
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 5
تعليق نقدي لسماحة المفتي محمد تقي العثماني حول مساوئ الديمقراطية
لن تروا أبدًا في الأهداف الأصلية للجمهورية أنها تعمل على نشر الخير ومنع الشر، أو تعزيز الفضائل وصرف الناس عن الرذائل، وهي لا تفعل ذلك؛ لأن أحد الأسباب هو أنه لا يوجد لديها معيار ثابت للخير والشر يحدد أن هذا الشيء خير وهذا الشيء شر، بل إن الفلسفة النهائية للجمهورية تقوم على أنه لا يوجد في العالم خير وشر أصلًا، وأن جميع الأمور نسبية، فقد يكون الشيء خيرًا في عصر، ثم يكون شرًا في عصر آخر؛ وقد يكون الشيء شرًا في وقت، ثم يكون الخير في وقت آخر؛ وقد يكون الشيء خيرًا في بلد، وشرًا في بلد آخر؛ وقد يُعدّ الشيء خيرًا في بيئة، ويُعدّ شرًا في بيئة أخرى، فكل هذه الأمور نسبية، بل لا وجود حقيقي لها، وإنما يتحدد معيار الخير والشر نفسه تحت تأثير البيئة والممارسات المتوارثة.
ومنذ ظهور النظام العلماني في الغرب، اجتاحت موجاتُ الانحلال الأخلاقي والأمراض الجنسية، وقبل وجود الجمهورية، لم تكن هذه الأمراض موجودة؛ ففي ذلك الوقت كانت في أوروبا أنظمة ملكية أو أنظمة ثيوقراطية مسيحية، ولم تكن هناك من الانحرافات الأخلاقية ما هو موجود اليوم بعد مجيء الجمهورية، وقد بلغ سوق اللهو والفجور هناك ذروته الآن، حتى إنه لا تكاد توجد ممارسة سيئة إلا ويجد صاحبها ترخيصًا لها باسم الحرية، أو على الأقل يُطالب بالسماح بها.
فالجمهورية ليست ملتزمة بقيمة أخلاقية معينة، ولا تستند إلى توجيهات سماوية، بل يقوم اعتمادها كله على رغبات الناس وأهوائهم؛ فهي تعدّ كل ما يفعله الإنسان، سواء أكان شرًا أم خيرًا، حقًا مشروعًا له، ونتيجة لهذه الديمقراطية، أقرّ البرلمان البريطاني ترخيصًا بإقامة العلاقات الجنسية بين الفتيات والفتيان، واعترف بذلك بوصفه ترخيصًا قانونيًا، وبعد هذه الخطوة البريطانية، أُقرت المثلية الجنسية قانونًا في بعض البلدان الأخرى أيضًا…
هناك تنظيم آخر يُسمّى (Swap Union)، وكلمة (Swap) تعني التبادل، والمقصود بذلك عندهم هو تبادل الزوجات، ولهذا التنظيم أندية خاصة، ولا يزال القانون نافذًا حتى الآن، وهو أن المرأة غير المتزوجة يمكنها أن تفعل ما تشاء، ولكن المرأة المتزوجة لا يجوز لها أن تزني مع رجل غير زوجها، لأن ذلك يُعدّ تعديًا على حق الزوج، غير أن (Swap Union) يطالب الآن بإزالة هذه القيود، والسماح للمرأة المتزوجة أيضًا بأن تزني مع من تشاء باختيارها.
وهذا هو السبب في أن عددًا كبيرًا من الأولاد في معظم بلدان أوروبا وأمريكا أصبحوا مجهولي النسب (أبناء الزنا)، وقد نُشرت إحصاءات بهذا الشأن من بعض الحكومات، بينما لم تُنشر من حكومات أخرى، وقبل مدة نُشر مقال في مجلة (تايم)، ذُكر فيه أن عدد مجهولي النسب في أمريكا في ازدياد، وقد جاء في التقرير أن الأمر لا يُعدّ مقلقًا من الناحية الأخلاقية من حيث نشوء جماعة من مجهولي النسب، وإنما كان القلق منصبًّا على أنه لا يوجد من يتكفل بحل المشكلات الاقتصادية للأشخاص الذين يولدون نتيجة لهذا الأمر، وأن ذلك يؤدي إلى ظهور مشكلات اقتصادية، ومن الناحية الاقتصادية عُدّ هذا الأمر مصدر قلق جديرًا بالاهتمام، أما من ناحية الانحراف الأخلاقي فلم يُبدَ بشأنه أي قلق.
