لم يكن القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – فقيهًا وعالمًا بالعلوم الشرعية فحسب، بل كانت له أيضًا مكانة معروفة في ميدان التصوف والسلوك. فقد بايع غلام قيوم المجددي – رحمه الله -، شيخ خانقاه الطريقة النقشبندية المجددية في منطقة شوربازار بكابول. وبأمر من شيخه، كان يقيم في خانقاه شوربازار خلال السنوات التي كان يزاول فيها مهامه العلمية والإدارية في كابول، وكان أبناء غلام قيوم المجددي أيضًا من تلاميذه. وبعد وفاة غلام قيوم المجددي، جدّد القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – بيعته لابنه الأكبر، شمس المشايخ فضل محمد المجددي، ثم جدّدها بعد وفاته لنور المشايخ فضل عمر المجددي. وكان هذان الشخصان في الحقيقة من جملة تلاميذ القاضي – رحمه الله – في العلوم الشرعية. ومع ذلك، فإن هذا الأمر يدل على تواضعه العلمي وروحه الإصلاحية؛ إذ كان يستفيض من تلاميذه في الجانب الروحي.
ويذكر محمد صادق المجددي أن القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – كانت تربطه بالأسرة المجددية علاقة وثيقة، حتى قلّما حظي أحد من مريدي هذه الأسرة والمقرّبين منها بمثل ما حظي به من الثقة والاطمئنان. وفي المقابل، كان القاضي – رحمه الله – يُظهر تجاه حضرات المجددية غاية الإخلاص والمحبة والاحترام، ويعامل أبناءهم بالشفقة واللطف. وقد تجلّت مظاهر هذه العلاقة الودية بوضوح فيما بعد، خلال رحلته إلى بكتيّا، وفي تعامله مع معصوم المجددي، ابن فضيلةِ شمس المشايخ
المشاركة في الجهاد
في أوائل عهد سلطنة أمان الله خان، حين أُعلن الجهاد ضد الاستعمار البريطاني، تولّى سماحة شمس المشايخ فضل محمد المجددي و نور المشايخ فضل عمر المجددي – رحمهما الله – قيادة القوات الشعبية المجاهدة في المنطقة الجنوبية (بكتيّا). وكان القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – قد اعتزل منصب القضاء بعد تولّي أمان الله خان السلطنة، فانضم إلى هذين العَلَمين في رحلتهما الجهادية، وشارك فعليًّا في صفوف المجاهدين وأسهم في الأنشطة الجهادية
تولّيه المسؤوليات في حكومة أمان الله خان
سبق أن أشرنا إلى أن القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – اعتزل منصب القضاء في بداية عهد حكومة أمان الله خان. وكان يتخذ موقفًا نقديًّا من سياسات أمان الله خان، معتقدًا أن أفكاره وبرامجه لا تنمّ عن إرادة جادة للإصلاح. وكان يرى أن أمان الله خان لا يرغب في تطبيق الشريعة الإسلامية ونشرها، ولذلك لم يكن مستعدًّا للتعاون رسميًّا مع حكومته. غير أن الضغوط الحكومية اضطرّته لاحقًا إلى تولّي مسؤولية محكمة الاستئناف في كابول. كما تولّى مرةً رئاسة هيئة كُلّفت بفحص المحاكم وتفتيشها في المنطقة الغربية من البلاد. وكان يؤدي مهامه القضائية بمنتهى الأمانة والدقة، لكنه لم يكن يخفي في الوقت نفسه خلافه الفكري مع أمان الله خان. وكان القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – يصرّح بوضوح بأن أمان الله خان يسعى إلى زعزعة أركان الشريعة الإسلامية المقدسة، غافلًا عن أن الله تعالى هو المتكفّل بحفظ دينه.
وفي سنة 1342هـ، حين توجّه شيخه، فضيلة شمس المشايخ فضل محمد المجددي- رحمه الله – ، إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج، استأذن القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – أمان الله خان في السفر، وتوجّه إلى الحج للمرة الثانية. والتحق بشيخه في الحرمين الشريفين، وأدّى مناسك الحج إلى جانبه.
الإجراءات العلمانية لأمان الله خان وانتفاضة الملا عبد الله
بعد وصول أمان الله خان إلى السلطة، شرع في اتخاذ مجموعة من الإجراءات وتنفيذ برامج كانت، من جوانب عديدة، غير مسبوقة في تاريخ السياسة ونظام الحكم في أفغانستان. وقد جرت هذه التحولات في وقت كانت فيه عملية تغريب المجتمعات الإسلامية قد بدأت في عدد من البلدان المهمة في العالم الإسلامي، ومنها تركيا ومصر وإيران، تحت شعار «الحداثة والتقدم». ولم يكن أمان الله خان يريد أن يتخلّف عن هذا التيار. وفي واقع الأمر، كانت مقدمات هذا التحول الفكري قد تهيأت قبل وصوله إلى السلطة بعدة سنوات.
