المرحلة الثانية: المرحلة الحديثة الرمزية (1717م – حتى الوقت الحاضر)
أشرنا في المباحث السابقة إلى بدايات الحركة الماسونية ومراحل نشأتها. غير أن المرحلة الأساسية والمهمة من تاريخ الماسونية بدأت عندما دخلت هذه الحركة مرحلتها الحديثة، التي بدأت في القرن الثامن عشر الميلادي، واشتهرت باسم «المرحلة الرمزية». وفي هذه المرحلة شهدت الحركة انشقاقات متعددة، وتشكّلت فيها جماعات مختلفة. ولهذا نتناول في هذا المبحث المرحلة الحديثة والروايات المختلفة المتعلقة بها.
ما الحدث المهم الذي وقع في لندن سنة 1717م؟
يمثّل هذا السؤال المحور الأساسي للخلاف بين الماسونيين ومعارضيهم. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنه يمثّل أساس كتابات معظم الباحثين في الماسونية؛ إذ تكشف طبيعة الإجابة التي يقدّمها كل كاتب عن موقفه من هذه الجمعية: إما الانحياز إليها وتأييدها، وإما معاداتها ومخاصمتها، وإما الوقوف حائرًا بين الطرفين من غير انحياز واضح إلى أحدهما.
ويقتضي منهج الاستقراء والمقارنة ألّا يقتصر البحث على ما نقله المؤرخون المؤيدون للماسونية، بل ينبغي الجمع بين ما نقله هؤلاء المؤرخون وروايات الآخرين؛ حتى تتكوّن صورة كاملة وواضحة عن الأحداث. ونبدأ بنقل رواية مؤيدي الماسونية.
أ- رواية مؤيدي الماسونية
بعد اجتماع سنة 1703م وما اتُّخذ فيه من قرارات، وضع المشاركون تلك القرارات جانبًا، ولم يبادروا إلى تنفيذها طوال نحو أربعة عشر عامًا، أي حتى سنة 1717م.
وفي تلك السنة، اجتمعت جماعة من كبار الماسونيين برئاسة الدكتور «ثيوفيلوس ديزاغلييه[1]»، الفيلسوف الطبيعي المقرّب من ملك إنجلترا، وبمشاركة «جورج باين»، عالم الآثار، و«جيمس أندرسون»، واعظ الكنيسة الأسكتلندية في لندن. ومن الواضح أن هؤلاء الأشخاص لم يكونوا من البنّائين الحقيقيين. وقد تشاوروا بشأن إنشاء «محفل أعظم» يوحّد المحافل الماسونية الأربعة في لندن، واتفقوا على ذلك.[2]
وفي فبراير من السنة نفسها، اجتمعت هذه الجماعة في «محفل أبل تري تافرن» في «وستمنستر» بلندن، وشكّلت «محفلًا أعظم». ثم أسندت مهمة تدوين قوانين المحفل إلى «جيمس أندرسون»، واختارت من بين أعضائها «رئيسًا أعظم» مؤقتًا إلى حين انعقاد الاجتماع السنوي في الرابع والعشرين من يونيو.
وفي الرابع والعشرين من يونيو سنة 1717م، اجتمعت المحافل الماسونية في «محفل مار بول». وعُرض قرار ديزاغلييه ورفاقه على الحاضرين، فأقرّه الجميع. وهكذا اكتسب «المحفل الأعظم لإنجلترا»، الذي كان يتكوّن من أربعة محافل، الصفة الرسمية، وانتُخب «أنتوني ساير» أول «رئيس أعظم» له.
كما أُقرّت في هذا المحفل عدّة أمور مهمة:
أهم قرارات سنة 1717م
1- إعداد مشروع «ميثاق لندن لسنة 1717م»، الذي تحوّلت بموجبه الماسونية العملية بالكامل إلى ماسونية رمزية وفكرية.
2- تحويل الطابع العملي لدرجات «التلميذ والرفيق والأستاذ» الثلاث إلى طابع رمزي.
3- حظر إنشاء أي محفل ماسوني من دون ترخيص كتابي معتمد من «رئيس المحفل الأعظم»، وقصر حق الترقية في الدرجات على «المحفل الأعظم».
4- إلزام رؤساء المحافل المعترف بها رسميًّا بالمشاركة في اجتماعات المحفل الأعظم، وتقديم تقرير سنوي عن أعمال كل محفل، وإرسال نسخة من قوانينه الداخلية، بشرط ألّا تخالف لوائح المحفل الأعظم.
وبعد هذا التاريخ، كان المحفل الأعظم ينعقد في الرابع والعشرين من يونيو من كل عام. وكان الاجتماعان الآتيان من أبرز اجتماعاته:
1- اجتماع سنة 1723م
صدر في هذه السنة أول نظام ماسوني في إحدى وثلاثين مادة بعنوان «النظامات الماسونية الحرة»، وقد تولّى تدوينه «جيمس أندرسون»، رفيق ديزاغلييه وصاحبه.
