كما سبقت الإشارة، تنكر الماسونية وجود أي صلة بالسياسة، وتسعى بوسائل مختلفة إلى أن تظهر في المجتمعات بمظهر جمعية خيرية وأدبية، وأن توحي بأنها تحرّم على أعضائها، من حيث المبدأ، الخوض في أي نقاش سياسي؛ وهو أمر ينص عليه النظام الأساسي للماسونية أيضًا.[1]
غير أن هذا الادعاء ليس إلا دعوى باطلة يكذّبها التاريخ، كما يدحضها اعتراف صريح لأحد أعضاء هذه الجمعية في عصرنا؛ إذ صرّح هذا العضو بوضوح بأن الماسونية كانت، منذ القرن السادس عشر الميلادي، في طليعة الجمعيات التي قادت الحركات الاجتماعية، سواء أكانت سلمية أم عنيفة.[2] فكيف يمكن التوفيق بين هذا الادعاء وذلك الاعتراف الصريح؟ بل كيف يمكن، فضلًا عن ذلك، الجمع بينه وبين الشواهد الآتية؟
أولًا: مشاركة المحافل الماسونية في الأنشطة السياسية واعتراف كبار الماسونيين بأهدافهم السياسية العالمية
1- الماسونية في روسيا: ممثّلة لتيار المعارضة السياسية
كانت روسيا بيئة مهيّأة لانتشار الماسونية وازدهارها، ولا سيما في ظل وجود تجمّعات يهودية واسعة فيها. وقد مكّن هذا الوضع الماسونية من استقطاب السياسيين وتشكيل تيار سياسي معارض بارز؛ الأمر الذي دفع الحكومة الروسية في نهاية المطاف إلى حظرها سنة 1792م. ومع ذلك، استمرت أنشطتها سرًّا حتى سنة 1917م.[3]
2- الماسونية في المجر: الاعتراف بأنّها تمثّل نظامًا سياسيًّا للدولة
ينقل «فريدريش فيختل» عن الدورية الرسمية للجمعية الماسونية المجرية في مطلع القرن العشرين، التي كانت تُسمّى «كيليت»، قولها: «إننا نضع أسس نظام اجتماعي جديد»، وقولها أيضًا: «إن الماسونية المجرية تمثّل نظامًا من أنظمة الدولة».
ثم يقول فيختل: «وعليه، فإن الاشتغال بالسياسة هو الهدف الأساسي للماسونيين المجريين، بل هو هدفهم الوحيد؛ لأن إعداد السياسيين وتأهيلهم يجري عمليًّا داخل المحافل، ويُدرَّب الماسونيون المجريون في كل انتخابات على كيفية التصرف».[4]
وليس هذا كل شيء؛ بل كانت الماسونية المجرية تدعم أنظمة سياسية معيّنة؛ لأن تلك الأنظمة كانت تحقق مصالحها في تلك المرحلة. يقول أحد دعاتها هناك: «إن الهدف النهائي للماسونيين عمومًا يتطابق مع هدف الاشتراكيين الديمقراطيين».[5]
ويدل هذا القول بوضوح على أن الماسونية لا تتردد في الانخراط في العمل السياسي والاندماج فيها متى كانت تلك الأنظمة منسجمة مع أهوائها ومصالحها.