والآن تطالب النساء بأن يُسمح قانونيًا في بعض الولايات بإيذاء الطفل، وقد قُبل هذا الأمر في بعضها، وتُبذل جهود كبيرة من أجل إقرار مشروعيته، وبالنظر إلى المستوى الذي بلغته هذه المطالبات في الوقت الحاضر، يبدو أن السماح القانوني بإيذاء الطفل سيُقرّ أيضًا.
كان التعري في وقت من الأوقات ممنوعًا، أما الآن فقد أُزيلت جميع القيود المتعلقة به، واليوم وصل سيل الأفلام والصور العارية إلى بلداننا أيضًا، وقد بدأ ذلك من أوروبا، وهذا الظلام في طریقه الآن إلي الانتشار في بيئتنا أيضًا، ولم يُتخذ حتى الآن أي إجراء لمنعه.
والسبب الأكبر في عدم منعه هو أن الأنظمة الحالية لا تقوم على أساس يمكن الاستناد إليه في منع هذا الأمر؛ لأن الحكم يكون للشعب، وهم يحبون هذا الانحلال من الدين، ولذلك لا يوجد بعد ذلك أي دليل معقول على القول إن هذا الفعل غير جائز.
وخلاصة القول: لا يوجد عمل سيئ إلا وله طريق مشروع في الجمهورية، وقد نشأت نتيجةً لذلك مشكلة أخرى، وهي أن النظام الأسري يتجه نحو الانهيار؛ أي إن صلة القرابة داخل الأسرة، من حيث إن هذا زوج وهذه زوجة، وهذا أب وهذا ابن، في طريقها إلى الزوال، وكانت نتيجة ذلك أن الله تعالى أنزل مرض (الإيدز) عذابًا.
وكيف ظهر هذا المرض؟ يتفق جميع الناس في هذا الشأن على أن هذا المرض ينشأ من أمرين: الأول عن طريق المثلية الجنسية، والثاني عندما تقيم امرأة علاقات جنسية مع عدد كبير من الرجال، أو يقيم رجل علاقات جنسية مع عدد كبير من النساء.
ولكن بدلًا من أن يؤدي ظهور هذا المرض إلى الحد من الفحش، وتوجيه الناس نحو العفة والطهارة، ازداد الفحش أكثر؛ إذ لم يُتخذ لمكافحة مرض (الإيدز) إجراءٌ يتمثل في حظر العلاقات الجنسية غير المشروعة، بل اتُّخذت بعض التدابير الوقائية لممارسة العلاقات الجنسية، وأُنشئت دورات تعليمية خاصة لهذه التدابير، وتُقدَّم تدريبات عملية عبر شاشات التلفزيون، ولا توجد مؤسسة تعليمية إلا وقد أُعدّ فيها نوع من التثقيف الجنسي.
ومع أن هذا الأمر لا يناسب هذا المقام، فإنني أوضح لكم هذه الحقيقة من أجل بيان الواقع: في الجامعات أو المؤسسات التعليمية الأخرى التي يقيم فيها الفتيان والفتيات غير المتزوجين، اتُّخذت ترتيبات للوقاية من مرض (الإيدز)، بحيث وُضعت آلات آلية في حمّامات كل جامعة، فإذا أُدخلت فيها النقود أخرجت تلقائيًا (الواقي الذكري)، حتى يستخدمه الشخص عند الحاجة.
وهكذا، فإن الأمراض التي نشأت بسبب العلاقات الجنسية غير المشروعة، بدلًا من الحد منها، أدّى البحث عن مثل هذه الوسائل للوقاية منها إلى مزيد من انتشار هذه الأمراض وتفاقمها.
وخلاصة الأمر أن جميع الوسائل الأخلاقية قد زالت، والأعجب من ذلك أن البلدان التي تكون فيها الزنا والفاحشة رخيصة وسهلة للغاية، ولا توجد فيها أي عوائق أمام إقامة العلاقات الجنسية غير المشروعة مع النساء، تُمارس فيها هذه الأعمال علنًا وبصورة جماعية، بل إن بعض البلدان سمحت قانونًا ببيع العِرض، وأُنشئت مخيمات خاصة لهذه التجارة، ومع ذلك كله، لا تزال حالات الاغتصاب في أمريكا تقع بمعدلات لا مثيل لها في العالم؛ ففي الأماكن التي تُمارس فيها العلاقات الجنسية بالتراضي وتكون مباحة، تكون حالات الاغتصاب هي الأكثر وقوعًا.
