
الکاتب: المولوي رحمت الله "عبيد"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
(القسم الواحد والثلاثون)
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله وعلم الحديث
الكوفة وعلم الحديث:
عندما فُتحت بلاد العراق والمدائن، وانتهى سلطان حكم كسرى، تُرك سكان هذه المناطق على أراضيهم بوصفهم من أهل الذمة مقابل دفع الخراج، فازداد إقبالهم على الإسلام، وبدأوا يدخلون في دين الله أفواجًا وجماعات.
فلما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الوضع، كتب إلى القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، طالبًا منه أن يبحث في العراق عن مكان يجمع فيه هؤلاء المسلمين الجدد ويحفظ اجتماعهم ووحدتهم.
فاختار سعد رضي الله عنه موضعي الكوفة والبصرة، وقام بإنشاء المدينتين وإسكان الناس فيهما، ولما كان عدد كبير من سكانهما من المسلمين الجدد، أرسل عمر رضي الله عنه لتعليمهم وتربيتهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي كان من أوائل الداخلين في الإسلام، وقيل: كان رابعَ أو خامسَ من أسلم، وقال عمر رضي الله عنه في رسالته إلى أهل الكوفة:
«آثرتكم على نفسي ابنَ أم عبد».
أي: لقد آثرتكم على نفسي، فاخترت لكم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرسلته إليكم.
بدأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه التدريس والتعليم في مدينة الكوفة التي كانت حديثة العهد بالبناء، وقد خرّج وربّى في حياته أكثر من سبعين تلميذًا، كان لكل واحد منهم بعد ذلك حلقته العلمية ومجلسه الخاص للتدريس.
ولم تبقَ الكوفة مقتصرةً على وجود عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقط، بل بسبب اعتدال مناخها وجودة هوائها، انتقل إليها أيضًا مئاتٌ من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين من المدينة المنورة وغيرها من الأماكن، واستقروا فيها بشكل مستقل، وقد ذكر بعض المؤرخين أن عدد الصحابة الذين نزلوا الكوفة بلغ ألفًا وخمسمائة صحابي.
وبذلك تحولت الكوفة من مجرد مدينة ناشئة إلى مدينة كبيرة عامرة، وأصبحت مركزًا علميًا مهمًا، ولا سيما في مجال رواية الحديث ونشر علوم الشريعة.
عندما تولّى علي كرم الله وجهه الخلافة، ونقل دار الخلافة من المدينة المنورة إلى الكوفة، فلما رأى التقدم العلمي الذي وصلت إليه الكوفة، خرجت منه هذه الكلمة بلا اختيار:
«رحم الله ابن أم عبد، قد ملأ هذه التربة علمًا»
أي: رحم الله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فإنه قد ملأ هذه الأرض علمًا.
وقال مسروق بن الأجدع رحمه الله:
«درتُ في الصحابة فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة، ثم نظرت فوجدت علمهم ينتهي إلى اثنين: علي وعبد الله».
أي: تجولت بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فوجدت أن علمهم ينتهي إلى ستة من كبار الصحابة، ثم تأملت فيهم، فوجدت أن خلاصة علمهم ترجع إلى اثنين: أحدهما علي كرم الله وجهه، والآخر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وبقدوم علي رضي الله عنه ازدادت مكانة الكوفة العلمية رفعةً وسموًا، وببركة هذين الصحابيين الجليلين من أعلم الصحابة، تحولت الكوفة ـ مقارنةً بكثير من المدن الإسلامية ـ إلى مركز علمي عظيم.
حتى قال أبو محمد الرامهرمزي رحمه الله:
«أتيت الكوفة فوجدت بها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمائة قد فقهوا».
أي: وجد في الكوفة أربعة آلاف طالبٍ لعلم الحديث، وأربعمائة من الفقهاء، وكأن مصابيح الحديث والفقه كانت مضيئةً في كل بيت من بيوتها.
إن ولادة شخصٍ في مثل هذه المدينة العلمية، وفي عصرها الذهبي الذي ازدهرت فيه العلوم وانتشرت المعارف، ثم نشأته فيها حتى بلغ أعلى درجات الاجتهاد، واستنباطه مئات الآلاف من المسائل من الأحاديث النبوية؛ كل ذلك يدلّ بنفسه على مدى مهارته ومكانته في علم الحديث.
شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله وتلاميذه:
إن من أعظم الدلائل على إثبات مكانة الشخص وتمكنه في جميع العلوم عمومًا، وفي علم الحديث خصوصًا، معرفة شيوخه وتلاميذه؛ إذ يُنظر: هل تلقّى العلم عن أشخاص موثوقين ومعتمدين؟ وهل الذين أخذوا العلم عنه مقبولون عند جمهور العلماء أم لا؟
ويمكن تقسيم شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله إلى قسمين:
القسم الأول: شيوخه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
القسم الثاني: شيوخه من التابعين أو كبار أتباع التابعين.
شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله من الصحابة الكرام رضي الله عنهم:
اتفق جمهور المحققين من أصحاب كتب مناقب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ومنهم العلامة الذهبي وابن حجر العسقلاني رحمهما الله، على أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله رأى في صغره عددًا كبيرًا من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ومنهم الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه.
إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة الرواية عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأعيانهم، وهل ثبت أن الإمام رحمه الله روى عن كل واحدٍ ممن قيل إنه لقيه أم لا.
ومن خلال أقوال العلماء يظهر أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لقي أكثر من ستة عشر صحابيًا، وروى عن بعضهم، وأسماؤهم على النحو الآتي:
1- أنس بن مالك رضي الله عنه.
2- عمرو بن حريث رضي الله عنه.
3- عبد الله بن أنيس الجهني رضي الله عنه.
4- عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنه.
5- جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
6- عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
7- واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.
8- معقل بن يسار رضي الله عنه.
9- أبو الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه.
10- عائشة بنت عجرد رضي الله عنها.
11- سهل بن سعد رضي الله عنه.
12- السائب بن خلاد بن سويد رضي الله عنه.
13- السائب بن يزيد بن سعيد رضي الله عنه.
14- عبد الله بن بسر رضي الله عنه.
15- محمود بن الربيع رضي الله عنه.
16- عبد الله بن جعفر رضي الله عنه.
17- أبو أمامة رضي الله عنه.
اعتراض على عدد الصحابة الذين لقيهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله والجواب عنه:
يعترض عدد كبير من أصحاب كتب المناقب الذين يرون أن ولادة الإمام أبي حنيفة رحمه الله كانت سنة 80هـ على هذا العدد، ويقولون: إن لقاء الإمام رحمه الله بالصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين توفوا في الفترة ما بين السبعينات الهجرية وما قبلها إلى سنة 85هـ فيه إشكال من جهة العمر، كما أن الأحاديث الخاصة التي قيل إنه رواها عن بعضهم وقع الكلام حولها.
وبالنظر إلى قول العلامة زاهد الكوثري رحمه الله الذي رجّح في أقوال تاريخ مولد الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه وُلد سنة 70هـ، يظهر من جهة التحقيق أن مسألة صِغر سن الإمام رحمه الله لا تثير إشكالًا في لقائه بالصحابة المذكورين أدناه، ولا في الرواية عنهم:
1- جابر بن عبد الله رضي الله عنه (المتوفى: 79هـ).
2- عبد الله بن جعفر رضي الله عنه (المتوفى: 80هـ).
3- أبو أمامة رضي الله عنه (المتوفى: 81هـ).
4- واثلة بن الأسقع رضي الله عنه (المتوفى: 83 و85هـ).
5- عمرو بن حريث رضي الله عنه (المتوفى: 85هـ).
6- عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه (المتوفى: 85 و87هـ).
7- عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنه (المتوفى: 86هـ).
8- سهل بن سعد رضي الله عنه (المتوفى: 88 و91هـ، وقيل بعد ذلك).
9- السائب بن خلاد بن سويد رضي الله عنه (المتوفى: 91هـ).
10- السائب بن يزيد بن سعيد رضي الله عنه (المتوفى: 91 و92 و94هـ).
11- عبد الله بن بسر رضي الله عنه (المتوفى: 96هـ).
12- محمود بن الربيع رضي الله عنه (المتوفى: 99هـ).
13- أبو الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه (المتوفى: 102هـ).
14- أنس بن مالك رضي الله عنه (المتوفى: 99 و101هـ، وقيل غير ذلك).
وأما بقية الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فيأتي الحديث عن معقل بن يسار رضي الله عنه، فإنه تُذكر وفاته في خلافة معاوية رضي الله عنه، وانتهت خلافة معاوية رضي الله عنه سنة 60هـ، وكذلك يُذكر أن عبد الله بن أنيس الجهني رضي الله عنه توفي سنة 54هـ، ولذلك لا يثبت سماع الإمام أبي حنيفة رحمه الله منهما ولا روايته عنهما.
وأما فيما يتعلق بـ عائشة بنت عجرد، فقد قال العلامة الذهبي وابن حجر العسقلاني رحمهما الله:
«الصحيح أنها ليست من الصحابيات».
ولكن إذا نظرنا إلى قول العلامة زاهد الكوثري رحمه الله بأن تدوين تاريخ العلوم جاء في فترة متأخرة، مما أدى إلى وقوع الاختلاف بين المؤرخين في ولادات بعض التابعين، بل وفي وفياتهم أحيانًا، فالأمر في تواريخ ولادات الصحابة ووفياتهم أولى بأن يقع فيه الاختلاف؛ فعلى هذا الاعتبار يمكن أن يُتصور إمكان سماع الإمام أبي حنيفة رحمه الله من معقل بن يسار وعبد الله بن أنيس رضي الله عنهما أيضًا.
يتبع…