
الكاتب: المفتي محمد كُل (سعید)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم الثاني العشر)
وقال الإمام عيسى بن يونس (المتوفی سنة 264هـ) «لا تتكلموا في أبي حنيفة رحمه الله بسوء، ولا تُصدِّقنَّ أحدًا يُسيء القول فيه؛ فوالله ما رأيتُ أفضل منه، ولا أورع منه، ولا أفقه منه»
وقال الإمام ابن عبد البر: «قد أثنى عليه قومٌ كثيرٌ لفهمه ويقظته وحسن قياسه وورعه ومجانبته السلاطين» قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله:«ما مقلتْ عيني مثلَ أبي حنيفة»، ومعناه: لم ترَ عيني أحدًا يماثل أبا حنيفة في فضله وعلمه. وقال إمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان
رحمه الله:«إنه واللهِ لأعلمُ هذه الأمة بما جاء عن الله ورسوله»، ومعناه: أنه كان من أعلم الناس بما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلی الله علیه وسلم. وقال شيخ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، الإمام يحيى بن معين رحمه الله:«عدلٌ، ثقةٌ، ما ظنُّك بمن عدَّله عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح؟» ومعناه: أن أبا حنيفة رجلٌ عدلٌ ثقةٌ، وقد شهد له بالإمامة والعدالة والثقة كبارُ أئمة العلم، ومنهم عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح، وهما من أعلام المحدثين والفقهاء. يقول المؤرخ الشيخ محمد بن يوسف الصالحي في كتابه المقبول والجامع «عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» في بيان مقام ومنزلة الإمام الأعظم رحمه الله ما يلي: «اعلم رحمك الله أنّ الإمام أبا حنيفة رحمه الله من كبار حفّاظ الحديث، وقد تقدّم أنّه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين وغيرهم، وذكره الحافظ الناقد أبو عبد الله الذهبي في كتابه الممتع “طبقات الحفّاظ من المحدّثين”، وقد أصاب وأجاد، ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيّأ له استنباط مسائل الفقه، فإنّه أوّل من استنبطه من الأدلّة». قال العلامة ابن خلكان رحمه الله في «وفيات الأعيان»: «أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه الفقيه الكوفي، مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات؛ كان خزازًا يبيع الخز، وجده زوطي من أهل كابل،[1] وقيل بابل، وقيل من أهل الأنبار، وقيل من أهل نسا، وقيل من أهل ترمذ، وهو الذي مسه الرق فأعتق، وولد ثابت على الإسلام، وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس من الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لعلي فينا، والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب الفالوذج في المهرجان النيروز».[2]
كان الإمام الأعظم رحمه الله يتاجر الأقمشة الحريرية، وكان مركز تجارته في الكوفة، إلا أن فروع عمله كانت منتشرة في مدن متعددة، وقد شُيِّدت مدينة الكوفة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأمره، واستوطنها عدد كبير من الصحابة الكرام، ومنهم عمرو بن حُرَيْث رضي الله عنه، الذي قدم إلى الكوفة وبنى داراً بجوار المسجد، وكانت تلك الدار كبيرةً مشهورة. وكان في ذلك السوق (أو الدار) متجرُ الإمام أبي حنيفة رحمه الله ومصنعُه لنسج الحرير. وقد ذكر الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» أن تجار الأقمشة الحريرية ومحالَّهم التجارية كانوا مشهورين في دار عمرو بن حُرَيْث، ويبدو أن تلك الدار كانت مخصصةً لصناعة وبيع الحرير. كما أشار الإمام اليافعي رحمه الله إلى مصنع الإمام أبي حنيفة ونسجه للحرير، فقال إن له داراً كبيرةً لعمل الخز، وأن عنده عمّالاً ينسجون الخزَّ (وهو نوع من الأقمشة). وذكر ابن خِشْنام رحمه الله أن الإمام أبا حنيفة كان خَزّازاً، وكان دقيقاً متقناً في البيع والشراء، يتحرّى الجودة ويُحسن النظر في تفاصيل التجارة. وكان إذا سُئل في الكوفة عن نوعٍ جيدٍ أو مميزٍ من الأقمشة، يُوجَّه السائل إلى متجر الإمام أبي حنيفة رحمه الله، مما يدل على مكانته في هذا المجال. ويبدو أن متجره كان يشبه الأسواق الكبرى في زماننا، حيث كانت الأسعار محددةً بوضوح، ولم يكن يضيع وقته في المساومات الطويلة، بل كان يراعي مصلحة الناس أكثر من سعيه للربح الشخصي. وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله ينفق جزءًا كبيرًا من ماله على العلماء وعلى أعمال البر والإحسان، قال سفيان بن عيينة رحمه الله: كان أبو حنيفة كثير الصدقة، فما كان يصل إليه من الربح كان ينفقه على الناس، حتى كان يبعث إليَّ بهدايا كثيرة فأتعجب من كثرتها، فشكوت ذلك إلى بعض أصحابه، فقالوا: لو رأيت ما كان يبعث به إلى سعيد بن أبي عَرُوبة لَعجبت أكثر. وخلاصة ذلك أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لم يترك أحدًا إلا وأحسن إليه، وبذل الخير في وجوه متعددة من البر والإحسان. يُقال إن الإمام الأعظم أبا حنيفة رحمه الله كان له شركة بين بغداد والكوفة، وكان يُدير من خلالها تجارة برأس مالٍ معين، وكانت أرباح تلك التجارة ومنافعها تُوزَّع على علماء الكوفة والمحدّثين والفقهاء، حتى يقضوا حوائجهم ويستغنوا بها عن سؤال الناس.
وخلاصة القول: إن الإمام الأعظم أبا حنیفة رحمه الله كان ذو أخلاق عالية وفضائل رفيعة، وإن مناقبه وصفاته وشمائله وكراماته، وكذلك سيرته السياسية، وتعاملُه مع عامة الناس، وإحسانه إلى العلماء وسائر الناس، إضافةً إلى براعته العقلية ومنطقه السليم وحُسن استدلاله وبصيرته في التجارة والتعاملات، كل ذلك مما لا يمكن حصره في هذه الصفحات القليلة. وقد ذكرنا هنا القليل من الكثير، وللمزيد من المعلومات يُرجَع إلى الكتب التي كُتبت في سيرة الإمام الأعظم أبي حنیفة رحمه الله، وهي كثيرة جدًا، وقد ذُكرت في نهاية هذه السيرة أسماءُ بعض تلك الكتب. تذكر كتب السِّيَر والسوانح أنه كان إذا أشكلت على الإمام أبي حنيفة رحمه الله مسألةٌ ما، قال لأصحابه: إن هذا الإشكال بسبب ذنبٍ من ذنوبي، فيستغفر الله تعالى ويكثر من قول: «أستغفر الله»، ثم إذا قام إلى الصلاة انحلّت المسألة، فيقول: كأن الله تعالى قد غفر لي ذنبي!
ولما بلغ هذا الفعلَ إلى الإمام الزاهد العارف في زمانه، فضيلِ بنِ عياضٍ رحمه الله، بكى بكاءً شديدًا وقال: إن ذنوب هذا الرجل قليلة.[3]
يتبع…
[1] في كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» (1/ 195) ورد ما يلي: «وكابل من مدن الهند المجاورة لبلاد طخارستان، وهي مدينة جليلة المقدار حسنة البنية، وبجبالها عود جيد، وبها النارجيل والإهليلج الكابلي».
[2] وفيات الأعيان» (5/ 405)
[3] طبقات الحنفية لعلي القاري (2/487)، نقلاً عن رسالة المسترشدين.