كسائر الماسونيين، يجهلون حقيقة الماسونية وأهدافها الخفية.
ومع أن هذا الافتراض محتمل، فإن الجواب على هذا الادعاء واضح؛ لأنهم لم يكونوا من عامة السياسيين، بل كانوا من أبرز رجال النخبة السياسية وأشدّهم دهاءً وخطورةً في تاريخ البشرية؛ فقد أسّسوا دولًا مكتملة الأركان، وكانت في أيديهم وسائل وأجهزة تمكّنهم من الوصول إلى أدق أسرار التنظيمات السرّيّة المحيطة بهم.
وفضلًا عن ذلك، ثبت تعاون بعض هؤلاء السياسيين مع الماسونية ودعمهم لأهدافها الخفية، ابتداءً من خدمة الصهيونية وانتهاءً بمحاربة الدين ونشر الإلحاد والإباحية.[6]
ثالثًا: تورّط أعضاء الماسونية في الأعمال السياسية العنيفة والمخلّة بالاستقرار
من الدلائل الواضحة على تورّط الماسونية في الأنشطة السياسية الهدّامة ضلوعها في أعمال إجرامية كان لها أثر بالغ في تغيير المشهد السياسي، سواء أكان ذلك على مستوى الدول التي شهدت تلك الأعمال أم على المستوى العالمي. ومن أبرزها ما يأتي:
1ـ اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية واندلاع الحرب العالمية الأولى
تؤكّد المصادر السياسية أن ولي عهد النمسا، «الأرشيدوق فرانتس فرديناند»، اغتيل في 28 يونيو سنة 1914م على يد إحدى العصابات الماسونية في البوسنة، وأن مخطّط الاغتيال صدر عن المحفل الماسوني الكبير «الشرق الأعظم الفرنسي».[7]
ويقول السياسي النمساوي «فريدريش فيشتل»، الذي عاصر هذه الأحداث: «تبيّن بصورة قاطعة، في أثناء محاكمة المتهمين بقتل ولي عهد النمسا وزوجته، أن مخطّط الاغتيال لم ينطلق من المحفل الماسوني الكبير “الشرق الأعظم الفرنسي” فحسب، بل كان بعض القتلة أنفسهم من الماسونيين. وثبت أيضًا أن مصدر الأموال التي دُفعت إلى الإرهابيين كان ماسونيًّا، مع أنهم لم يتسلّموا منها إلا جزءًا يسيرًا».[8]
وكما هو معلوم، كانت هذه الحادثة بمنزلة الشرارة التي أشعلت نار الحرب العالمية الأولى، التي استمرّت قرابة أربع سنوات وخلّفت ملايين الضحايا. وكان شعار الألمان في تلك الحرب: «اليهود والماسونيون».
ويضيف فيشتل: «وعلى أي حال، ليست هذه المرّة الأولى التي يُتَّهم فيها الماسونيون بالمشاركة الفعلية في ارتكاب مثل هذه الجريمة المروّعة».[9]
2ـ التآمر على الدولة في إيطاليا
عثرت الأجهزة الأمنية الإيطالية سنة 1981م على وثائق سرّيّة كشفت ارتباط الماسونية برجال السياسة والسلطة في البلاد. واتضح أن الماسونية تسيطر على نحو تسعمائة واثنتين وستين شخصيةً نافذةً من قطاعات مختلفة في الدولة، من بينها الجيش والشرطة والحكومة. وكان هؤلاء الأشخاص يرتكبون أعمالًا فاسدة تهدف إلى زعزعة الاستقرار وإضعاف السلطات وتقويض الهياكل ومن تلك الأعمال: القتل، وتهريب الأموال، وممارسة أنشطة تجارية غير مشروعة.[10]
كما تبيّن أن الصهيونية العالمية كانت تقف وراء بعض هؤلاء الأشخاص، وتدعمهم بتزويدهم بمعلومات عن تحركات منافسيهم وأنشطتهم.
ليست هذه سوى بعض الشواهد؛ فالأمثلة المماثلة كثيرة في المصادر الأوروبية وغيرها من المراجع، وتؤكّد جميعها بصورة قاطعة تورّط الماسونية في أنشطة سرّيّة ومؤامرات سياسية دفع كثير من الناس ثمنها بأرواحهم.
بل يمكن القول إن السياسة كانت أهم مجالات نشاط هذه الحركة واستعراض قوتها؛ لأن هدفها الأساسي كان توجيه الضربات إلى الحكومات والحركات السياسية، وتهيئة الظروف لإقامة الحكم الذي تريده الماسونية. وكانت تسعى، من خلال دورها في الميدان السياسي، إلى تحقيق هذا الهدف وسائر أهدافها.
[4] كان هذا الحزب سياسيًّا وماسونيًّا، نشأ في بدايته بين الطلاب العسكريين الذين كانوا يحملون الكراهية والحقد تجاه السلطان عبد الحميد وأسلوب حكمه. ولم تمضِ فترة طويلة حتى انضمّ إلى هذا الحزب اليهود الدونمة، الذين كانوا يُظهرون أنفسهم – في الظاهر – مسلمين، إلى جانب بعض الشخصيات السياسية البارزة في تركيا، فتشكّلت على إثر ذلك جماعة عُرفت باسم «الاتحاد والترقي»، وتمكّنت من عزل السلطان عبد الحميد سنة 1909م.