
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 9
أقلية شديدة القوة تُسمّى السلطة التنفيذية
كلما أثيرت مسألة الأقلية، تبرز إلى الذهن أقلّيتان: إحداهما تكون في الغالب مظلومة، وتُنتَهك حقوقها باستمرار، والأخرى تكون دائمًا على رأس الحكومة، وتحكم أغلبية المجتمع، وتمارس الظلم على الأقلية الضعيفة والمظلومة من خلال حرمانها من حقوقها.
وفي الحقيقة، فإن الدولة عالقة بين أمواج حكم الأقلية الحاكمة، وعواصف مظلومية الأقلية المحكومة، وفي الوقت نفسه تواصل أغلبية المجتمع حياتها العادية والمألوفة في سلام ورفاه، وعلى الرغم من أن الاضطرابات وحالات الاستياء تتسلل، بصورة غير مباشرة، من الأقلية الحاكمة إلى جسد أغلبية المجتمع، فإن أفراد الأغلبية بدورهم ينقلون غضبهم إلى الحكومة، غير أن الأغلبية تظل الجزء الهادئ والمرفّه من المجتمع.
وقد أشرنا في الملاحظتين السابقتين وفي هذه الملاحظة إلى الأقلية الحاكمة نفسها، ومن أمثلتها البرلمان وغيرُه، إلا أن التركيز هنا ينصبّ بصورة أكبر على أقلية قوية تُسمّى السلطة التنفيذية.
السلطة التنفيذية (القوة التنفيذية)
لا يقتصر حضور البرلمان القوي على ميدان الصراعات السياسية والقرارات الوطنية، بل توجد فوقه سلطةٌ أعلى وأقوى، هي السلطة التنفيذية، التي تتولى تنفيذ أوامر الحكومة والقوانين، وتُمارس من خلالها هيمنة الأقلية، وتُسيطر على قدر كبير من السلطة والقوة.
والسلطة التنفيذية واحدة من القوى والسلطات التي تُطبّق حكم الأقلية؛ ففي هذا المجال تكون السلطة الحقيقية في يد فئة صغيرة من الناس، فإذا كان نظام الحكم رئاسيًا كان الرئيس هو الذي يمتلك هذه السلطة ويمارسها، وإذا كان نظام الحكم برلمانيًا كان رئيس الوزراء هو الذي يمتلكها ويمارسها.
هذه الفئة الصغيرة تتمتع بسلطة كبيرة، وسيأتي بيان ذلك فيما يلي.
في بعض البلدان، تُبذل محاولات لإضعاف هذه السلطة والحدّ منها، ويرجع أصل هذه المسألة إلى درسٍ في كتب التاريخ عن الملوك أو الدكتاتوريين الذين يسعون تدريجيًا إلى إخضاع جميع السلطات لسلطتهم؛ إلا أن التاريخ أثبت مدى بُعد هذا التصور عن الحقيقة، وأن نتائجه بالغة السوء؛ لأن الأوضاع الداخلية، والأهم منها العلاقات الخارجية، تحتاج إلى سلطة تنفيذية قوية وكفؤة تهتم بالقضايا الكبرى، لا إلى سلطة تظلم شعبها وتتنكر لحقوقه المشروعة والقانونية وتتجاهلها.
وقد عُدَّ تقوية السلطة التنفيذية وزيادة صلاحياتها فشلًا في النظام البرلماني، ويُسمّى ازدياد نفوذ السلطة التنفيذية واستقلالها الأزمة البرلمانية، فالسلطة التنفيذية تعمل على زيادة سلطتها وصلاحياتها، بينما يحاول البرلمان أيضًا ألّا يفقد سلطته ونفوذه، وتتنافس السلطتان وتتصارعان حول السياسات الداخلية والخارجية، وقد أظهرت النتائج في كثير من الأحيان تفوّق السلطة التنفيذية وقوتها في عملية اتخاذ القرارات.
ولا تقتصر قدرة السلطة التنفيذية على ممارسة السلطة في نطاق اختصاصها، بل تمتدّ أيضًا إلى مستويات أخرى من النفوذ والتأثير التي تُعدّ من اختصاص السلطة التشريعية؛ فعلى سبيل المثال، تستطيع أن تستخدم سلطتها وتفرض إرادتها في مسألة زيادة الميزانية أو خفضها، وكذلك في عملية سنّ القوانين.