في سنة 1323هـ، عاد محمود طرزي من بلاد الشام، وجلب معه إلى أفغانستان أفكارًا وتصورات جديدة. وكانت بعض هذه الأفكار مفيدة، مثل السعي إلى تحقيق الاستقلال السياسي الكامل عن بريطانيا، وضرورة وضع القوانين للدولة، ونشر العلوم المعاصرة، وتشجيع الناس على بذل الجهد والانضباط في مختلف مجالات الحياة، وتوعية المجتمع بأوضاع العالم من خلال الصحافة، ومواكبة أفغانستان لمسيرة التقدم المعاصر، وغير ذلك من الأمور المفيدة. وإلى جانب ذلك، كانت بعض أفكاره، ولا سيما ما يتصل بالجوانب الفكرية والثقافية والأخلاقية، مستوحاةً من الحضارة الغربية الحديثة، ولم تكن منسجمةً مع المعتقدات الدينية والهوية الوطنية للمجتمع الأفغاني، بل كانت تتعارض معهما في بعض المواضع.
في السنوات الأخيرة من حكم الأمير حبيب الله خان، لم يكن محمود طرزي قد أصبح شخصية فكرية مؤثرة في المجتمع فحسب، بل اكتسب أيضًا نفوذًا ملحوظًا في البلاط، حتى إنه زوّج اثنتين من بناته لاثنين من أبناء الأمير حبيب الله خان . وكان أمان الله خان أكثر أبناء الأمير حبيب الله خان تأثرًا بأفكار محمود طرزي. وبعد وصوله إلى السلطة، جعل تنفيذ آراء موجّهه الفكري وصهره، وتطبيق برامجه، في صدارة أعمال حكومته.
وبما أن كل تحول اجتماعي وكل تغير فكري وثقافي يتجلى، قبل كل شيء، في صورة قوانين، فقد كلّف أمان الله خان مجموعة من خبراء القانون الأتراك بإعداد الأنظمة والقوانين اللازمة لمختلف قطاعات إدارة الدولة، مستعينين بقوانين الدول الأوروبية، ومنها سويسرا وفرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى. وهكذا، تُرجمت أو وُضعت مجموعة من الأنظمة والقوانين في مختلف المجالات، وسعت الحكومة إلى تنفيذها بجدية وحزم.
وبما أن هذه القوانين كانت إلى حد كبير ترجمات واقتباسات من قوانين الدول الأوروبية، ولم تُراعَ عند إعدادها القيم الدينية والوطنية للمجتمع الأفغاني المسلم بالقدر الكافي، لم يمض وقت طويل حتى ظهرت معارضة واسعة لها واندلعت احتجاجات ضدها. وكان أبرز هذه الاحتجاجات وأكثرها تأثيرًا اعتراض الملا عبد الله – رحمه الله -، المعروف بـ«الملا لنگ»، في ولاية بكتيا؛ وهو اعتراض تحوّل سريعًا إلى انتفاضة شعبية نتيجة لامبالاة المسؤولين المحليين وإهمالهم.
إضافة إلى المواد المخالفة للشريعة الواردة في الأنظمة، كانت السياسات غير المعقولة التي اتبعها الحاكم الأعلى للمنطقة الجنوبية (بكتيا)، أمير الدين خان، وسلوكه المهين تجاه المقدسات الدينية، من العوامل الرئيسية التي أسهمت في اتساع هذه الأزمة. فعلى سبيل المثال، يذكر غلام محمد غبار المؤرخ الأفغاني البارز، أن أمير الدين خان كان يصرّح علنًا بقوله: «القانون ناسخ للشريعة». وعندما كان الناس يعترضون على تعارض بعض مواد الأنظمة مع أحكام الشريعة الإسلامية، كان الحاكم يجيبهم قائلًا: «القوانين الجديدة أفضل من القرآن» (والعياذ بالله)، وإن على الناس منذ ذلك الحين ألا يتبعوا إلا هذه القوانين. ويذكر محيي الدين أنيس، الذي كان شاهدًا على تلك الأحداث، في الصفحة الحادية عشرة من كتابه «الأزمة والنجاة»، أن سلوك الحاكم تجاوز ذلك أيضًا؛ إذ كان يصرخ غاضبًا في وجه كل من يتحدث عن الشريعة المطهرة أو القرآن الكريم، قائلًا: «لقد أصبح قرآنكم قديمًا، ولم تعد هناك حاجة إلى الشريعة، ومن الآن فصاعدًا، لا تتحدثوا إلا عن القانون».
