
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 6
تمويل نفقات الحملات الانتخابية
ولتوضيح الصورة الصحيحة لهذه المسألة، ينبغي أن نذكر مثالًا: في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام (1952)، أنفق الحزبان الرئيسيان أكثر من مئة مليون دولار، وفي عام (1960) بلغت هذه النفقات (160) مليون دولار.[1]
وفي الوقت الحاضر، يُطلب من كل مرشح أن يجمع (20) مليون دولار لبدء حملته الانتخابية، وتؤدي الحاجة إلى مبالغ مالية كبيرة إلى انسحاب المرشحين الآخرين، أو أولئك الذين يفكرون في الترشح، وتراجعهم؛ لأنهم لا يستطيعون توفير النفقات اللازمة، وقبل أن يقوموا بأي شيء، يجب على المرشحين المؤهلين إرضاء الحزب وتوفير مبلغ كبير من المال لكي يصبحوا مرشحي الحزب، وبذلك يمكنهم الحصول على مساعدات حكومية تبلغ نحو (60) مليون دولار.[2]
وبالمثل، فإن نفقات الانتخابات على مستوى الولايات والمدن مرتفعة جدًا، فعلى سبيل المثال، في عام (1929) تجاوزت نفقات انتخابات مدينة نيويورك مليوني دولار، أي إن تكلفة كل صوت بلغت دولارين و(26) سنتًا، وكانت أدنى تكلفة في مدينة (سولت ليك)، حيث أُنفق (10) سنتات لكل صوت.
وفي (إنجلترا) عام (1950)، في القرن الحالي، كان يتعين على كل مرشح أن يدفع (150) جنيهًا إسترلينيًا، وإذا لم يحصل على (1.8) من مجموع الأصوات، ضاعت منه جميع أمواله.
وفي تلك السنوات، كان العامل يحتاج إلى العمل مدة (5) أو (6) أشهر لكسب هذا المبلغ من المال، وكان معنى ذلك أن ذوي الدخل المنخفض لا يستطيعون أن يصبحوا مرشحين، ولم يكن يخطر ببالهم حتى أنهم قد يلعبون يومًا ما دورًا في هذه العملية، ولكن حتى لو تم توفير هذا المبلغ من المال، فقد كان هناك عائقان كبيران آخران في طريقهم:
أ: لم يكن المهم أن ينجح مرشح في منطقة واحدة، بل كان ينبغي للحزب أن يكون له مرشحون في جميع أنحاء البلاد، حتى يتمكن من إرسال عدد كبير من مرشحيه إلى البرلمان، أي دفع مبلغ (150) جنيهًا إسترلينيًا عن كل مرشح؛ ولذلك لم تكن الأحزاب الصغيرة قادرة على تعيين مرشحين في جميع المناطق، أو تحقيق الفوز وأداء دور مؤثر.
ب: وحتى لو توفرت هذه الأموال لجميع المرشحين، فلا بد من توفير نفقات الدعاية، وهي أكبر من نفقات الترشح، إذ ستُحدث ثقبًا في كيس المال وتستنزف أموال الجميع.
واليوم، نظرًا إلى تطبيق نظرية أخرى، وإمكان مشاركة جميع المواطنين في الانتخابات، وكون المطلوب أن يدلي جميع المؤهلين بأصواتهم؛ فإنه يتعين عليهم القيام بدعاية واسعة النطاق بتكاليف باهظة، وبعبارة أخرى، لكي يحكم الناس أنفسهم حكمًا صحيحًا، لا بد من توسيع دائرة التصويت، غير أن هذه العملية الواسعة أدت إلى زيادة نفقات الانتخابات ورفع الحاجز أمام المشاركة فيها، ويُعدّ هذا الشكل من الانتخابات أحد العوامل المهمة في غياب المشاركة الواسعة للشعب في مبادئ الحكم، وكانت هذه هي الطريقة التي لم يعد فيها التصويت والذهاب إلى مراكز الاقتراع مصدرًا للأمل بالنسبة إلى الناس، بحيث يرون مستقبلهم من خلاله ويكونون متفائلين به.