وللسلطة التنفيذية صلاحية إصدار القوانين التي تُسمّى اللوائح الإدارية، ويزيد عدد هذه القرارات على عدد القوانين التي يقرّها البرلمان؛ إذ يقرّ البرلمان في المتوسط ٨٠ قانونًا سنويًا، في حين تبلغ أوامر السلطة التنفيذية وقراراتها ثلاثين ضعف هذا العدد.
يقوم البرلمان أيضًا بقبولها وإقرارها بعد إدخال ما يلزم عليها من جرح وتعديل، أو يرفضها، وعلى أي حال، تؤدي السلطة التنفيذية دورًا مهمًّا في هذه المسألة، إذ يستطيع الرئيس أن يلفت انتباه الكونغرس (البرلمان) إلى بعض القضايا، لكي تُسنَّ القوانين بشأنها، كما يستطيع الكونغرس أن يؤدي دورًا مهمًّا ومؤثرًا في المسألة التشريعية من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القوانين.
وتكمن أهمية قرارات السلطة التنفيذية في أنها، عندما تتخذ طابعًا تشريعيًا، تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة؛ ولذلك تستطيع السلطة التنفيذية إصدار القوانين التي تريدها دون إحالتها إلى السلطة التشريعية، وإذا كان عدد هذه الأنظمة والقرارات كبيرًا، فإن مركز السلطة التشريعية ينتقل في هذه الحالة من السلطة التشريعية المتمثلة في البرلمان إلى السلطة التنفيذية.
وبذلك، تتولى السلطة التنفيذية المستوى الأساسي من عملية التشريع التي تُعدّ من اختصاص السلطة التشريعية، وبطبيعة الحال، ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن هناك أساليب مختلفة في البلدان التي تدّعي الديمقراطية، إلا أن النتيجة تكون واحدة.
وعندما يُنتخب الرئيس أو رئيس الوزراء، فإن أول ما يحدث هو إقالة كثير من المديرين والمسؤولين في المستويات العليا من الدولة، أو خفض مناصبهم ورتبهم، لكي يُعيَّن في مناصبهم أشخاص مقرّبون من الحكومة الجديدة وموثوقون لديها، وتُعدّ هذه الممارسة في التعيينات علامةً على حكم الأقلية.
الأحزاب
استمرارًا لسلسلة النقاش حول «حكم الأقلية على حساب الأغلبية»، نصل الآن إلى حكم الأحزاب، وسنوضح كيفية تكوينها والجوانب الأخرى المتعلقة بها.
تتكوّن الأحزاب من فئات قليلة أو أقليات، وداخل هذه الأقلية توجد أقلية أخرى، تتمثل في رئيس الحزب وبعض أعضائه الأقوياء، ولا يوجد رأي أو موقف موحّد بين المؤيدين للديمقراطية بشأن تأسيس الأحزاب وشؤونها الحزبية؛ لأن ذلك من المسائل والأسئلة التي يُطرح بشأنها: هل تستطيع الأحزاب أن تمثل الشعب أم لا؟ وهل النظام الحزبي نظام نافع أم نظام فاسد؟
يرى المؤيدون لتأسيس الأحزاب ما يأتي:
1- إنَّ التصويت المنظَّم والمخطَّط له يُسهم في تحقيق أهداف الحكومة إسهامًا إيجابيًّا؛ ولذلك فإنَّ إنشاء الأحزاب أمرٌ ضروريٌّ.
2- تُنشئ الأحزاب الجماعات وتعمل على تدريبها وتوعيتها سياسيًّا، كما تشجّع على المشاركة في الرأي العام وتعبئة الرأي العام للشعب.
3- يُعدّ النظام الحزبي أساسًا قويًّا وضروريًّا للحكومة القائمة على التمثيل؛ لأن النظام القائم على التمثيل يحتاج إلى الأحزاب لكي تقدّم برامجها إلى الشعب، فيصوّت الشعب لها على أساس تلك البرامج.
4- يقول أحد منتقدي الديمقراطية، «هيشلز»: إن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم من دون تنظيم، والتنظيم من مهام الأحزاب.
وتوجد انتقادات كثيرة للحزبية، منها:
1- إذا قلنا إن الأحزاب ممثلون حقيقيون للرأي العام، فذلك مبالغة؛ فقد أثبتت التجارب أن الأمر ليس كذلك.