وممنوع الزواج بأكثر من امرأة واحدة، ويُعدّ ذلك عملًا سيئًا، ومن يتزوج بامرأة ثانية يُعاقب بالسجن، ولكن إذا أقام شخص علاقات جنسية مع عشر نساء من البغايا، فذلك مسموح، ولا توجد عليه أي قيود، إن هذه المشكلات والمآسي والنتائج السيئة كلها نشأت نتيجة تلك السيادة المطلقة للشعب التي أوجدتها الجمهورية العلمانية.
والجانب الثاني من سيادة الشعب هو أنها في الحقيقة خدعة كبيرة؛ إذ يُعطى الناس، باستخدام هذه الكلمة، انطباعًا بأنكم أنتم الحكام، ولكن الأمر في الواقع مختلف، فمشاركة الشعب في الحكم لا تتجاوز صورة خيالية وتصورًا ذهنيًا، وفي معظم الأماكن لا يعرف الشعب حتى ماذا تفعل الحكومة؟.[1]
دراسة سيادة الشعب ومعوقاتها
في الملاحظات السابقة، عُرضت آراء عدد من الباحثين والعلماء الغربيين حول رفض الديمقراطية وإدانتها، ثم أُورد تعليق نقدي لأحد العلماء الدينيين المشهورين، وفي هذه الدراسة، سنثبت أن الشعب في الديمقراطية لا يملك سلطة الحكم، وإنما الأقلية الغنية هي التي تمسك بزمام السلطة وتحكم.
لو كان النظام الجمهوري هو الصورة الحقيقية لسيادة الشعب، لكان ينبغي أن تبدأ هذه السيادة من الانتخابات وتستمر حتى نهاية الحكومة، والحقيقة أن الشعب لا يملك سيادة مؤقتة وعادية إلا في وقت إجراء الانتخابات، وبعد ذلك يفقد سيادته الوهمية.
وبمزيد من التعمق والدقة في النظر إلى هذه المسألة، سندرك أن الناس حتى أثناء الانتخابات لا يملكون السيادة بصورة حقيقية، وأن السيادة ليست أمرًا مناسبًا لهم، وأن ما في أيديهم ليس إلا نقودًا مزيفة.
أولًا، ننقل قول رائد الديمقراطية «روسو»، وكما سبق أن ذكرنا، فإن روسو يعدّ الديمقراطية الحقيقية هي الديمقراطية المباشرة، ولذلك يقول عن الديمقراطية التمثيلية المعاصرة في (بريطانيا) إن الشعب (البريطاني) ليس حرًا أثناء عملية الانتخابات؛ لأنه بمجرد انتهاء العملية الانتخابية يصبح الناس عبيدًا، بل يصبحون (لا شيء) و(عديمي الأهمية).[2]
كما أشار الفرنسي «بول كلافال» إلى المشاركة الفعالة للمواطنين في الحياة السياسية في وقت الانتخابات فقط.[3]
أما (راسل) فقد ذهب خطوة أبعد، فقال: «من بين عشرين مليون شخص (عدد الناخبين)، أنتم شخص واحد فقط؛ ولذلك تشعرون أنكم حاكمون، وليس أن الحكومة تحت تصرفكم».[4]
والآن لنبدأ بالحديث عن هذه العوائق على النحو الآتي:
1- الأنانية؛ فالناس يسعون إلى تحقيق آمالهم وطموحاتهم، لا إلى تحقيق آمال وطموحات الآخرين؛ وهم منشغلون بحياتهم الخاصة، ولا يولون اهتمامًا كبيرًا لمسألة أن يكون لهم تأثير في سياسة بلدهم، وهم لا يستعدون إلا بدرجة قليلة جدًا لأن يعرّضوا أنفسهم للمشكلات والمعاناة، ونادرًا ما يكونون مستعدين للتضحية، وحتى في ذروة الثورات، التي تُعدّ انتفاضات وطنية وتتجذر في أعماق قلوب الناس، لا يكون مستعدًا للتضحية في هذا الطريق إلا جزء منهم، وذلك فقط في حالات الحروب والمواجهات.