كان ألبرت بايك، الضابط الأمريكي [ت 1891م]، من كبار الماسونيين «النورانيين»، وكان يحمل «الدرجة الثالثة والثلاثين». وعُرف بأنه الخليفة الروحي لآدم وايسهاوبت، مؤسس النورانيين، كما لُقّب بـ«الحبر الأعظم للماسونية العالمية» و«الرئيس الأعلى للماسونيين الأمريكيين من أصحاب الدرجات العليا». ومن أبرز الأفكار التي دعا إليها: إقامة حكومة عالمية موحّدة تتولى إدارة العالم، وعبادة الشيطان.[6]
ويكشف بايك في تصريحاته عن نفوذ الماسونية الخفي وكيفية توظيفه لخدمة مصالحها في مختلف أنحاء العالم، فيقول: «بالكلمة والكتابة، وباستخدام كل ما نملكه من نفوذ ظاهر وخفي، وبأموالنا، وعند الضرورة حتى بسيوفنا، نريد بكل ذلك أن نعمل على تعزيز التقدم البشري… وأن ينهض الناس للمطالبة باسترداد حقوق لا يتنازلون عنها».[7]
وفي شأن استمالة القادة والملوك للانضمام إلى الطريقة الماسونية، يقول بايك: «سمح قادة جمعيتنا السرية لطغاة هذه الأرض بالمشاركة في الأنشطة الماسونية، من غير أن يمنحوهم حق الاطلاع على أكثر مما ينبغي؛ لأن عظماء هذه الأرض كانوا يظنون أن الماسونية تقع بالكامل تحت سيطرتهم، وكانوا يزعمون أن الدين والسياسة لا صلة لهما بالماسونية إطلاقًا».[8]
ثانيًا: انتساب أشهر القادة السياسيين في أوروبا وأمريكا إلى الماسونية
إذا لم تكن للماسونية، كما تدّعي، أي صلة بالسياسة، فكيف يمكن تفسير وجود كبار الزعماء والشخصيات السياسية في صفوفها؟ ومن هؤلاء ألبرت بايك، الذي سبق ذكره، وأربعة عشر من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، وكان معظمهم قد حصل على درجات ماسونية عليا. بل إن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فقد صرّح أحد الباحثين قائلًا: «كل من يتمتع بشهرة أو منصب أو مكانة اجتماعية في الولايات المتحدة عضو في إحدى الجمعيات الماسونية».[9]
ولا يقتصر هذا الوضع على الولايات المتحدة؛ بل يبدو أن الأمر يسير على هذا المنوال في معظم الدول الأوروبية أيضًا، ولا سيما إيطاليا وفرنسا. وتزيد الأسماء الآتية هذه الحقيقة وضوحًا:
1- بنجامين فرانكلين [ت 1790م]: عالم في الفيزياء وفيلسوف سياسي، لُقّب بـ«سقراط أمريكا»، وكان من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية. وكان فرانكلين من كبار الماسونيين، وعُرف بأنه أول كاتب غربي تناول الماسونية في كتاباته.[10]
2- الكونت أونوريه دو ميرابو [ت 1791م]: كاتب سياسي فرنسي، ومن رموز الثورة الفرنسية وقادتها. وكان ماسونيًّا غارقًا في الفساد الأخلاقي.[11]
3- جورج واشنطن [ت 1799م]: أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية والقائد العام لجيشها، وكان أيضًا ماسونيًّا.[12]
4- نابليون بونابرت [ت 1821م]: إمبراطور فرنسا الشهير. لم يكن نابليون ماسونيًّا فحسب، بل كان أيضًا من أنصار الصهيونية البروتستانتية؛ إذ كان من أوائل القادة الذين ساعدوا اليهود على الاستيطان في فلسطين، واتخذ خطوات عملية في هذا الاتجاه خلال حملته على فلسطين سنة 1799م.[13]
كما كان بونابرت أول من أدخل الماسونية إلى البلاد العربية خلال حملته على مصر سنة 1798م؛ إذ أسّس فيها محفلًا باسم «إيزيس». وكان لهذا المحفل، باعتراف الماسونيين أنفسهم، أهداف سياسية، من أبرزها تهيئة الأجواء لفرض سيطرة نابليون على مصر؛ ولذلك سعى نابليون إلى ضمّ العُمد والزعماء المحليين إليه.[14]
ويدل هذا الأمر بوضوح على أن الماسونية كانت في خدمة المطامع السياسية والاستعمارية للمحتل الأجنبي.
5- توماس جيفرسون [ت 1826م]: ثالث رئيس للولايات المتحدة الأمريكية. كان جيفرسون ماسونيًّا مرتبطًا بأخطر قائد ماسوني، «آدم وايسهاوبت»، رئيس طائفة النورانيين، وكان جيفرسون من المدافعين عن وايسهاوبت.[15]
6- المركيز دو لافاييت [ت 1834م]: قائد عسكري وزعيم فرنسي، ومن قادة الثورة الفرنسية. وكان ماسونيًّا وصديقًا مقرّبًا لجورج واشنطن، الذي كان هو الآخر ماسونيًّا، وكان لافاييت من أشد مؤيدي واشنطن في حروب استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا.[16]