الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله ومزايا المذهب الحنفي (تتمة)
خامسًا: من مظاهر شمولية المذهب الحنفي وفضله: الفقه التقديري في هذا المذهب
من المعلوم أن جميع المسائل والجزئيات والنوازل التي قد تقع في حياة الناس لم تُذكر صراحةً في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة؛ بل إن الفقهاء الكرام يستنبطون أحكام المسائل والنوازل المستجدة من كتاب الله تعالى، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
ويمتاز المذهب الحنفي عن غيره من المذاهب بالشمولية والفضل؛ لأن فيه الفقه التقديري، وهذه المزية لا توجد بهذه الصورة في المذاهب الأخرى، والفقه التقديري أو الفقه الافتراضي هو: بيان أحكام المسائل والنوازل قبل وقوعها، بحيث إذا وقعت تلك المسائل وجد حكمها مقررًا في الكتب الفقهية مسبقًا.
إن وجود الفقه التقديري والافتراضي في المذهب الحنفي يُعدّ من خصائص هذا المذهب، ولهذا السبب نجد في كتب الفقه أجوبةً معدّةً لكثير من المسائل قبل وقوعها، وقد بذل الفقهاء الكرام جهدًا كبيرًا، رحمةً بهذه الأمة وحرصًا على مصالحها، فبحثوا في المسائل المتوقعة وبيّنوا أحكامها، وهذا يدل على سعة الفقه الحنفي وشموليته.
وفي بيان فوائد ومنافع الفقه التقديري، سأل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الإمام قتادة رحمه الله تعالى مرةً فقال له:
قال قتادة: «والله الذي لا إله إلا هو، ما يسألني اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبته، «فقام إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقال: «يا أبا الخطاب! ما تقول في رجلٍ غاب عن أهله أعوامًا، فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول، ما تقول في صداقها؟، «فقال قتادة: «ويحك! أوقعت هذه المسألة؟». قال: «لا». فقال: «فلمَ تسألني عما لم يقع؟» فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: «إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه».[1]
أي: قال الإمام قتادة رحمه الله تعالى: أقسم بالذات الذي لا إله إلا هو، إنه لا يسألني اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبته.
فقام إليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى وقال له: يا أبا الخطاب، ما قولك في رجلٍ غاب عن زوجته عدة سنوات، فظنت زوجته أن زوجها قد مات، فتزوجت رجلًا آخر، ثم عاد زوجها الأول، فما حكم صداق هذه المرأة؟
فقال الإمام قتادة رحمه الله تعالى: ويحك! هل وقعت هذه المسألة؟ فقال الإمام أبو حنيفة: لا. فقال قتادة: فلماذا تسألني عن مسألة لم تقع بعد؟
فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إننا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا كيف ندخل فيه وكيف نخرج منه.
واليوم يستفيد كثير من المفتين في العالم الإسلامي من مسائل الفقه التقديري الموجودة في المذهب الحنفي، وينتفعون بها في معالجة النوازل والمسائل المستجدة.
سادسًا: التوسّع في القياس والاستحسان
قبل الإسلام كانت بغداد والكوفة موطنًا ومركزًا لمختلف الأديان والمذاهب غير الإسلامية، فلما أصبحت بغداد جزءًا من الدولة الإسلامية، ونمت فيها العلوم والمعارف الإسلامية، أصبحت الكوفة والبصرة من المراكز الإسلامية والدينية المهمة.
ومع ذلك، بقي في العراق بعض أصحاب الأفكار المنحرفة الذين كانوا ينتسبون إلى الإسلام، وكانوا يثيرون بين حينٍ وآخر الاعتراضات والشبهات حول العقائد والأحكام الإسلامية، كما أن العراق -بخلاف الحجاز- لم تصل إليه جميع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع فتاوى الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
وكذلك في زمن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى كان وضع الأحاديث والكذب فيها قد انتشر في العراق، وكان بعض الناس يختلقون الأحاديث من عند أنفسهم.