وفي الوقت الحاضر، يُعدّ الغرب أكثر سلبيةً من الشرق؛ لأن فيه عوامل وتأثيرات كثيرة للتفكير السلبي يمكن ملاحظتها؛ ومن مظاهر ذلك عدم الاهتمام بالسياسة، ففي أمريكا، لا يهتم معظم الناس بالسياسة، وتستحوذ في الغالب الأخبار المحلية والأخبار المتعلقة بالترفيه اليومي على اهتمامهم، لأن الأخبار المحلية تشتمل إلى حد كبير على الأحداث الرياضية والترفيهية؛ وإذا شاهدوا مسألة سياسية على شاشة التلفزيون، فذلك لأنهم في ذلك الوقت يشاهدون التلفزيون بصورة عابرة.[5]
يقول (بادوفر): إن عامة الناس، الذين أُنشئت من أجلهم الأنظمة والأفكار الديمقراطية، نادرًا ما يهتمون بالمسائل التي ينبغي لهم أن يكونوا على علم بها والتي يحتاجون إليها.
ويتحدث عن إضراب الصحف في (نيويورك) عام (1962)، ويدّعي أن استطلاعًا أظهر أن عامة الناس لا يهتمون بما إذا كانوا يحصلون على الأخبار أم لا، بل إنهم يهتمون أكثر بالبرامج التلفزيونية، والإعلانات السينمائية، وقوائم سوق الأوراق المالية، والأخبار الرياضية، وبذلك، تقلّص نطاق فكرة الإرادة العامة، وأصبحت تنطبق على مجموعات صغيرة، لا على عامة الناس.[6]
2- الواقع المفروض: يجد المواطن نفسه أمام أمر واقع، وهذا الوضع المفروض يحرمه من إمكانية التغيير، فمحاولة التغيير تحتاج إلى جهد ونضال وتضحية، وكذلك تحوّل المواطن إلى مواطن سلبي؛ ولذلك يطيع الواقع ويكيّف نفسه معه، والحقيقة أن عددًا من الأحزاب تملك السلطة في الساحة السياسية، ولا يستطيع المواطنون أن يفعلوا شيئًا يُذكر في مواجهتها، وفي ظل وضع يكون فيه وجود قوة مالية كبيرة أحد شروط بقاء الأحزاب، تكون فرصة بقاء الأحزاب الصغيرة ونموها ضئيلة جدًا.
ومن جهة أخرى، يراقب عامة الناس النظام الخاص بالبرلمان والسلطة التنفيذية، وعلى الرغم من أنه قد لا يكون موافقًا لرغباتهم، فإنهم لا يستطيعون فعل شيء لتغييره، وإن تغيير أعضاء البرلمان ورؤساء السلطة التنفيذية لا يؤدي إلا إلى تغيير طفيف في الأمر؛ فالمسؤولون سيُعزلون، ولكن النظام سيبقى.
وكذلك أصبحت بعض القوى الاقتصادية الكبرى مصدرًا للحياة المادية، وأصبحت قوة المواطنين في مواجهتها ضئيلة جدًا؛ فهي بالنسبة إلى قوتهم أشبه بقطرة في بحر، وقد أحاطت بهم أجهزة إعلامية قوية ووسائل معلومات واسعة، وسواء أرادوا أم لم يريدوا، فعليهم أن ينسجموا معها وأن يسيروا وفق ما تريده.
وسنناقش جميع هذه القوى في الصفحات القادمة، ونكتفي هنا بذكر بضع نقاط، عندما يجد الإنسان نفسه أمام واقع لا يستطيع تغييره بسبب ثقله وعظمته، فكيف يمكن الادعاء بأن الإنسان حاكم نفسه بنفسه؟ وبالطبع، فإن هذه المسألة تتعلق بمن يفكر ويشعر، ولكن معظم الناس قد غرقوا في بحر هذا الواقع الملموس؛ ولذلك فهم ليسوا حكامًا للحكومة، وللأسف، إنهم لا يشعرون حتى بهذه الحقيقة.
يتبع…
[1] الإسلام والأفكار السياسية، صص: 194–199، (مؤسسة أفغان).
[3] المثقفون والديمقراطية، ص: 6.
[4] السلطة والفرد، ص: 120.
[5] قنوات، السلطة، ص: 86.
[6] أسطورة الديمقراطية، ص: 84.