
الكاتب: مفتي محمد كُل (سعید)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم الثالث العشر)
مكانة الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله وذكاؤه:
تكثر القصص التي تُروى عن ذكاء الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله وفطنته، وقد جمع علماء الأمة أخبار سيرته في مجموعات، وألّفوا فيها كتبًا مستقلة. قال يزيد: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ ولا أورعَ من الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وقال خارجة بن مصعب: لقد لقيتُ ما يقارب ألف عالم، وكان منهم ثلاثة أو أربعة من كبار أهل العلم، وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله واحدًا منهم. وروى الشامي رحمه الله عن الإمام أبي يوسف رحمه الله أنه قال: جاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله فقال: إني حلفتُ لزوجتي ألا أُكلّمك حتى تُكلّمني أنت أولًا، وهي أيضًا حلفت ألا تُكلّمني حتى أبدأ أنا بالكلام. فماذا نفعل الآن؟ قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله للرجل: اذهب وكَلِّم زوجتك، ولا يترتب عليك حنثُ يمين. فذهب الرجل إلى سفيان الثوري رحمه الله، فذكر له القصة، فغضب وقال: كيف تُدخل الناس في مثل هذا الحرام؟ ثم جاء سفيان الثوري رحمه الله إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وقال له: لماذا تفتي الناس بهذا؟ فقال أبو حنيفة رحمه الله: ليعرض الرجل سؤاله عليك بنفسه. فعاد الرجل وكرر سؤاله، فأجابه الإمام أبو حنيفة رحمه الله بالجواب نفسه. فقال سفيان الثوري رحمه الله: وعلى أي دليل تقول إنه لا يحنث؟ فقال أبو حنيفة رحمه الله: لأن الزوج حلف أولًا، ثم جاءت الزوجة بعد ذلك وحلفت على عدم الكلام حتى يبدأ هو بالكلام، فكان في ذلك تخريجٌ يُخرج الزوج من الحنث. فقال سفيان الثوري رحمه الله: إنكم لتفتحون من دقائق العلم ما لا نصل إليه.
وفاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله وشهادته:
عاش الإمام المظلوم أبو حنيفة رحمه الله في أواخر حياته ما بين السجون والابتلاءات، فصبر على ما لقيه من المشقة والأذى والتهديد بالقتل، محتسبًا ذلك عند الله تعالى، وكان في ذلك الوقت قد بلغ من الكِبَر نحو السبعين عامًا، وقد أنهك جسده طول التدريس وكثرة مناظراته وإجاباته على أسئلة الناس، واشتعلت لحيته شيبًا. ومع كل هذه المحن والابتلاءات، لم يتراجع الإمام أبو حنيفة رحمه الله عن موقفه، ولم تنقص عزيمته الراسخة، بل بقي ثابتًا قويَّ الإرادة، لأن قلبه الطاهر وروحه الزكية وإيمانه العميق وصبره العالي كانت كالجبل الراسخ في مواجهة تلك الشدائد، بينما كان جسده الضعيف قد أنهكته السنون ولم يعد يحتمل المزيد. وهكذا تُوفي الإمام الجليل في السجن، وقد عزم على لقاء ربه، وذلك في سنة 150 ه ق، بعد حياة مليئة بالصبر والابتلاء، وقيل إنه خرج من الدنيا في حال مظلومية شديدة، وهو مكبَّل بقيود الظلم والاستبداد. وسيأتي يوم القيامة، اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، ليقف بين يدي الله تعالى ويطالب بحقه ممن ظلمه، فقد قيل إن المنصور أمر بوضع السم له في الطعام، فكانت تلك سببًا لوفاته عند بعض الروايات، وقيل غير ذلك من أنه قُتل تحت التعذيب، لكن الأقوال المشهورة تشير إلى وفاته في تلك الظروف. وقيل أيضًا: إن الإمام أبو حنيفة رحمه الله ختم القرآن الكريم في موضع وفاته سبعة آلاف مرة. ولم يُشْعَرْ بوفاته في البداية إلا من قِبل عدد قليل من الناس، ثم تولّى قاضي بغداد الحسن بن عمارة رحمه الله تغسيله، وكان عبدالله بن واقد وأبو رجاء الهروي يصبّان عليه الماء، وقد بكى القاضي أثناء الغُسل، وذكر مناقبه وفضائله. ولما بلغ أهل بغداد خبر وفاته، خرجوا أفواجًا للصلاة عليه، حتى قيل: إن البكاء عليه كان شديدًا جدًا، وقال أبو رجاء الهروي: لم أرَ باكيًا أكثر من ذلك اليوم. وقد ذُكر أن الصلاة على جنازته استمرت أيامًا لكثرة الناس، حتى شارك ابنه حماد رحمه الله في الصلاة عليه ودفنه، وقيل إن عدد من حضر جنازته الأولى بلغ نحو خمسين ألفًا، وروي أن المنصور نفسه حضرها في بعض الروايات.