
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت (القسم الثلاثون)
تعريف التناسخ
التناسخ عند النصيرية
يُعدّ الاعتقاد بالتناسخ من أهم معتقدات النصيرية، وسبب اعتقادهم به أنهم لا يؤمنون بيوم القيامة، ولا بالحساب والجزاء، ولا بالعقاب في اليوم الآخر.
وقد بيّن النوبختي مذهب التناسخ عند القائلين به فقال: «يعتقد هؤلاء في هذه الدنيا بالدور، وببطلان يوم القيامة والبعث بعد الموت والحساب، ويزعمون أنه لا توجد دنيا غير هذه الدنيا، وأن القيامة هي خروج الروح من الجسد ودخولها في جسد آخر غير الجسد الأول؛ فإن كان الميت من أهل الخير ناله الخير، وإن كان من أهل الشر والسوء ناله الشر والسوء».[1]
التناسخ في الديانة اليهودية
وتؤمن طائفة من اليهود أيضًا بتناسخ الأرواح، ويزعمون أنهم وجدوا في سفر دانيال أن الله تعالى مسخ بختنصر في سبعة أشكال من أشكال البهائم والسباع.[2] ومع ما وقع من التحريف في كتب الديانات الأخرى، باستثناء دين الإسلام وكتابه السماوي القرآن الكريم، فلا شك في أن من يضيف إلى تلك الكتب ما يوافق اعتقاده، ثم ينسبه إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، قد افترى وحرّف.
سائر الفرق القائلة بالتناسخ
الفرقة السادسة عشرة هي فرقة أهل التناسخ، وهي من الفرق الحلولية التي تعتقد أن الله تعالى نور حالّ في الأجساد والأماكن.
ويزعمون أن الأرواح نشأت من الله القديم، وأن الجسد لباس لا روح فيه، فلا يشعر بالألم ولا باللذة. فإذا فعل الإنسان خيرًا ثم مات، تحولت روحه إلى حيوان أليف هادئ، كالحصان أو الطائر أو البقرة، فيعيش هناك في النعمة والرفاهية، ثم تنتقل بعد مدة إلى جسد إنسان.
أما إذا كان الإنسان خبيثًا شريرًا ثم مات، فإن روحه تحلّ في جسد حمار ظهره ممسوح مجروح، أو في جسد كلب أجرب، ويعذَّب هناك بقدر الأيام التي عصى فيها وارتكب الذنوب، ثم تنتقل روحه إلى جسد إنسان. وهكذا كانت الدنيا دائمًا، وستبقى كذلك إلى الأبد.[3]
والفرقة الثانية عشرة هي فرقة أهل التناسخ، وكانوا جماعة من الفلاسفة الذين عاشوا قبل الإسلام، وكان سقراط واحدًا منهم. ووجد في البلاد الإسلامية نوعان من أهل التناسخ: جماعة من القدرية، وجماعة من الروافض الغلاة.
وكان ماني الثنوي يعتقد بالتناسخ في بعض كتبه، وقد صرّح بأن أرواح الصالحين، إذا خرجت من أجسادهم، تتصل بعمود الصبح حتى تصل إلى النور الذي فوق الفلك، وتبقى فرحة مسرورة. أما أرواح الضالين فتتحول إلى أجسام الحيوانات، ثم تنتقل من حيوان إلى آخر حتى تخرج من الظلمة، ثم تتصل بالنور الذي فوق الفلك.[4]
وليس الهندوس والروافض وسائر الفرق وحدهم ممن ينكرون المعاد والبعث بعد الموت، بل كان بعض العرب في الماضي يعتقدون بذلك أيضًا. فقد كانوا يزعمون أن الإنسان إذا مات أو قُتل، اجتمع الدم في رأسه أو اجتمعت بعض أجزاء جسده، فتحولت تلك الأجزاء إلى طائر، وأنه يعود إلى قبر الميت مرة كل مائة سنة. وقد أبطل الإسلام هذا الاعتقاد، واستقبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم».[5]
حكم القائلين بالتناسخ
قال ابن حزم رحمه الله: «من زعم أن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخرى فهو من أهل التناسخ، والقائلون بالتناسخ عند جميع المسلمين كفّار».[6]
والتناسخ الباطل هو الذي يقول به أعداء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنهم الملاحدة وغيرهم؛ وهم الذين ينكرون المعاد والبعث بعد الموت، ويزعمون أن الأرواح، بعد مفارقتها الأجساد، تتحول إلى أجناس الحيوانات والحشرات والطيور التي بينها وبين الأرواح مناسبة ومشابهة. أي: عندما تفارق الأرواح هذه الأجساد، تنتقل إلى أجساد تلك الحيوانات، فإما أن تنعم، وإما أن تعذَّب.
ثم تفارقها وتنتقل إلى أجساد أخرى تناسب أعمالها وأخلاقها. وعلى هذا، لا يؤمن هؤلاء بمعاد الأرواح، ولا يثبتون لها عذابًا ولا نعيمًا، ولا يعتقدون معادًا آخر ولا يقبلونه.
وهذا التناسخ باطل، مخالف لما اتفق عليه جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، وهو كفر بالله تعالى وباليوم الآخر. ويعتقد أصحاب هذه الطائفة أن الأرواح، بعد مفارقتها أجسادها، تكون في أجساد الحيوانات التي تناسبها، وهذا قول باطل قبيح جدًا.
ويأتي بعد ذلك قول من يزعمون أن الأرواح تفنى بالموت فناء كاملًا وتزول، وأنه لا توجد روح تتنعم أو تتعذب، وإنما يقع النعيم والعذاب على أجزاء الجسد أو على جزء منها.[7]
تذكير
استدل أهل التناسخ ببعض الأدلة على عقيدتهم، وقد رد علماء الإسلام على معتقدهم وأجابوا عن أدلتهم. وفي القسم القادم، إن شاء الله، نحاول عرض أدلتهم والرد عليها في ضوء كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال العلماء، والأدلة العقلية والمنطقية.
وينبغي أن يُعلم أن من محاسن الإسلام أنه كلما أبطل عقيدة أو مذهبًا، قدّم للرد عليه أدلة قاطعة مقنعة، حتى لا يبقى لأحد شك أو تردد أو إبهام.
يتبع…
[1] فرق معاصرة، ج 2، بلا تاريخ، بلا مكان نشر، ص 66.
[2] الإسفراييني، الإمام الكبير أبو المظفر، التبصير في الدين، تحقيق: كمال يوسف الحوت، سنة 1403هـ.ق/1983م، ص 136.
[3] العسقلاني، محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، تحقيق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، بلا تاريخ، ص 22.
[4] الإسفراييني، الإمام الكبير أبو المظفر، التبصير في الدين، تحقيق: كمال يوسف الحوت، سنة 1403هـ.ق/1983م، ص 136.
[6] عبد اللطيف، د. عبد العزيز بن محمد، نواقض الإيمان القولية والعملية، سنة 1427هـ.ق، ص 226.
[7] ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، كتاب الروح، تحقيق: محمد أجمل أيوب الإصلاحي، ج 1، ص 280-281؛ وبحسب طبعة أخرى، ج 1، ص 114.