الهدف الأساسي في النظام السياسي في الإسلام هو تحقيق رضا الله تعالى جل جلاله، وتطبيق أحكامه وتوجيهاته، والإنسان، الذي يُعَدّ جزءًا من نظام الوجود، ويُعرَف بأنه أشرف المخلوقات، يسير في طريق الله (إنا لله)، ويواصل رحلته في اتجاهه (وإليه راجعون). والغاية النهائية للإنسان هي تحقيق القرب الإلهي.
وكمال هذا المقام هو المرتبة التي يصبح فيها الإنسان محبوبًا عند الله جل جلاله، وتكتسب أعماله صبغةً إلهية.
وفي المجتمع الإسلامي، كل شيء من أجل النمو المادي والمعنوي للإنسان، ويتحقق مسار هذا النمو من خلال التقرب إلى الله تعالى، وتُعَدّ الحكومة وسيلةً لتحقيق هذا النمو والتقرب.
وبطبيعة الحال، فإن تحقيق هذه الغاية لا يعني سلب الناس إرادتهم وحريتهم، وإجبار الحكومة الناس بالقوة على اتجاهٍ معيّن؛ لأنه في هذه الحالة لن يتحقق التقرب ولا الغاية الأصلية؛ إذ إن تقرب الإنسان يكون في الغالب روحيًّا وباطنيًّا، وليس جسديًّا أو فكريًّا فحسب.
ويتحقق التقرب من خلال المصاحبة، وهذا تابع لسلوك القلب ولإرادة الإنسان واختياره، ولذلك، فإن الحكومة الدينية تضع آلياتٍ للاختيار المناسب، وتحدّ من نطاق التلوث، وتهيّئ المجال لإرادة الخير وللاختيار الكفء، مما يؤدي في النهاية إلى التقرب من الله جل جلاله.
تشتمل أهداف ومهام النظام السياسي الإسلامي على ما يلي:
التكامل والنمو الشامل للإنسان
إن أولى وأهم أهداف بعثة الأنبياء هي نمو الإنسان وتكامله وحركته في الجوانب المادية والمعنوية، ولذلك، يجب على السلطة التي تقوم على أساس التعاليم الإسلامية أن تجعل نمو الإنسان وكماله هدفها الأساسي والمحوري.
وفي هذا الصدد، ينبغي مراعاة عدة نقاط:
أ. لا يمكن تحقيق النمو الروحي للإنسان من دون وجود الحكام الصالحين: إن إقامة الحكومة الإسلامية واتجاه المجتمع نحو التكامل أمران مترابطان، ففي ظل العدالة تتحرك المجتمعات نحو التقدم والنمو، ومن جهة أخرى، لا يمكن أن تنشأ حكومة إسلامية عادلة إلا عندما تكون القيم الإسلامية الأساسية موجودة في المجتمع أو تكون في في مرحلة التشكّل.
ب. يتمتع المجتمع بالقدرة على قبول الحكومة الإسلامية من أجل الوصول إلى الكمال الحقيقي: إن جهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الصالحين في تربية أفراد المجتمع الساعين إلى التكامل تمثل مثالًا عمليًّا على ذلك، ولذلك يمكن القول إن تكامل المجتمع والحكومة الإسلامية تربطهما علاقة متوازية، فكلما كان المجتمع أكثر كمالًا وتكاملًا، كانت فيه البيئة أكثر تهيؤًا لتطبيق الأحكام الإسلامية.
لقد مضت ثلاثة عشر عامًا حتى أصبح المجتمع الذي ربّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعدًّا لقبول حكم العدالة الإسلامية، ولذلك فإن المجتمع الكامل والسليم يستطيع أن يضطلع برسالة الحكومة الإسلامية على نحو جيد.
إقامة العدل وتطبيق الأحكام الشرعية
الأهداف الأخرى، التي تُعَدّ في الحقيقة وسائل للوصول إلى الهدف الأساسي، تشكّل أهدافًا لأعمال النظام السياسي.
إقامة العدل
إن إقامة العدل من مطالب الله تعالى، وقد أكّد عليها القرآن الكريم:
كانت دعوة الناس إلى العدل والإنصاف من أهم مهام الأنبياء وأهدافهم, وكانوا يطلبون من الناس أن يقيموا العدل فيما بينهم, غير أن إقامة العدل تتطلب معرفةً كافيةً بجميع الجوانب والخصائص الظاهرة والباطنة للأفراد, وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلا بعون الله جل جلاله وهدايته.