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: إن الإمامة في الفقه ودقائقه مُسلَّمة لهذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه، وسيرته تحتمل أن تُفرد في مجلدين، رضي الله عنه ورحمه. وتوفي شهيدًا مسمومًا سنة (150) ه ق[1]. وأیضا قال الذهبي: وبلغنا أن المنصور سقاه السم فاسودّ ومات شهيدًا، أي: بلغنا أن المنصور سقاه السم، فاسودّ جسده، وتوفي شهيدًا بسبب أثر ذلك السم[2]. قال بعض العلماء عند وفاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله كلماتٍ مؤثرة تدل على عظيم مكانته في العلم، ومن ذلك ما رُوي عن المحدث ابن جريج المكي رحمه الله (ت 150هـ)، أنه لما بلغه خبر وفاته قال بعد الاسترجاع: «ذهب العلم»[3]، أي: لقد فُقد بوفاته علمٌ كثيرٌ كان الناس ينتفعون به. وقال أيضًا: «لقد ذهب معه علم كثير»[4]. ويُذكر أن عددًا كبيرًا حضر جنازته، حتى قيل إن نحو خمسين ألفًا (50,000) شخص شاركوا في الصلاة عليه. وتُعدّ قصة وفاة/شهادة الإمام أبي حنيفة رحمه الله عند النظر في مختلف المصادر والروايات الموثوقة مقبولة من حيث الأصل، إلا أن بعض الروايات التي نُقلت عن تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياته قد تكون متأثرة بشدة المحبة له، وكما هو المعتاد في أخبار المظلومين قد يصاحبها شيء من المبالغة في بعض التفاصيل. ومع ذلك، فإن روايات مشاركة المنصور في جنازته، وحضور كبار الوزراء والموظفين في الدولة، وكذلك ما نُقل من تأثر عبد الصمد بن علي عم المنصور، وندمه على ما حصل، كلها شواهد تُستفاد منها في نفي الجزم بأن وفاته كانت على وجه التعذيب المباشر بالجلد أو السم أو أثناء السجن بصورة محددة. وفي رثاء الإمام أبي حنيفة رحمه الله، كان العالم الزاهد المشهور صدقة المغافري، المعروف باستجابة الدعاء، يكرر لمدة ثلاثة أيام هذه الأبيات:
ذهب الـــــــــــــــــــــــــــفقه فلا فــــــــــــــــــــــــــــــــــقه لكم
فاتـــــــــــــــــــــــــــــــــــقوا الله وکــــــــــــــــــــــــــــــونوا خلفا
مات نعــــــــــــــــــــــــــــمان فــــــــــــــــــمن هــــــــــــــــذا الذي
يُحيي اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــیل إذا أَسْجَــــــــــــــــــــــــــــــــــــفَا
وهذه الأبيات تعكس شدة الحزن على فقدان الإمام وما كان يمثله من مكانة علمية رفيعة في عصره. الإمام أبو حنيفة رحمه الله صلى صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء لمدة أربعين سنة. ويؤكد مؤلف كتب مناقب الإمام الأعظم رحمه الله هذه الرواية، حيث يذكر أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله أدى صلاة الفجر بوضوء العشاء لمدة خمس وأربعين سنة، أي أنه لم يكن يستريح في الليل، وكان في النهار يُدرّس طلابه الفقه والحديث في حلقته الخاصة إلى وقت متأخر. وقد تولّى غسله القاضي حسن بن عمارة رحمه الله، وعندما انتهى من الغسل خاطب جسد الإمام الأعظم رحمه الله قائلاً: رحمك الله، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تضع جنبك الأيمن للنوم منذ أربعين سنة، كنت أفقهنا وأعبدنا وأزهدنا، وأجمعنا لخصال الخير، ودُفنتَ حين دُفنت إلى خير وسنة، وقد أتعبت من بعدك.