الدعاية والحملات الانتخابية
بعد اختيار المرشحين تبدأ عملية الحملة الانتخابية، وقد أدت هذه الإعلانات إلى زيادة حيرة الناس ودهشتهم، وخلطت بين الحق والباطل؛ إذ قُطعت أمام الناس وعود كثيرة، غير أن بعضها اختفى في ثياب العمل والتنفيذ، بينما غرق معظمها في ظلمات الأكاذيب، وأُلقي به في حفرة الظلم.
يتحدث المرشحون عن الأمور التي تشكل غذاءً ذهنيًا للناس وتثير اهتمامهم، ويتجنبون القضايا التي قد لا تؤدي إلى ردود فعل جيدة؛ فعلى سبيل المثال، ظل المرشحون يتحدثون منذ مدة طويلة عن حل مشكلة الميزانية، ولكن في انتخابات عام (1996)، حين كان الناس غير راضين عن هذه المسألة، تجنب المرشحون التطرق إليها، مع أن قضية الميزانية تُعد أكبر قضية اقتصادية في الولايات المتحدة.
إن مناقشة القضايا والحديث عنها، مما يعود بالنفع على الناس، ينبغي أن يحظى باهتمامهم، أو أن يكون علامة على سيادة الشعب؛ لأن سيادة الشعب لا تعني أن تُستخدم آمالهم من قِبل السياسيين كأدوات للّعب ولتحقيق الأهداف السياسية.
ومهما اهتم السياسيون بمطالب الشعب، فسيأتي وقت لا ينفذون فيه هذه المطالب بعد فوزهم، بل يتجاهلونها، وكذلك، بالنظر إلى أن الناس مختلفون ومتنوّعون، وأن مطالب أفراد المجتمع ليست واحدة، فهناك بعض الأمور التي يمكن اعتبارها مطالبهم، وليس من الصعب التعامل والتصرف معهم بشأنها.
من الطبيعي جدًا أن يغيّر المرشحون مواقفهم ووعودهم بعد فوزهم في الانتخابات، وقد فعل زعيم حزب العمال البريطاني (توني بلير) الشيء نفسه، فعندما لم يكن حزبه في السلطة، وكانت صلاحياته محدودة تجاه أعمال الحكومة، قال بشأن قانون النقابات التجارية الذي أقرّته الحكومة: إن هذا القانون مهين وغير ديمقراطي، وإنه يتعارض أيضًا مع مصالح العمال؛ ولكن عندما تولّى الحزب نفسه زمام الحكم، وعندما سُئل: هل سيبقى هذا القانون على حاله؟ أجابوا: «لا شك أن هذه مسألة منطقية».
ومن الأمثلة الأخرى على تغيير المواقف الانتخابية بسبب المصالح، ما حدث في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة الأمريكية عام (1970م)، حيث وقف «ريتشارد نيكسون»، مرشح الحزب الجمهوري، في الانتخابات التمهيدية إلى جانب اليمين، لكنه اتجه في الانتخابات العامة نحو اليسار، وفي عام (1988م)، سخر عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري «جاك كيمب» من منافسه، عضو مجلس الشيوخ من الحزب نفسه «بوب دول»،
وقال: «عندما يتحدث (دول) عن المستقبل، فانظر إلى محفظتك، لا إلى أنه سيقوم بسرقتها»، وعندما اندلع حريق في مكتبة (دول) واحترقت، فقد الكتابين الوحيدين اللذين كانا موجودين في مكتبته… ولم يصوّر الكتاب الثاني حتى الآن، لكنه في عام (1966م)، عندما كان دول مرشح الحزب الجمهوري وكان كيمب نائبًا للرئيس، قال: «إنه لشرف عظيم في حياتي أن يُطلب مني أن أشارك وأتعاون مع هذا البطل الأمريكي العظيم».
وخلاصة هذه المسائل المذكورة هي أن المواطنين، في نهاية الحملات الانتخابية، يشاركون في عملية التصويت.
إن تمويل النفقات الواسعة وغير المحدودة والمفرطة للغاية للحملات الانتخابية يثبت أن الناس لا يملكون مشاركة مباشرة في الحكم، وأنهم في الحقيقة بعیدون عن عملية الحكم.
يتبع…
[2] مجلة «العربي» الكويتية، العدد 455، تشرين الأول: 1996، ص: 20.