
الكاتب: مفتي محمد كُل (سعید)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم العاشر)
مكانة الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الفقه
قال وكيع بن الجراح: «في جميع من لقيتُ من الناس، كان الإمام الأعظم رحمه الله هو أفقههم وأحسنهم صلاةً». وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «من أراد أن يتفقه في الفقه فليلزم الإمام أبا حنيفة رحمه الله وأصحابه، فإن الناس كلهم عيالٌ في الفقه على الإمام أبي حنيفة رحمه الله»، ومن لا ينظر في كتب الإمام أبي حنيفة رحمه الله لا يستطيع أن يفهم الفقه ولا أن يبلغ الكمال فيه.[1] قال يزيد بن هارون: إن الفقه إنما هو عمل الإمام الأعظم رحمه الله وعمل تلاميذه، وكأنهم خُلقوا له.[2] وقال نضر بن شميل رحمه الله: كان الناس نائمين عن الفقه، فأنبأهم الإمام الأعظم أبوحنیفة رحمه الله وأيقظهم، وفتح لهم الفقه وبيّنه. وقال عبد الله بن أبي جعفر الرازي: سمعتُ أبي يقول: ما رأيتُ في الفقه والتقوى أحدًا أعلم من الإمام الأعظم رحمه الله.[3] وقال جرير رحمه الله: كان إذا سُئل الأعمش عن المسائل الدقيقة أحالها إلى الإمام الأعظم رحمه الله. وقال جعفر بن ربيع رحمه الله: أقمتُ مع الإمام الأعظم رحمه الله خمس سنين، فما رأيتُ أحدًا أكثر صمتًا منه، فإذا سُئل تكلّم، كأنه نهرٌ جارٍ في بيانه.[4] قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: إذا كان الحديث معروفًا وتحتاج المسألة إلى الرأي، فإن رأي الإمام مالك رحمه الله، وسفيان الثوري رحمه الله، وأبي حنيفة رحمه الله هو الأحسن، غير أن أبا حنيفة أدقُّهم نظرًا وأعظمهم فقهًا. وقال أبو مطيع البلخي رحمه الله: كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يحدّث فقال: ذهبتُ إلى أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، فسألني: ممَّن أخذتَ العلم؟ فقلتُ: أخذتُ العلم من حماد، وهو من إبراهيم النخعي رحمه الله، وإبراهيم النخعي أخذه عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم. فقال لي أمير المؤمنين: واهًا واهًا! لقد أخذتَ عن شيوخ مباركين طاهرين، فقد أحكمتَ علمك وأتقنته.[5]
أصول مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله
نشأ مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الكوفة، وقد وُضعت أصول المذهب الحنفي على يديه وزُيّنت، كما يقول في منهجه: إنني أستنبط المسائل من كتاب الله تعالى، فإن لم أجدها في القرآن رجعتُ إلى الأحاديث النبوية، فإن لم أجد فيها أيضًا رجعتُ إلى أقوال الصحابة، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، اجتهدتُ كما اجتهدوا. وهذه في الحقيقة هي الأصول التي يتبعها سائر الأئمة أيضًا، إذ يرجعون أولًا إلى كتاب الله تعالى، ثم إلى الأحاديث النبوية الشريفة.