ويذكر بعض المعترضين أن في كتب الحنفية ما يفيد أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان يصلي صلاة الفجر بوضوء العشاء لمدة أربعين سنة، ثم يقولون: انظروا كيف رفع الحنفية إمامهم فوق منزلة النبي صلى الله عليه وسلم (نعوذ بالله من ذلك).
ونحن نجيب عن هذا الاعتراض بجوابين…:
الجواب التحقيقي:
إن اعتراض بعض الناس مبني على قلة علمهم، إذ ينبغي لهم أن يعلموا أن هناك فرقًا بين وزن العمل ومقدار العمل. فمن حيث مقدار العمل، فإن النبي صلی الله علیه وسلم قد حجّ حجة واحدة، بينما يوجد في الأمة من حجّ عشر حجج، وقد يكون النبي صلی الله علیه وسلم قد عبد الله قرابة خمسين سنة، بينما يوجد في الأمة من بلغ مائة سنة، فيكون قد صلى وعبد الله نحو ثمانين سنة. لكن من حيث وزن العمل وقيمته، فإن حجة واحدة للنبي صلی الله علیه وسلم لا يمكن أن تعادلها جميع حجج البشر، بما فيهم الصحابة، وكذلك لا يمكن أن تعادل سجدة واحدة للنبي جميع سجدات البشر، بما في ذلك سجدات الأنبياء عليهم السلام. والحمد لله، فإن مذهب الحنفية هو أن الإمام (أبو حنيفة) رحمه الله، حتى لو صلى الفجر بوضوء العشاء لمدة أربعين سنة، فإنه لا يمكن أن يصل إلى مرتبة أدنى صحابي، فضلًا عن أن يصل إلى منزلة النبي صلی الله علیه وسلم.
الجواب الإلزامي:
جاء رجل إلى مولانا أمين صفدر الأوكرائي رحمه الله، فقال له: أنتم تدّعون أن الإمام (أبو حنيفة) رحمه الله صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء لمدة أربعين سنة، فهل لم تكن له زوجة؟ أليس لها حق عليه…؟ فقال له أمين صفدر رحمه الله: إن حقّ توجيه هذا الاعتراض لشخصين فقط: الأول زوجة الإمام، والثاني وكيل زوجة الإمام، والآن قل لي: هل أنت زوجة الإمام أم وكيل زوجته؟ فسكت الرجل، فقال له الشيخ: وليس معنى ذلك أنه لم يترك ذلك ولو يومًا واحدًا، بل إن ذلك كان غالب حاله، وأحيانًا كان يستريح، ويقوم بسائر احتياجاته البشرية. كما أن بيان هذه الرواية لم يقتصر على الحنفية فقط، بل ذكرها أیضًا علماء من الشافعية والحنابلة والمالكية، ومنهم على سبيل المثال:
-
الإمام النووي الشافعي في كتابه تهذيب الأسماء (ص 704).
-
العلامة الدميري في حياة الحيوان (ج 1 ص 122).
-
الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في تهذيب التهذيب (ج 10 ص 450).
-
العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي في تبييض الصحيفة (ص 15).
-
قاضي حسين بن محمد الديار المالكي في تاريخ الخميس (ج 2 ص 366).
-
عبد الوهاب الشعراني الشافعي في كتاب الميزان (ج 1 ص 61).
-
ابن حجر المكي الشافعي في الخيرات الحسان (ص 36).
-
الشيخ عبد القادر الجيلاني الحنبلي، حيث ذكر أن عن أربعين من التابعين رُوي أنهم كانوا يصلون صلاة الفجر بوضوء العشاء لمدة أربعين سنة، وأن هذا السند صحيح.[5]
يتبع…
[1] ورد ذلك في: سير أعلام النبلاء (6/390–403)، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال (29/422)..
[2] مناقب أبي حنيفة وصاحبيه، ص 30.
[3] تهذيب الكمال (19/180).
[4] الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة لابن عبد البر (ص: 135) ومناقب أبي حنيفة وصاحبيه للإمام شمس الدين الذهبي (ص: 18).
[5] غنية الطالبين، الصفحة 496