الکاتب: أبو رائف
الاستعمار(القسم السادس والعشرون)
الاستعمارُ في المجالین العسکريّ والأمنيّ
تسعى القواتُ الأمنيةُ والدفاعيةُ في أيِّ بلدٍ إلى حفظ النظام والأمن الداخلي، ومواجهة التهديدات والمخاطر. كما تحرس الحدودَ الجغرافيةَ والمعنويةَ للدولة، وتمنع الاعتداءَ على البلاد وأهلها، وعند الضرورةِ تنخرطُ في المعارك باستقامةٍ وشجاعةٍ لإحقاق الحق والدفاع عنه.
كما يقعُ على عاتق الأجهزة الأمنية ضمانُ تنفيذِ القوانين النافذة، ومنعُ جميعِ أشكالِ الظلم والفساد، وملاحقةُ المجرمين والمفسدين، والكشفُ عن أوكار الفساد في المجتمع والقضاءُ عليها، من أجلِ تعزيزِ أمن البلاد واستقرارها، فضلاً عن مشاركتها القواتِ العسكرية في قتالِ العدو عند الحاجة.
وأهمُّ ما ينبغي أن يتوافرَ في أي قوةٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ هو أن تُربَّى وفق منهجٍ ونظامٍ منظمٍ قائمٍ على عقيدةٍ واضحة، ومتوافقٍ مع متطلبات الدين وعقيدة الأمة وثقافتها، وأن تُغرس في أفرادها روحُ التضحيةِ والفداءِ في سبيلِ تحقيقِ هذه المبادئ، حتى لا ينظروا إلى أنفسهم بوصفهم إجراءَ أو مؤظفين يعملون لمجرد حصول الراتب، بل يعدّوا أنفسهم مجاهدين مستعدين دائماً للجندية والتضحية، ويؤدوان مسؤولياتهم بدافع خشية الله تعالى ورجاء ثوابه والخوف من عقابِه.
وهذا هو المعيار الذي اعتمده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام، إذ ربّى أصحابَه الكرام على هذه الروح، وأعدّهم للتضحية والفداء. وبهذه الروحِ والإعدادِ استطاعوا في مدةٍ وجيزةٍ إزالةَ الكفر والشرك من جزيرة العرب وما حولها، ووضعَ حدٍّ لهيمنة إحدى أعظم الإمبراطوريات المستبدة في ذلك العصر، وهي الإمبراطورية الفارسية.
وقد أثمرت هذه الروحُ وهذا النوع من التربية قيامَ دولةٍ إسلاميةٍ عظيمةٍ قويةٍ على أيدي الصحابة الكرام والتابعين لهم، امتدت حدودها من الصين والقوقاز إلى المغرب والأندلس، وامتَدَّت سيادتُها إلى المحيطِ الهندي والبحرِالأبيضِ المتوسط، بل إن كثيراً من الدول الكبرى كانت تسعى إلى نيل دعم الدولة الإسلامية حفاظاً على بقائها. وقد دفعت هذه الإنجازاتُ العظيمةُ التي لا يمكن إنكارها الدولَ الاستعماريةَ في العصرِ الحديثِ إلى السعي الدائم لمنع قيام نظامٍ إسلاميٍّ قويٍ، وجيشٍ مخلصٍ ونقي، والعمل على إخضاع جيوش البلدان الإسلامية لهيمنتها الفكرية والثقافية. ومن أهم المجالات التي أولتها الدول الاستعمارية عنايةً خاصةً خلال فترة احتلالها لأفغانستان قضيةُ إعداد وتدريب القوات الوطنية والأمنية والدفاعية الأفغانية، حيث سعت إلى تدريب الجيش الأفغاني وسائر القوات المسلحة وفق معاييرها وتوجهاتها، لتوظيفها في تنفيذ مخططاتها وتحقيق أهدافها داخل البلاد. وفي الواقع، كانت قوات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الأفغانية تحمل الجنسية الأفغانية من الناحية الشكلية، إلا أنها من حيث الأداء والغايات والأهداف كانت تنفذ تعليمات المستعمرين وتحقق رغباتهم بصورة شبه كاملة. ومع ذلك، فقد كان بين أفراد الجيش والشرطة الأفغانية من خُدعوا على أيدي بعضِ الضباطِ والقادة الكبار، حيث استُغلَّت مشاعرهم الوطنية، وأُقنعوا بشعاراتٍ مثل الدفاع عن الأرض والوطن، والتضحية في سبيلهما، فدُفعوا إلى التعاون مع المستعمرين وقوات الاحتلال. وقد قُتل عددٌ كبير منهم خلال سنوات احتلال أفغانستان. ولعلَّ أكثرَ الفئات استحقاقًا للشفقة من بين أعوانِ قواتِ الاحتلالِ كانوا هؤلاء الجنودُ من ذوي الرتبِ الدنيا؛ إذ كانوا قد استُؤجروا مقابل رواتب زهيدة، واستُغِلُّوا تحت شعاراتٍ مثل الدفاع عن الوطن وما شابهها من العبارات التي لا حقيقة لها، ثم كانوا يُقتلون في نقاط التفتيش وساحات القتال، بينما كان قادتهم وكبار مسؤوليهم ينعمون بالترفِ والرفاهيةِ، ويتقاضون الرواتب والمخصصات الضخمة.