ومن جهةٍ أخرى، كان العراق أرضًا للحضارات والأديان المختلفة، وكانت تُعرض على الفقهاء فيه مسائل وموضوعات متنوعة لم يكن مجتهدو وفقهاء مكة المكرمة والمدينة المنورة على علمٍ بها، ولا يعرفون تفاصيل تلك المسائل وأحكامها.
إن هذه الظروف كلها أدّت إلى أن يقوم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى -بوصفه فقيه العراق- بالتوسّع في المسائل الفقهية؛ حتى يجد الناس أجوبةً لأسئلتهم المختلفة، وحتى يحصل عامة الناس الذين يواجهون مشكلاتٍ في حياتهم اليومية على توجيهاتٍ شرعية ودينية لتنظيم معاملاتهم.
وبناءً على ذلك، فقد أكثر الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من استعمال القياس والاستحسان باعتبارهما من أصول الفقه، وتوسّع في باب الاستحسان بحسب الحاجة توسعًا لم يكن موجودًا بهذه الصورة في بعض المذاهب الأخرى، وعن طريق هذا المنهج استطاع الفقهاء معالجة كثير من المشكلات الواقعة بين الناس، وهذا يدل على شمولية المذهب الحنفي ومكانته.
ولا شك أن التوسّع في القياس والاستحسان ليس أمرًا مقدورًا لكل أحد؛ بل هو من شأن الفقهاء الذين بلغوا الغاية في الفطنة والذكاء وقوة الاستنباط.
نعم، إن القاعدة في المذهب الحنفي أن الحديث الضعيف مقدّم على القياس، ولكن إذا لم يوجد في المسألة حتى حديث ضعيف، فإن الرجوع إلى القياس والاستحسان يكون من الأعذار والاجتهادات المعتبرة للمجتهد.
أصول الفقه عند الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى
كانت أصول الفقه عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى سبعة، وهي:
1- كتاب الله تعالى.
2- سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- أقوال الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
4- الإجماع.
5- القياس.
6- الاستحسان.
7- العُرف.
يمتاز المذهب الحنفي بوجود توسّعٍ في بابي القياس والاستحسان؛ لأن فيهما مراعاةً كبيرةً لمصالح العباد، وحتى لا تبقى مسائل الأمة ونوازلها بلا جواب، كما أن في الاستحسان تيسيرًا وسهولة، وكثيرًا من حكم الشريعة مبنيٌّ على رفع الحرج والتيسير، وهذه من الخصائص التي تقلّ في بعض المذاهب الأخرى.
وقد بيّن الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى منهجه في التعامل مع المسائل الفقهية فقال:
«إني آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فيه فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذتُ بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، فهم رجال اجتهدوا، وأنا رجل اجتهدت كما اجتهدوا».
قول الإمام موفق المكي رحمه الله تعالى في منهج الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى
يقول الإمام موفق المكي رحمه الله تعالى: «إن الأخذ في كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى قائمٌ على الثقة، والابتعاد عن القبيح، ومراعاة معاملات الناس، والنظر إلى ما استقرّ عليه تعاملهم، وما تستقيم به شؤونهم. فكانت الأمور تسير بالقياس، فإذا لم يصلح القياس انتقل إلى الاستحسان، حتى يستقيم الأمر، فإذا لم تُحلّ المسألة بالاستحسان رجع المجتهد إلى ما جرى عليه تعامل الناس وعُرفهم».[2]
موقف الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى من الحديث النبوي
لقد اشتهر عند بعض الناس أن المذهب الحنفي يخالف الأحاديث، وهذا غير صحيح؛ فقد ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى:
«روى نوح الجامع أنه سمع أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وقال وكيع: سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض القياس، قال أبو محمد بن حزم: جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي».[3]
أي: يروي نوح الجامع أنه سمع الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مقبول عندي على الرأس والعين.
ويقول وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى: سمعت الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول: إن البول في المسجد -مع ما فيه من قبح- خير من بعض القياس إذا كان القياس يؤدي إلى مخالفة النص؛ أي أن القياس لا يُقدَّم على ما ثبت عن الشرع.
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: إن جميع الحنفية متفقون على أن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو أن الحديث الضعيف مقدّم عنده على القياس والرأي.