تطبيق الأحكام الشرعية
إن القيادة الاجتماعية والسياسية للمسلمين من المسائل التي كانت على مرِّ العصور محورًا للخلافات, وهذا المنصب يتولى في الحقيقة مسؤولية تطبيق الدين في عمق المجتمع.
وتشمل مهام القائد السياسي (الإمام) ما يلي:
إقامة النظام والانضباط؛
حماية حدود البلاد الإسلامية؛
دعم النظام الاجتماعي للمسلمين؛
القضاء وتطبيق الحدود؛
إرساء النظام والأمن والمحافظة عليهما
لعلّ من أهم مهام كل دولة إرساء الأمن الداخلي والخارجي, ويرى كثير من الخبراء أن فلسفة إنشاء الحكومة تتمثل في إرساء الأمن، ويقول ابن خلدون: «حينما يُنشأ هذا المجتمع من أجل البشر، ويجري إعمار العالم من خلاله، فلا بد أن يكون بينهم حاكم يمنع اعتداء فئة على فئة أخرى وتجاوزها عليها».
يُعَدّ الأمن الاجتماعي والرفاه في الإسلام من الأهداف المهمة للنظام السياسي، ويُعَدّ الإخلال بالنظام والقضاء على الأمن الاجتماعي عملًا محرّمًا عظيمًا من وجهة نظر الفقهاء، ويؤدي ضعف العدالة إلى اضطراب الأمن، ويعرّض استمرار الحكومة للخطر.
بعد عصر النهضة، عدّ الفلاسفة السياسيون، مثل هوبز، أهم وظيفة للحكومة هي إيجاد الأمن ومنع الفوضى، ويرى هوبز أن البشر يشكّلون بطبيعتهم تهديدًا بعضهم لبعض، وأن الأمن لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود نظام قوي.
وفي الإسلام أيضًا أُولِيَ اهتمامٌ كبيرٌ لترسيخ الأمن في إطار النظام السياسي، وتُعَدّ مكافحة المفسدين وأهل الفتنة، الذين يخلّون بالطمأنينة النفسية للمجتمع، من المهام الأساسية للحكومة الإسلامية.
يرتبط الأمن النفسي أيضًا بالشعور بتحقق العدالة في المجتمع؛ إذ يؤدي تراجع مؤشرات إقامة العدالة إلى اختلال الأمن، ويجعل استمرار الحكم مهدّدًا.
يحظى الأمن بأهمية بالغة بوصفه أحد أهداف النظام السياسي؛ إذ اعتبر فلاسفة السياسة، منذ عصر النهضة، أن أهم وظيفة للحكومة هي تحقيق الأمن ومنع الفوضى. ويرى مفكرون مثل «هوبز» أن وظيفة الحكومة تنحصر في إقرار النظام والأمن في المجتمع ففي رأيه أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وأن وجود سلطة تكبح جماح الناس وتحفظ الأمن في المجتمع أمر ضروري. وبناءً على ذلك، تتمثل الوظيفة الأساسية للحكومة في تنفيذ الأنظمة والقوانين، ومنع الفوضى وانعدام الأمن في المجتمع، وامتلاك قوة دفاعية لمواجهة التهديدات الخارجية، حتى تتمكن من صون كيان البلاد وحماية وجودها.
أما جون لوك، الذي يُعدّ من مؤسسي الليبرالية الكلاسيكية، فقد عدّ الأمن أيضًا أحد أهداف الحكومة.
وفي الإسلام كذلك، يحظى الأمن والطمأنينة الاجتماعية بالاهتمام والاحترام، بغضّ النظر عن نوع النظام السياسي وأقسامه، ويُعدّ الإخلال بالنظام الاجتماعي وأمن المجتمع من الأمور المحرّمة التي أجمع الفقهاء على تحريمها. ومن جهة أخرى، حظي الحفاظ على الأمن في إطار النظام السياسي باهتمام كبير، إلى جانب مواجهة الفتن والأعمال التي تخلّ بالطمأنينة النفسية للمجتمع وتهدّد أمنه السياسي والاجتماعي.
تعليقان
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 20 - کلمات عربي
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 18 - کلمات عربي