ونظّم الملا عبد الله – رحمه الله -، إمام مسجد منطقة أتماني الواقعة بالقرب من غرديز في ولاية بكتيا، والمعروف في المصادر التاريخية أيضًا باسم «الملا لنگ»، تجمعات احتجاجية اعتراضًا على تصرفات حاكم بكتيا وسياساته. وانضم تدريجيًّا إلى هذه الحركة عدد كبير من العلماء ووجهاء القبائل في المناطق المجاورة. وفي البداية، طالبوا الحكومة، من خلال التجمعات السلمية، بمراجعة سياساتها وأنظمتها وإصلاحها. وأرسلت حكومة أمان الله خان وفودًا من العلماء من كابول إلى بكتيا، بهدف تهدئة الملا عبد الله – رحمه الله – وإنهاء الاحتجاجات. ولأن الملا عبد الله – رحمه الله – كان من مريدي حضرات المجددي في منطقة شوربازار، أرسل أمان الله خان وفدًا ضمّ شمس المشايخ فضل محمد المجددي – رحمه الله – و نور المشايخ فضل عمر المجددي – رحمه الله -، وكان من أعضائه أيضًا القاضي عبد الرحمن البغماني – رحمه الله – ومحمد نور زاده الموسهي – رحمه الله -، إلى بكتيا للتفاوض معه. وكان هؤلاء العلماء أنفسهم ينتقدون بعض مواد الأنظمة التي يرون أنها تخالف أحكام الشريعة؛ ولذلك، بدلًا من أن تنجح مهمتهم في إقناع الملا عبد الله – رحمه الله -، انتهى الحوار المباشر معه إلى الاعتراف بوجاهة كثير من اعتراضاته، الأمر الذي زاده تمسكًا بموقفه وثقةً به.
وبدلًا من التراجع عن تنفيذ قوانينه وأنظمته، أرسل أمان الله خان القوات المسلحة إلى ولاية بكتيا. وأعقب ذلك اندلاع معارك واسعة استمرت قرابة تسعة أشهر. وخلال هذه الاشتباكات، تكبّدت القوات الحكومية خسائر بشرية ومادية جسيمة في مناسبات عديدة. وفي نهاية المطاف، اضطر أمان الله خان إلى عقد شورى في بغمان، وأسفر ذلك عن إلغاء ست عشرة مادة من أنظمته أو تعديلها، بعد أن أثارت اعتراض العلماء الدينيين.
وبعد أن اتهم أمان الله خان الملا عبد الله – رحمه الله – وحركته، في البداية، بالتعاون مع الحكومة البريطانية، سعيًا منه إلى تشويه صورتهما، عمد لاحقًا إلى قمع الانتفاضة باستخدام القوات التي حشدها من مختلف أنحاء أفغانستان. وقد حقق انتصارًا عسكريًّا في هذه المواجهة، لكنه أخفق في تحقيق أفكاره التحديثية والقيم الليبرالية التي كان يسعى إلى ترسيخها.
وكان القاضي عبد الرحمن – رحمه الله – ينتقد بشدة بعض الأنظمة وعددًا من إجراءات أمان الله خان، وقد عاين هذه الأحداث عن كثب. وأدرك أنه على الرغم من أن أمان الله خان كان يرى نفسه ملكًا ثوريًّا، ويصرّ على تنفيذ قوانينه حتى باستخدام القوة، فإن إمام مسجد متواضع في منطقة أتماني ببكتيا استطاع، بالاعتماد على الاحتجاج الشعبي والضغط الجماهيري، أن يجبره على التراجع. وقد دفعته هذه التجربة إلى أن يسلك، بعد بضع سنوات، النهج نفسه الذي أثبت فاعليته، حين استأنف أمان الله خان مسار تحويل المجتمع نحو الليبرالية تحت شعار «الإصلاحات». فاختار القاضي عبد الرحمن – رحمه الله -، بمرافقة تلميذه البارز محمد صادق المجددي – رحمه الله -، اتباع الأسلوب نفسه لمواجهة تلك السياسات. ولهذا، غادر كابول وتوجّه إلى مناطق لوجر وبكتيا وقبائلهما، بهدف حشد الاحتجاجات الشعبية وإجبار أمان الله خان مرة أخرى على التراجع عن سياساته.
تعليق واحد
تنبيه: شهيدُ الحجاب والعفّة | القسم: 2 - کلمات عربي