
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 17
الحاكمية من وجهة النظر الإسلامية
وفقًا للقانون الدولي، تقع سيادة الدولة في محور هويتها ومركزها، وقد أثار مفهوم الحاكمية في الإسلام إشكالات لدى كثير من الباحثين، وقد برز هذا الموضوع منذ بدء العلاقات بين الدولة العثمانية وأوروبا، ومقارنة الخلافة العثمانية بالإمبراطورية الرومانية، وقد أدت المصطلحات المرتبطة بالإمبراطورية الرومانية دور المقياس والمعيار في هذا المجال، حيث استفاد منها الباحثون في دراسة المؤسسات الإسلامية.
ومع أن حكم السلطان عبد الحميد الثاني شهد بعض المشكلات، فإن حكمه، أو الخلافة العثمانية بصورة عامة، لا يمكن اعتباره خلافة إسلامية خالصة خالية من كل نقد أو نقص، وعلى أي حال، فإن استخدام مصطلحات فكرةٍ ما للتعبير عن فكرة أخرى يفضي إلى إحداث التباس بشأن أوجه التشابه والاختلاف بين الكنيسة والخلافة العثمانية.
وقد قيل إن الخليفة كان يجمع بين مكانة البابا والإمبراطور معًا، إلا أن مثل هذه المقارنات لا تقوم على أساس صحيح، وهي مضلِّلة، وإضافة إلى ذلك، فإن أسلوب إدارة الدولة في الخلافة العثمانية ليس الصورة الوحيدة للحكم التي يجب على المسلمين الالتزام بها في جميع الأحوال.
ويقول «ليوبولد فايس» في هذا الشأن: «إن استخدام المصطلحات غير الإسلامية للتعبير عن المفاهيم والمؤسسات الإسلامية يُعد أمرًا شديد التضليل»، فالإيديولوجية الإسلامية تمتلك رؤيتها الخاصة وتوجهها الاجتماعي المتميز، الذي يختلف في جوانب كثيرة عن الرؤية الغربية المعاصرة، ولا يمكن تفسير المفاهيم الإسلامية إلا من خلال الشروط والمصطلحات والأدبيات الخاصة بالإسلام.
إن أي استثناء من هذه الأصول يُغْمِض رؤية الشريعة تجاه كثير من القضايا الإسلامية المهمة في عصرنا، وتوضح الشريعة الإسلامية أن الحاكمية لله جل جلاله وحده؛ فهو خالق جميع المخلوقات وواضع القوانين، وتتضح خصائص هذه الحاكمية من خلال دراسة القرآن الكريم.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾[1]
وأیضا قال الله سبحانه وتعالی في موضع آخر: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[2]
ويقول في موضع آخر: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.[3]
إن الآيات المذكورة تُبيّن أن الله جل جلاله هو المرجع الأعلى والنهائي للحاكمية، ولها تأثير مباشر في الجوانب السياسية.
الحاكمية لله جل جلاله
والمقصود بـ«الحكومة» في هذا البحث هو «السلطة» نفسها، والمقصود بـ«الحاكم» هو صاحب السلطة الذي يريد أن يُنشئ النظام والانضباط في المجتمع، كما أن آيات القرآن الکریم تقر هذا التحليل بنحوٍ ما، وتقول في هذا الشأن:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.[4]
المقصود بالآية المذكورة هو الحكومة والحكم ذاتهما، ويؤيد ذلك ما جاء بعدها من بيان الأمر والنهي الشَّرْعِيَّيْنِ، حيث قال الله تعالى: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، أي: أمر الله تعالى بأن تُعبد ذاته وحده.
وليس المقصود هنا بأي حالٍ من الأحوال الحكومة التكوينية، التي تتمثل في تدبير العالم والكون.
وكذلك لا يمكننا أن نحصر كلمة «الحكم»، التي لها معنى واسع، في القضاء والفصل أو التشريع وسنّ القوانين فقط؛ إذ لا يوجد أي دليل على ذلك، بل إن «الحكم» في هذه الآية يحمل معنى واسعًا، والمقصود به السلطة والحكم.
يمكنكم أيضًا إدراك واستنباط هذه الحقيقة، وهي أن الحكومة تعود إلى الله جل جلاله، من آيات أخرى، ولذلك أمر الله جل جلاله جماعةً بأن يحكموا بين الناس بأمره، وجعلهم خلفاء له في هذا العمل، ومن ذلك أنه خاطب نبيه داود عليه السلام بالخطاب الآتي، فقال:
﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾.[5]
ومع أن هذه الآية تتعلق بالقضاء والحكم، فإن نفوذ كلامه في مجال القضاء يستمد قوته من ولايته وحكومته الواسعة، وتشمل أيضًا الحكومة والحكم؛ لأن تنفيذ حكم القاضي وتطبيقه لا يمكن أن يتحقق من دون وجود سلطة وحكومة قوية.
وفي زمن النبي داود عليه الصلاة والسلام، لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن السلطة التنفيذية، ونحن جميعًا نعلم أن داود عليه الصلاة والسلام كان يمتلك حكومة قوية جدًا، كما يقول القرآن الكريم:
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.[6]
بالنظر إلى هذه الحقيقة، وهي أن داود عليه الصلاة والسلام كان يمتلك الحكومة والحكم، وأن أي سلطة قضائية لا يمكن أن تكون مؤثرة من دون حكومة قوية، فضلًا عن أن سلطتي القضاء والتنفيذ عند الأنبياء، أو بتعبير المصطلح المعاصر، السلطتين القضائية والتنفيذية، لم تكونا منفصلتين؛ لذلك يمكننا القول إن داود عليه الصلاة والسلام بلغ هذه المكانة نتيجةً لكونه خليفةً من قِبَل الله جل جلاله، وحصل على حق الحكومة والحكم، ولو لم يمنحه الله جل جلاله هذه المكانة، لما كان قضاؤه نافذًا، ولا أوامره الأخرى.
إن حكومة النبي وولاية أولي الأمر من الله، وبالإشارة إلى آيات القرآن الكريم يتضح أن الإسلام قد أقرّ حكومة النبي وولاية أولي الأمر، وأمر بطاعتهم؛ كما يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.[7]
إن الأمر بطاعة فرد أو مسؤول لا يكون صحيحًا إلا إذا كان ذلك الشخص في الأصل صاحبَ منصبٍ وحكومة؛ لأن طاعته لا تُعد واجبةً من دون تمتعه بمثل هذه المكانة.
المقصود بـ«أُولي الأمر» هنا كلُّ من تولّى أمرَ المسلمين وكان مستوفياً للشروط المعتبرة، وهذا موضوعٌ يحتاج إلى بحثٍ وتفصيلٍ في موضعٍ آخر.
وتدلّ هذه الآية ونظائرُها على أنّ الله تعالى جعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأُولي الأمر ولاةً وحكّاماً شرعيين للمسلمين، ولذلك أوجب طاعتهم.
يتبع…
[2] الملك، الآية: 1
[3] آل عمران، اللآية : 26
[4] یوسف، الآية: 40
[5] ص، الآية: 26.
[6] البقرة، الآية 251.
[7] النساء، الآية 59.
تعليق واحد
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 16 - کلمات عربي