انتشار المذهب الحنفي
انتشر مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله في مختلف البلاد، حتى صار يتبعه نحو سبعين في المائة من المسلمين في العالم، وكان للإمام أبي يوسف رحمه الله دورٌ كبير في نشر هذا المذهب، إذ تولّى منصب قاضي القضاة في الدولة العباسية، وفي تلك الدولة كان المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي. كما اعتمدته رسميًا دولٌ مثل السلاجقة، والغزنويين، والدولة العثمانية وغيرها من الحكومات، ويُوجد أغلب أتباع هذا المذهب في العراق، ومصر، والشام، واليمن، وأفغانستان، ودول آسيا الوسطى، والهند، وباكستان، والصين وغيرها. ويُعد الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله إمام الأئمة، وأول مجتهد في الأمة الإسلامية من بين الأئمة الأربعة، كما أن المذهب الحنفي هو المذهب الوحيد الذي طُبِّقت أحكامه في جميع أرجاء الأمة الإسلامية خلال الدولة العثمانية لمدة تقارب ستمائة عام، وكذلك كان المذهب الرسمي في الدولة المغولية، ولذلك فاق أتباعه أتباع المذاهب الثلاثة الأخرى من حيث العدد. وقد كتبت اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية في هذا الشأن: «ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله قد يكون أكثر المذاهب انتشارًا بين المسلمين، ولعل من أسباب ذلك تبنّي الخلفاء العثمانيين لهذا المذهب، وقد حكموا البلاد الإسلامية أكثر من ستة قرون، ولا یعني ذلك أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله هو أصح المذاهب أو أن کل ما فیه من اجتهادات فهو صواب.[6] الإمامُ الأعظم أبوحنیفة رحمه الله، خلالَ ثلاثين سنة، إلى جانب تربيته لأكثر من ثمانیمائة تلميذٍ، صار كلّ واحدٍ منهم لاحقًا إمامًا في الفقه ومجتهدًا، قد أجاب في تلك السنوات عن ثلاثةٍ وثمانين ألف مسألةٍ شرعية، ثم جُمعت في حياة الإمام الأعظم تحت عناوين مختلفة، فكانت أساسًا للفقه الحنفي والقانون الإسلامي. وقد دوّن الإمام الأعظم رحمه الله آلاف المسائل، واختلف في عددها، غير أن أقل ما رُوي منها ثلاثة وثمانون ألف مسألة (83,000)، منها ثمانية وثلاثون ألفًا (38,000) تتعلق بالعبادات، والباقي يتعلق بالمعاملات.
التلاميذ المشهورون للإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله
كان للإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله عددٌ كبيرٌ من التلاميذ، وقد قام بتعليم الفقه والحديث لآلاف الطلاب، وقد ذكر محمد بن يوسف الصالحي الشافعي في الصفحة (183) من كتاب عقود الجمان أن الإمام الأعظم رحمه الله قد حظي بتلاميذ لم يحظَ بمثلهم غيره من الأئمة. كما ذكر الصالحي الشافعي في الباب الخامس من كتابه أن بعض تلاميذ الإمام الأعظم رحمه الله الذين تلقَّوا عنه علوم الحديث والفقه كانوا من أهل مكة المكرمة، والمدينة المنورة، ودمشق، والبصرة، ومنطقة الجزيرة. وقد أورد الصالحي الشافعي في كتابه أسماء ثمانیمائة (800) تلميذ من تلاميذ الإمام الأعظم رحمه الله. ذكر الملا علي بن سلطان محمد القاري، المعروف بالملا علي القاري رحمه الله، في كتابه مناقب الإمام الأعظم أسماء ما يقارب خمسمائة (500) من تلاميذ الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله، وبيَّن أنه استخلص هذه الأسماء باختصار من كتاب مناقب الكردري، ثم أضاف أن هؤلاء التلاميذ الذين أمكن حصر أسمائهم يبلغ عددهم سبعمائة وثلاثين (730) تلميذًا، وكانوا من كبار علماء عصرهم، وقد تلقَّوا علوم الدين عن الإمام الأعظم أبي رحمه الله، ثم نقلوها إلى الأجيال اللاحقة حتى وصلت إلينا.
ومن أشهر هؤلاء التلاميذ:
الإمام أبو يوسف رحمه الله، والحسن بن زياد رحمه الله، والضحاك بن مخلد رحمه الله، وأبو عاصم النبيل رحمه الله ـ وهو من أشهر شيوخ الإمام البخاري، وقد روى عنه كثيرًا من الأحاديث الثلاثية ـ، والإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله، والمحدِّث الكبير بخراسان إبراهيم بن طهمان رحمه الله، وأبيض بن الأغر بن الصباح المنقري رحمه الله، وأسباط بن محمد رحمه الله، وإسحاق الأزرق رحمه الله، وأسد بن عمرو البجلي رحمه الله، وإسماعيل بن يحيى الصيرفي رحمه الله، وأيوب بن هانئ رحمه الله، والجارود بن يزيد النيسابوري رحمه الله، وجعفر بن عون رحمه الله، والحارث بن نبهان رحمه الله، وحيان بن علي العنزي رحمه الله، والحسن بن زياد اللؤلؤي رحمه الله، والحسن بن فرات القزاز رحمه الله، والحسين بن الحسن بن عطية العوفي رحمه الله، وحفص بن عبد الرحمن القاضي رحمه الله، وحكّام بن سلم رحمه الله، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي رحمه الله، وحماد بن أبي حنيفة رحمه الله ـ وهو ابن الإمام أبي حنيفة ـ، وحمزة الزيات رحمه الله، وخارجة بن مصعب رحمه الله، وداود الطائي رحمه الله، والإمام زفر بن الهذيل التميمي الفقيه رحمه الله، وزيد بن الحباب رحمه الله، وسابق الرقي رحمه الله، وسعد بن الصلت القاضي رحمه الله، وسعيد بن أبي الجهم القابوسي رحمه الله، وسعيد بن سلام العطار رحمه الله، وسلم بن سالم البلخي رحمه الله، وسليمان بن عمرو النخعي رحمه الله، وسهل بن مزاحم رحمه الله، وشعيب بن إسحاق الدمشقي رحمه الله، وصباح بن محارب رحمه الله، وصلت بن الحجاج رحمه الله، وعامر بن الفرات رحمه الله، وعائذ بن حبيب رحمه الله، وعباد بن العوام رحمه الله، وعبد الله بن المبارك رحمه الله،[7] عبد الله بن يزيد المقرئ رحمه الله، وأبو يحيى عبد الحميد الحماني رحمه الله، وعبد الرزاق رحمه الله، وعبد العزيز بن خالد الترمذي رحمه الله، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني رحمه الله، وعبد المجيد بن أبي رواد رحمه الله، وعبد الوارث التنوري رحمه الله، وعبيد الله بن الزبير القرشي رحمه الله، وعبيد الله بن عمرو الرقي رحمه الله، وعبيد الله بن موسى رحمه الله، وعتاب بن محمد رحمه الله، وعلي بن ظبيان القاضي رحمه الله، وعلي بن عاصم رحمه الله، وعلي بن مسهر القاضي رحمه الله، وعمرو بن محمد العنقزي رحمه الله، وأبو قطن عمرو بن الهيثم رحمه الله، وعيسى بن يونس رحمه الله، وأبو نعيم رحمه الله، وفضل بن موسى رحمه الله، وقاسم بن الحكم العرني رحمه الله، وقاسم بن معن رحمه الله، وقيس بن الربيع رحمه الله، ومحمد بن أبان العنبري الكوفي رحمه الله، ومحمد بن بشر رحمه الله، ومحمد بن الحسن بن أتش رحمه الله، ومحمد بن خالد الوهبي رحمه الله، ومحمد بن عبد الله الأنصاري رحمه الله، ومحمد بن الفضل بن عطية رحمه الله، ومحمد بن القاسم الأسدي رحمه الله، ومحمد بن مسروق الكوفي رحمه الله، ومحمد بن يزيد الواسطي رحمه الله، ومروان بن سالم رحمه الله، ومصعب بن المقدام رحمه الله، ومعافى بن عمران رحمه الله، ومكي بن إبراهيم رحمه الله، وهو من شيوخ الإمام البخاري، ونصر بن عبد الكريم البلخي الصيقل رحمه الله، ونصر بن عبد الملك العتكي رحمه الله، وأبو غالب النضر بن عبد الله الأزدي رحمه الله، ونضر بن محمد المروزي رحمه الله، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني رحمه الله، ونوح بن دراج القاضي رحمه الله، ونوح بن أبي مريم الجامع رحمه الله، وهشيم رحمه الله، وهوذة رحمه الله، وهياج بن بسطام الهروي رحمه الله، ووكيع رحمه الله، ويحيى بن أيوب المصري رحمه الله، ويحيى بن نصر بن حاجب رحمه الله، ويحيى بن يمان رحمه الله، ويزيد بن زريع رحمه الله، ويونس بن بكير رحمه الله، وأبو إسحاق الفزاري رحمه الله، وأبو حمزة السكري رحمه الله، وأبو سعد الصاغاني رحمه الله، وأبو شهاب الحناط رحمه الله، وأبو مقاتل السمرقندي رحمه الله، رحمهم الله تعالى جميعًا، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
يتبع…
[1] تاريخ بغداد،(ج 13 ص 347)
[2] نفس المصدر
[3] تاريخ بغداد،(ج 13 ص 347)
[4] نفس المصدر
[5] تاريخ بغداد،(ج 13 ص343)
[6] فتاوى اللجنة الدائمة 5/56
[7] كان أبو عبد الرحمن عبدُ الله، المشهورُ بـ ابن المبارك المروزي، يُعَدُّ من كبار المحدِّثين وأشهر العلماء في عصره. كما كان مؤلِّفَ كتاب الزهد والرقائق، وهو من كتب الحديث المعروفة. وقد تُوفِّي سنة 181هـ عن عمرٍ ناهز ثلاثةً وستين عامًا.