2- على الرغم من أن الأحزاب تُعدّ من أعمدة الديمقراطية، فإنها موضع شك وانتقاد؛ وذلك للأسباب الآتية:
أ. تستولي عليها أقلية وتفرض سيطرتها عليها، وهذه الأقلية تسعى في الغالب إلى تحقيق مصالحها الخاصة.
ب. تختبئ وراء مبادئ الديمقراطية وتتخذها ستارًا لها.
ج. تتنافس فيما بينها.
د. يسعى عضو الحزب إلى تحقيق مصالحه الخاصة، حتى لو كانت هذه المصالح تتعارض تعارضًا شديدًا مع المصلحة العامة.
3- وأشدّ من هذه الانتقادات قول «بارتيلوي»، إذ قال: «الأحزاب آفة الديمقراطية».
4- وأسوأ من ذلك قول «اللورد هاليفاكس»، الذي قال قبل ثلاثة قرون: «إنَّ أفضل حزبٍ، إذا كانت الديمقراطية أساسه ومعياره، يُعَدُّ إلى حدٍّ ما مؤامرةً على الأمة، وليس حبُّ الأحزاب وانتقادُها أمرين متناقضين؛ لأنَّ الأحزاب من جهةٍ أعمدةُ الديمقراطية، ومن جهةٍ أخرى آفاتُها، وهذا الموقف المزدوج أيضًا من مقتضيات النظام الديمقراطي».
وتحتاج الديمقراطية إلى الأحزاب؛ لأنه إذا كانت الانتخابات تجري على أساس القوائم، سواء وفق نظام التمثيل النسبي أو نظام الأغلبية، فإن الأحزاب وحدها هي التي تستطيع إعداد القوائم، وحتى لو كانت القائمة تضم مجموعة من الناس والشخصيات الذين يخشون وضع أسمائهم وشعارهم تحت مظلة حزب، فإن ذلك لا يكاد يكون ممكنًا؛ إذ إن اجتماعهم في مؤتمرات الحزب وظهورهم ضمن قائمته يدل على انتمائهم الحزبي.
نشير هنا إلى مسألة مهمة وأساسية تثبت كون الأحزاب أقلية:
من الواضح أن عددًا قليلًا من الناس هم الذين ينضمون إلى الأحزاب ويصبحون أعضاء فيها؛ لأن عضوية الأحزاب، لما تشتمل عليه من مشكلات وتحفّظات، لا تحظى بشعبية كبيرة بين السياسيين، فليس السياسيون ممن يبحثون عن «الجلوس بين مقعدين»، ولا هم ممن «يربطون رؤوسهم بعصابة قبل أن تصاب بالصداع»، وهذه النقطة تُعدّ إحدى درجات ومراتب أقلية الأحزاب.
وفي الولايات المتحدة، تختلف طريقة الانضمام إلى الأحزاب والحصول على عضويتها عن غيرها من الأماكن، وهي أكثر تعقيدًا، فالعضوية في الأحزاب الأمريكية تكون على النحو الآتي: يتعين على الناس التسجيل من أجل التصويت للحزب الذي يختارونه، وفي هذه المرحلة أيضًا تظهر ملامح الأقلية؛ لأن الأعضاء الأصليين في الحزب يكون لهم حضور دائم وأساسي في عملية التسجيل، ويكونون هم المسيطرين على سير الأمور، كما أن عدد الأعضاء البارزين في الحزب محدود، وهو ما يُظهر بوضوح طابع الحزب بوصفه أقلية، وبعبارة أخرى، يظهر الحزب في الولايات المتحدة ويُعرَف بوضوح باعتباره مؤسسةً تديرها أقلية.
ويُسمّى الأشخاص الذين يديرون الأحزاب ويضطلعون بشؤونها «الآلات السياسية» أو «الأدوات السياسية»، وهم يطبّقون نظامًا خاصًّا يقوم على حكم قلة من القادة والأقليات داخل الحزب.
