المسانيد الحديثية للإمام أبي حنيفة رحمه الله (تتمة)
ثانيًا: جامِعو هذه المسانيد والتعريف بهم
هذه هي المسانيد التي رُويت عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، غير أنها اشتهرت بأسماء جامعيها ورُواتها، وبناءً على ذلك، فمن الضروري التعريف ببعض جامعي هذه المسانيد ورُواتها، وبيان نبذة عن حياتهم وسيرتهم.
1- جامع المسند الأول
جامع هذا المسند هو عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثي البخاري الفقيه، المشهور بالأستاذ، وقد روى عنه أبو عبد الله بن منده.
وقال الخليلي: كان ماهرًا جدًا في هذا الفن، وكان يُعرف بالأستاذ، وله تصانيف كثيرة، وقد جمع أيضًا مسند الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وروى عن عبيد الله بن واصل، ومحمد بن علي الصائغ، وعبد الصمد بن الفضل البلخي.
وقال بعض العلماء: كان فقيهًا وشيخًا حنفيًا، أقام في بلاد ما وراء النهر، وكان محدّثًا ورائدًا في الفقه، وله مؤلفات وتصانيف، وقد بلغ من العمر اثنتين وثمانين سنة، وتوفي سنة 340هـ.[1]
2- جامع المسند الثاني
هو طلحة بن محمد بن جعفر المعدّل الشاهد البغدادي، وكان مشهورًا في زمن الدارقطني، وكان صاحب سماع صحيح، ومن أصحاب ابن مجاهد.
روى الحديث عن البغوي، وأبي صخرة الكابُتي، وعمر بن أبي غيلان، وتوفي سنة 380هـ.
وقد ضعّفه العقيلي وابن أبي حاتم؛ لأنه كان يميل إلى الاعتزال، وروى عنه أبو العلاء الواسطي، وعبد الله الأزهري، والحسين بن محمد الخلّال، وأبو القاسم التنوخي، وأبو محمد الجوهري، وغيرهم.
كما أن بعض تلاميذه ضعّفوه بسبب ميله إلى الاعتزال، ويبدو أنه كان بالفعل يميل إلى الاعتزال، غير أن القول بأنه كان يدعو إلى الاعتزال لا يبدو مقبولًا؛ لأن الاعتزال في عصره كان وسيلة للصراع، وكان الناس يُسجنون ويتعرضون للمضايقات بسبب انتسابهم إليه، ولا سيما في الفترة التي انتشر فيها المذهب الحنبلي في بغداد، وتقرب أئمته إلى الوزراء وأصحاب السلطة، فكانوا يقبضون على كل من اشتهر، ولو قليلًا، بالاعتزال.
وقد عاش طلحة بن محمد تسعين سنة، وتوفي في بغداد.[2]
3- جامع المسند الثالث
هو أبو الحسن محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد البغدادي، روى عن حامد بن شعيب البلخي، وأبي بكر الباغندي، والقاسم بن كُريا المَطرِّز، وروى عنه أبو حفص بن شاهين، والدارقطني، والبرقاني، وابن أبي الفوارس، وغيرهم.
قال الذهبي: «كان حافظًا ومحدّث العراق».
وقال الخطيب: «كان حافظًا، صادقًا، عالمًا، كثير الرواية».
وقال البرقاني: إن الدارقطني كتب عنه آلاف الأحاديث، وكان يعظّمه ويكرمه كثيرًا، وكان يقول فيه: «إنه مأمون ثقة».
وقال أبو نعيم: «حافظ مأمون».
وقال الباجي، «كان حافظًا، إلا أن فيه تشيعًا ظاهرًا»، وتوفي سنة 379هـ.
4- جامع المسند الرابع
هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، أبو نعيم الأصفهاني الصوفي الأحوال.
قال الذهبي: كان قد أجازه جميع مشايخ العالم، ومنهم: عبد الله بن عمر بن شوذب من واسط، وأبو العباس الأصم من نيسابور، وخيثمة بن سليمان الطرابلسي من الشام، وجعفر الخُلدي من بغداد.
وقد رحل كثير من الحفّاظ إلى بابه؛ لما كان عليه من العلم والحفظ، ولعلوّ إسناده.
وروى عنه الخطيب، وأبو صالح المؤذن، وأبو علي الوخشِي، وأبو بكر محمد بن إبراهيم العطار.
وقالوا: «لم يكن في أقطار العالم كلها من هو أكثر حفظًا منه، ولا أعلى إسنادًا منه».
وبسبب علوّ إسناده، ظلّ أربعة عشر عامًا بلا نظير في المشرق والمغرب، وكل من ترجم له وعرّف به ذكر فضله ومكانته، وأثنى على كتابه «حلية الأولياء».
هو محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري الخزرجي.
قال الإمام الذهبي: كان شيخًا، وإمامًا، وعالمًا، ومتخصصًا في علم الفرائض، وعادلًا، ومسندَ عصره، وقاضيًا مشهورًا، سمع الحديث من أبيه ومن الخطيب، كما أجازه أبو القاسم التنوخي، وأبو الفتح بن شيطا، وقاضي القضاة عبد الله بن سلامة في رواية الأحاديث.
وروى عنه السمعاني، وابن عساكر، وابن الجوزي، وعبد الله بن مسلم بن جوالقي.
