
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت القسم الحادي والثلاثون
تمهيد
تناولنا في القسم السابق التناسخ وموقف العلماء منه. ولما كان القائلون بالتناسخ قد ساقوا بعض الحجج لتأييد مذهبهم، فإننا نعرضها في هذا القسم، ونبيّن ردود علماء الإسلام عليها.
أدلة القائلين بالتناسخ
كما سبق بيانه في القسم السابق، فإن أكثر القائلين بالتناسخ هم ممن أنكروا المعاد وكل ما يتصل به. وينبغي أن يُعلم أن من أنكر المعاد فهو كافر لا يؤمن بالله تعالى.
غير أن بعض القائلين بالتناسخ ينتسبون إلى الإسلام ويعدّون أنفسهم مسلمين؛ ولذلك حاولوا الاستدلال ببعض النصوص على صحة مذهبهم. وبناءً على ذلك، يعتمد استدلالهم على منهجين:
منهج عام، يتمثّل في التمسك ببعض الشبهات العقلية؛ ومنهج خاص، يتمثّل في تأويل بعض النصوص الدينية والاستدلال بها لإثبات عقائدهم المنحرفة والفاسدة.
ويعتقد القائلون بالتناسخ، بوجه عام، أن التناسخ قائم على الثواب والعقاب؛ فيقولون: إن الفاسق الذي يرتكب الأعمال القبيحة والمنكرة تنتقل روحه إلى أبدان دوابّ خبيثة ملوّثة بالأقذار والنجاسات، وتكون تلك الدوابّ عرضةً للألم، ولا سيما عند ذبحها. وقد اختلفوا في مصير الذين كانت أعمالهم كلّها شرًّا ولم يعملوا خيرًا قط.[1]
فقال بعضهم: إن أرواح أفراد هذه الطبقة تصير شياطين؛ وقال أحمد بن حابط: إن أرواح هؤلاء تُنقل إلى جهنم، فتعذَّب فيها إلى الأبد.
النموذج الأول: المنهج العام
يقول بعض القائلين بالتناسخ ممن يعدّونه نوعًا من الجزاء: إن الله تعالى عادل حكيم رحيم كريم، ومن اتصف بهذه الصفات استحال أن يعذّب من لم يرتكب ذنبًا. غير أننا نرى أن الله تعالى يبتلي أطفالًا لا ذنب لهم بأمراض تفتك بأجسادهم، كالجدري والقروح المتقيّحة؛ فيتألّمون، ثم يموتون متأثرين بها. كما يأمر بذبح بعض الحيوانات التي لم ترتكب ذنبًا، ثم يُطبخ لحمها ويأكله الناس، ويسلّط بعضها على بعض، فتمزّق إحداها الأخرى وتفترسها، مع أن الحيوان المفترَس لم يرتكب ذنبًا.
ويزعمون أن ذلك يدلّ على أن الله تعالى إنما يفعل هذه الأمور لأن أرواحًا آثمة مستحقّة للعقاب قد أُودعت في هذه الأجساد، فتُعذَّب فيها.[2]
ويحاول هؤلاء، من خلال هذه الشبهات العقلية، إثبات التناسخ وإنكار اجتماع الروح بالجسد مرة أخرى.
الرد على هذا الدليل
إن ما يصيب هؤلاء الأطفال من الأمراض ليس عذابًا ولاعقوبةً بالضرورة، بل قد يكون ابتلاءً لآبائهم. قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.[3]
وما يُبتلى به الإنسان، سواء أكان طفلًا أم شيخًا، لا يدلّ على سوء عمله أو سيرته، بل قد يكون لرفع درجاته؛ لأن كل إنسان يُبتلى على قدر دينه، فالشدائد والمحن محكّ للإيمان.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.[4]
وقد تبدو بعض صور الخير والشر أمورًا نسبيةً من حيث إدراك الإنسان لها، بل يرى بعض الناس أن وجود الأضداد من سنن الحياة، مثل: الكفر والإيمان، والحق والباطل، والمرض والصحة، والشقاء والسعادة، والفقر والغنى، والحياة والموت. وسيظل وجود هذه الأضداد مستمرًّا إلى يوم القيامة.
وإذا كنا جميعًا نوقن بأن الله تعالى رحيم رؤوف، وأنه لا يفعل شيئًا من غير حكمة وتدبير، فينبغي أن نعلم أن لهذه الأمور حِكَمًا كثيرة.
يتبع…
[1] المسيري، د. محمد سيد أحمد، الروح في دراسات المتكلمين والفلاسفة، سنة 1988م، ص: 205.
[2] المرجع السابق، ص: 205.
[3] سورة البقرة، الآية: 155.