وفي الولايات المتحدة، لكل مدينة آلة سياسية أو أداة سياسية خاصة بها، بل حتى القرى لديها أدواتها السياسية الخاصة، ويولي السياسيون في عملهم اهتمامًا كبيرًا بالتنظيم الكامل لعملهم وبنجاحه، ويكون التحكم في الآلات والأدوات السياسية بالنسبة إليهم أهم بكثير من حل قضايا الحكومة ومشكلاتها، وبعبارة أخرى، تعطي الأقلية الحزبية الأولوية لمصالح الحزب على مصالح البلاد، وإلى جانب الآلات السياسية، توجد داخل الحزب دائرة ضيقة جدًا وقليلة النفوذ تُسمّى قيادة الحزب.
وفي عام 1919م، أعدّت جماعة من حزب المحافظين البريطاني تقريرًا جاء فيه أن اعتماد سياسات الحزب وتوجهاته يُعدّ من الحقوق الخاصة لزعيم الحزب، كما يحق له قبول قرارات المؤتمر السنوي للحزب أو رفضها، ويرجع هذا الأمر إلى خمسينيات القرن العشرين، وقد تعرّض زعيم حزب العمال البريطاني «توني بلير»، للانتقاد بسبب اعتماده على مستشاريه داخل الحزب.
ويقول «لاسكي»، عن الولايات المتحدة إن كلا الحزبين يقوم على أساس الأشخاص والمحاور الشخصية، لا على أساس الأفكار، ومن الواضح أن زعيم الحزب هو الشخص الأول فيه، وأن معظم الأعضاء يلتفون حوله ويقبلون أفكاره ومقترحاته؛ ومع ذلك، توجد خلف الكواليس شخصيات تمتلك من القوة والنفوذ ما يفوق أحيانًا قوة الزعيم نفسه.
وإذا تحدثنا عن الحزب داخل البرلمان، فإننا نجد أن هناك عددًا محدودًا من الأقليات الموجودة فيه، ويتمتع أعضاء البرلمان بقوة ونفوذ خاصين على جميع الأحزاب، ومن أمثلة ذلك الحزبان الكبيران في بريطانيا.
داخل البرلمان توجد جماعة صغيرة سبق أن أشرنا إليها، ولكل حزب في البرلمان لجنة تنفيذية، تديرها وتشرف عليها جماعة صغيرة تتمتع بقدر كبير من السلطة والنفوذ، وتشكّل هذه اللجنة الحكومة عندما يكون الحزب في السلطة، وفي النظام البرلماني، كما هو الحال في إنجلترا، يشكّل الحزب المنافس في البرلمان حكومة الظل.
وفي كثير من البلدان، تتخذ دوائر الأقليات أشكالًا أخرى؛ فعلى سبيل المثال، توجد داخل الحزب قيادة لجماعة مهيمنة ومسيطرة، وإلى جانبها يوجد أيضًا مكتب سياسي يضم عددًا قليلًا من الأعضاء، وداخل هذا المكتب السياسي توجد بدورها جماعة صغيرة تتمتع بقدر أكبر من السلطة والقوة، وباختصار، فإن طريقة تنظيم الحزب وبناء هيكله، في جميع الأحوال، تؤدي إلى تكوين قوة أقلية.
الحزب أقلية بالنسبة إلى مجموع السكان، ونشطاء الحزب أقلية بالنسبة إلى مجموع أعضائه وأنصاره، وداخل هؤلاء النشطاء توجد حلقة أخرى من الأقلية، وداخل هذه الحلقة توجد حلقة أخرى أيضًا، والسؤال هنا: كيف يمكن للحزب، وسط هذه الحلقات المتداخلة، أن يعدّ نفسه ممثلًا للشعب؟ وحتى إذا كان ممثلًا للشعب، فهل يمكننا مع ذلك أن نقول إن الشعب يحكم حقًّا من خلال الأحزاب، وإنه هو صاحب السلطة؟
لقد رأينا أن أعضاء الحزب أنفسهم ليسوا هم الحاكمين، وتكمن المشكلة الكبرى للديمقراطية في هذا المجال في أن الديمقراطية وحكم الشعب يحتاجان، من أجل ممارسة أعمالهما والاضطلاع بمهامهما، إلى أحزاب وأنظمة تقوم على الأقليات، وإذا تحدثنا عن فساد الأحزاب، فينبغي أن نقول إن نشأة الحزب تكون مقترنة بالفساد في ظل أي سلطة أو حكم آخر، وهذه مشكلة وتحدٍّ آخر للديمقراطية؛ لأن الديمقراطية تحتاج في ممارستها إلى وسائل فاسدة
يتبع…