ومن أهمِّ الظواهرِ التي شهدتها القوات العسكرية التابعة للدولة الأفغانية، والمدعومة من الدول الاستعمارية، ما يأتي:
1- انعدامُ الشفافية في بيان العدد الحقيقي لأفراد القوات العسكرية، ووجودُ أعدادٍ كبيرةٍ من الجنودِ الوهميين.
2- ضياعُ جزءٍ كبيرٍ من الميزانيات التي خصصتها الدول الداعمة للاحتلالِ والاستعمارِ بسبب وجود الجنود والقادة الوهميين.
3- تأجیرُ الشبابِ وتشكيلُ المليشيات من أشخاص لا يملكون أي خبرة عسكرية؛ وذلك لأن القوات العسكرية كانت قد فقدت سمعتها، فلم يكن كثير من الناس يرغبون في الالت
حاق بها.
4- ضعفُ الإيمانِ والعقيدةِ الصحيحةِ بين أفراد القوات العسكرية والأمنية، وما ترتب على ذلك من هزائم متكررة؛ فقد كانت قوات الجيش والدفاع التابعة للحكومة العميلة بعيدةً كلَّ البعد عن تعاليم الإسلام وعقيدته، ولم تكن على درايةٍ كافيةٍ بتاريخ الإسلام ونظامه السياسي. أما القلة التي كانت تدرك حقيقة العقيدة الإسلامية ووجوب معاداةِ الكفارِ والمستعمرين فقد تركت صفوف الجيش، بل كان من بين الجنود شبابٌ مؤمنون أقدموا على قتل بعض جنود الاحتلال.
5- التعاملُ مع الناسِ بروحٍ فرديةٍ ومزاجيةٍ وشخصيةٍ وحزبية، مما أدى إلى إثارة النزاعات.
6- تقسيمُ البلادِ إلى مجموعاتٍ عسكريةٍ متعددةٍ، بحيث أصبح لكلِ زعيمٍ حزبي أو فئوي جيشُه وقواتُه الخاصة ذات الطابع الحزبي ، حتى إن كثيرًا من الزعماء القبليين والجهاديين كانت لديهم تشكيلاتٌ مسلحة مسؤولة أو غير مسؤولة، لا ترى نفسها ملزمة بأي قانون.
7- انتشار الفسادِ الإداري والرشوةِ داخلِ القوات العسكرية، مع غياب أي معالجة جادة لهذه الظاهرة من قبل السلطة المركزية.
8- تعرضُ الشرطيات العاملات في صفوفِ الجيشِ والشرطة التابعة للحكومة العميلة للإنتهاک والاعتداء الجنسي؛ حيث أفادت كثيرٌ منهن أنهن تعرضن للإيذاء الجنسي الجسدي واللفظي والنفسي من قبل رؤسائهن ومسؤوليهن، إلا أنهن التزمن الصمت خوفًا من فقدان وظائفهن ورواتبهن. وقد أظهرت دراسة أُجريت من خلال استبيانات مكتوبة ومقابلات مباشرة مع (115) امرأةً عسكريةً في كابول وبدخشان وهرات وقندوز، أن نصف المشاركات ذكرن أنهن تعرضن مرارًا للتحرش الجنسي المباشر من زملائهن ورؤسائهن.
9- تولي المدربين والقوات التابعة للدول الاستعمارية تدريبَ جنود وشرطة الحكومة السابقة، وما نتج عن ذلك من تغييرٍ في أفكارهم ومعتقداتهم الإسلامية؛ حتى إن جنود الاحتلال كانوا كثيرًا ما يدخلون في اشتباكات مع الجنود الأفغان الذين كانوا يعترضون على إساءاتهم وتطاولهم.
10- انتشارُ الفسادِ الأخلاقي بين أفراد القوات العسكرية الذكور، وجرِّ الأطفال والقُصَّر إلى الثكنات والمراكزِ العسكريةِ واستغلالهم جنسيًا بصورة غير مشروعة؛ حتى بلغ الأمر حدًّا دفع المجتمع الدولي، بل والدول الاستعمارية نفسها، إلى مطالبةِ الحكومةِ العميلة بالتحقيق في هذه الظاهرة.
11- غيابُ الالتزامِ والصدقِ والنزاهةِ والأمانةِ والتقوى والإخلاص في أداء الواجب بين أفرادِ القواتِ العسكرية، وانتشارُ مختلف مظاهر الفساد بينهم، وهو أمرٌ أدركه كلُّ من تعامل مع جنود الحكومة التابعة للاستعمار. ويُعزى ذلك في المقام الأول إلى أن تشكيلَ هذا الجيشُ المرتزق كان قائمًا على الفكر الاستعماريِّ، وإلى نهبِ ثروات البلاد وإمكاناتها على أيدي العملاء التابعين للدول المحتلة.
یتبع…