2- اجتماع سنة 1725م
مُنح في هذا الاجتماع رؤساء المحافل الأخرى أيضًا حق الترقية في الدرجات، ولم يعد هذا الحق مقصورًا على المحفل الأعظم، وكان ذلك سببًا في انتشار الماسونية وزيادة درجاتها.[3]
الانشقاق في صفوف الماسونيين
لم يحظَ تحويل الماسونية العملية إلى ماسونية رمزية بقبول جميع الماسونيين، فقد عارضته محافل كثيرة في أسكتلندا وإيرلندا؛ حتى إن هذه المحافل أسّست سنة 1739م «المحفل الأعظم للماسونيين القدماء» في مواجهة المحفل الأعظم الجديد، وانضمّ إلى معارضي المحفل الجديد كثير من الماسونيين في إنجلترا.
غير أن هذا الخلاف لم يدم طويلًا؛ إذ سعى المحفل الأعظم الجديد إلى إنهاء هذا الانقسام، فأرغم سنة 1754م «محفل القدماء» على الاعتراف بالمحفل الجديد والقبول به، مع احتفاظ محفل القدماء باستقلاله التنظيمي. ثم اتّحد المحفلان اتحادًا كاملًا سنة 1813م.[4]
انتشار الماسونية الرمزية خارج بريطانيا
دخلت «الماسونية الرمزية» فرنسا سنة 1721م، وأُسّس أول محفل لها في باريس سنة 1725م بإذن من المحفل الأعظم الإنجليزي؛ ولذلك أُطلق عليها لقب «الماسونية العامة».
وفي سنة 1738م، انتشرت الماسونية الرمزية في ألمانيا وروسيا وأمريكا وغيرها من الدول الغربية والشرقية. وكانت معظم هذه المحافل خاضعة لإشراف المحفل الأعظم لإنجلترا، لكنها سرعان ما استقلّت وأنشأت «محافل عظمى» خاصة بها.
وكان أهم هذه المحافل «محفل الشرق الأعظم الفرنسي» (Grand Orient de France)، الذي أُنشئ سنة 1772م، وكان له تأثير واضح في مجالي السياسة والدين في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، وفي بعض البلاد العربية أيضًا. وأدّى هذا التأثير سنة 1878م إلى قطع العلاقات العلنية بين هذا المحفل والمحفل الإنجليزي.[5]
شكوك الماسونيين الألمان في أصل الماسونية الحديثة
على الرغم من انتشار الماسونية الرمزية وقبولها في ألمانيا، ظهرت تدريجيًّا شكوك جدّية في نفوس أعضاء المحافل الألمانية، وأحدثت بينهم انقسامًا وخلافًا. وتمحورت هذه الشكوك حول سؤالين مهمين:
1- هل الماسونية جمعية حديثة، أم إنها نشأت من جمعية أقدم منها بكثير؟ وما تلك الجمعية؟
2- هل للماسونية «أساتذة ورؤساء أعلى رتبةً» من أولئك المعروفين لدى عامة الناس؟ من هؤلاء الأشخاص؟ وأين يوجدون؟ وما مهماتهم؟ هل يعلّمون أم يحكمون؟
وللبحث عن إجابات عن هذه الأسئلة، عُقدت اجتماعات في ألمانيا سنة 1782م، وفي فرنسا سنة 1785م، غير أنها ـ وفقًا لما ذكره «مكاريوس» ـ لم تسفر عن أي نتيجة واضحة.[6]
ومن خلال دراسة الأمر بصورة أدق، يتبيّن أن هذه الأسئلة، التي قال مكاريوس إنها لم تُفضِ إلى نتيجة، ظلّت تُثار جيلًا بعد جيل داخل المحافل الماسونية وفي نفوس أعضائها؛ حتى ظهر أفراد شكّكوا في أهداف هذه الحركة وطبيعتها، فكتبوا مؤلفات لبيان ماهية الحركة ومفاسدها.
ولعلّ الرواية التي سنتناولها في المبحث التالي هي الجواب الذي سعى كبار الماسونيين دائمًا إلى إخفائه عن أعين الناس.[7]
[1] اختلفت المصادر المؤيّدة للماسونية في ذكر اسم هذا الشخص؛ فسمّته بعض المصادر «ثيوفيلس ديزاغليه»، وسمّته مصادر أخرى «ديون ديزاكوليه» أو «تثوفيل داساجوبليرس». وهذه الأسماء في الحقيقة ليست إلا صيغًا مختلفة ناشئة عن اختلاف اللهجات والترجمات، غير أن الثابت هو أن هذا الشخص كان «أبا الماسونية الحديثة» وعقلها المدبّر.