ونقل الذهبي عن ابن عساكر أنه ضعّفه، لكنه نقل عن ابن الجوزي أنه قال: «كان ثقة، ثبتًا، عالمًا، حجة، ماهرًا ومتخصصًا في علم الفرائض».
وقال السمعاني: «ما رأيت أحدًا جمع من العلوم مثل ما جمعه، وكان متبحرًا في علم الفرائض وعلم الحساب».
وفي إحدى رحلاته أسره الروم، وقيدوه ووضعوا في يديه الأغلال، وطلبوا منه أن ينطق بكلمة الكفر، لكنه لم يستجب لهم، وتعلّم منهم الكتابة باللغة الرومية، وقد تجاوز عمره تسعين سنة، ومع ذلك لم يطرأ أي تغيّر على حواسه أو قدراته العقلية.
وقد رُوي عنه أنه حدّث بـصحيح البخاري ومسند أبي حنيفة وغيرهما من الكتب.
هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد الجرجاني، أبو أحمد، الإمام الحافظ الكبير والناقد الخبير، وُلد في شهر ذي القعدة سنة 277هـ، ونشأ في جرجان، وفي سنة 290هـ كتب الحديث في جرجان عن أحمد بن حفص السعدي، ثم رحل إلى بلدان أخرى، فسافر إلى الشام ومصر وغيرهما لطلب العلم، وسمع الحديث من كبار العلماء وشيوخهم.
وروى عن عبد الرحمن بن القاسم الرزواسي، وبهلول بن إسحاق الأنباري، ومحمد بن يحيى المروزي، وأبي خليفة الجمحي، والحسن بن سفيان، وغيرهم.
وروى عنه أبو العباس بن عقدة، وأبو سعد الماليني، والحسن بن رامين، وحمزة السهمي.
وقد بالغ حمزة السهمي في الثناء عليه، فقال: «لم يكن في زمانه مثله».
وأثنى الدارقطني كثيرًا على كتابه «الكامل في ضعفاء الرجال»، وقال: «يكفي هذا الكتاب، ولا ينبغي أن يُزاد عليه».
وقال ابن عساكر: «ثقة»، وقال الذهبي: «كان لا نظير له في معرفة العلل والرجال».
وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء، وظلّ محل تقدير وإشادة بينهم، وتوفي رحمه الله في شهر جمادى الآخرة سنة 365هـ.[5]
7- جامع المسند السابع
جامع هذا المسند هو الحسن بن زياد اللؤلؤي، وقد سبق التعريف به ضمن الكلام عن تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
8- جامع المسند الثامن
جامع هذا المسند هو عمر بن الحسن بن علي بن مالك بن أشرس بن عبد الله بن متجاب البغدادي، المشهور بابن الأشناني.
قال السمعاني: كان صاحب حديث حسنٍ صحيح، وقد سمع الحديث من عدد كبير من الناس.
وسمع الحديث من أبيه، ومحمد بن عيسى بن حبان المدائني، وموسى بن سهل الوشّاء، وأبي بكر بن أبي الدنيا، وغيرهم.
وروى عنه أبو العباس بن عقدة الحافظ، وأبو عمرو بن السماك، ومحمد بن المظفر، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين.
وقد تولّى القضاء في بعض مدن الشام، كما تولّى القضاء في بغداد.
جامع هذا المسند هو القاضي أبو يوسف، وقد سبقت ترجمته والتعريف به ضمن تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
12- جامع المسند الثاني عشر:
جامع هذا المسند هو محمد بن الحسن الشيباني، وهو من أشهر تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ومن أبرز من جمع ودوَّن الفقه الحنفي.
13- جامع المسند الثالث عشر:
جامع هذا المسند هو حمّاد بن أبي حنيفة، وهو الابن الوحيد للإمام أبي حنيفة رحمه الله، إذ لم يكن له ابنٌ آخر غيره.
قال الصفدي: كان حمّاد رجلًا صالحًا ومن أهل الخير، فلما توفي أبوه، كانت قد أُودِعَت عند حمّاد أموالٌ كثيرةٌ من الذهب والفضة، وكان أصحابها غائبين، وكان من بينها أموال أيتام، فأخذ حمّاد تلك الأموال كلها وذهب بها إلى القاضي.
فقال له القاضي: «لا نأخذها منك، ولا نُخرجها منك؛ فأنت أهلٌ لحفظها، وهذا مكانها».
فقال له حمّاد: «فزِنْها أنت، واقبضها، حتى تبرأ ذمّة أبي، ثم اصنع بها ما شئت».
ففعل القاضي ذلك، وظلَّ أيامًا يزن تلك الأموال ويثبت مقاديرها، فلما فرغ من وزنها جميعًا، اختفى حمّاد ولم يظهر، فلما سلَّم القاضي تلك الأموال إلى شخصٍ آخر، ظهر حمّاد من جديد.[9]
14- جامع المسند الرابع عشر:
جامع هذا المسند هو أيضًا محمد بن الحسن الشيباني، وهو روايته الثانية.
15- جامع المسند الخامس عشر:
جامع هذا المسند هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن العوام السعدي، ولم تذكر كتب التراجم معلومات أخرى عن هذا الشخص.
[5] تاريخ جرجان للسهمي، لأبي القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي الجرجاني الحافظ، الطبعة الثانية، دار عالم الكتب، بيروت، 1401هـ، ص. 226، رقم 443؛ تذكرة الحفاظ للذهبي 3/940؛ شذرات الذهب لابن العماد 2/51.