
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 2
من اليونان القديمة إلى العصر الحديث:
يمكن العثور على فكرة الديمقراطية (أي: حكم الشعب من أجل الشعب) في مؤلفات الفلاسفة والكتّاب اليونانيين منذ عهد المؤرخ الشهير هيرودوت، ففي اليونان القديمة، كانت بعض أنظمة الحكم قائمة على أسس ديمقراطية، ووفقًا لدستور مدينة أثينا كان لكل مواطن بلغ العشرين من عمره حق المشاركة في مجلس المدينة، وإلى جانب اليونان، كانت فكرة الديمقراطية معروفة أيضًا في الشرق (الهند والصين القديمة)، حتى إن بعض المؤرخين يعدّون الصين والهند من أوائل مواطن نشأة الأفكار الديمقراطية.
وقد أشار أفلاطون وأرسطو، وهما من فلاسفة اليونان القديمة، إلى الديمقراطية في مؤلفاتهما، ويرى أفلاطون أنه على الرغم من أن معيار تصنيف أنظمة الدولة لديه يقوم على العلم والمعرفة، فإن الديمقراطية كانت، في نظره صورةً من صور حكم غير المؤهلين.
أما أرسطو فقد اعتبر الديمقراطية تعبيرًا عن حكم الفقراء والعاجزين، ولذلك فقد انتقد كلا الفيلسوفين الديمقراطية ولم يؤيداها.
كان الحكم القائم على أساس الديمقراطية في اليونان القديمة مؤقتًا ولم يستمر، وفي الغرب، وبعد مرور عدة قرون على عصر النهضة وحركات الإصلاح الديني، وُضعت الأسس الفكرية للديمقراطية الحديثة تدريجيًا.
فمن مكيافيلي إلى هوبز ولوك، ثم إلى روسو ومونتسكيو، كان لكل واحدٍ منهم تأثيرٌ عميقٌ في تشكيل فكرة الديمقراطية، وهكذا بلغت نظرية الديمقراطية في القرن العشرين مرحلةً أصبحت فيها ذات مكانة مؤثرة في تشكيل الفكر الإنساني، رغم أن بداياتها تعود إلى ما قبل الميلاد.
ومن الناحية المفاهيمية، اختلفت ديمقراطية روسو عن ديمقراطية اليونان القديمة؛ إذ كان روسو يرى أن حكم الشعب لنفسه بصورة عملية أمرٌ غير ممكن، وكان المفهوم الذي طرحه روسو يقوم على حكم الأغلبية.
لكن هذا الأسلوب من الديمقراطية لم ينجح عمليًا أيضًا، وظهرت نقائصه خلال فترة الثورة الفرنسية، فقد أقام الذين تولوا السلطة بعد الثورة الفرنسية حكومةً ديمقراطية باسم أغلبية الشعب، وقد فُسِّر تطرفهم في ممارسة الحكم على النحو الآتي: فكما يستطيع الفرد أو الأقلية أن يكون مستبدًا وظالمًا، فإن الأغلبية كذلك يمكن أن تصبح مستبدة وظالمة؛ بل إن الظلم باسم الأغلبية قد يكون أخطر من غيره.
على الرغم من أن تصور روسو بشأن الديمقراطية كان قد شهد تصحيحًا وتطورًا، فإنه واجه صعوبات عند التطبيق العملي، ولذلك توصل بعض الكتّاب الغربيين إلى أن المشاركة المباشرة لجميع الناس أو أغلبهم في الحكم غير قابلة للتنفيذ، فطُرحت النظرية الجديدة للديمقراطية على أساس السيادة غير المباشرة للشعب (أي نظام التمثيل النيابي).
ولهذا السبب، اكتسب أسلوب التمثيل النيابي وتصويت الأغلبية قبولًا واسعًا، وتُعرَّف الديمقراطية اليوم بأنها حكم ممثلي أغلبية الشعب في مواجهة حكم الفرد الواحد أو حكم الأقلية.
وعليه، فإن ما تغيّر في الانتقال من الديمقراطية القديمة إلى الديمقراطية الحديثة ليس مبدأ سيادة الشعب، وإنما طرق تطبيق هذا المبدأ، ولهذا فإن الديمقراطية التي نعرفها اليوم ليست وليدة فترة قصيرة، بل إن تكوّنها وتطورها التدريجي قد تعزّزا عبر مراحل متعددة شهدت كثيرًا من التحولات.
ومن أبرز هذه التطورات يمكن الإشارة إلى توقيع وثيقة «الماغنا كارتا» (العهد الأعظم) سنة (1215م)، والثورتين الفرنسية والأمريكية في القرن الثامن عشر، وتوسّع حق التصويت في شمال أوروبا خلال القرن التاسع عشر.
ومع ذلك، فإن القرن العشرين هو الذي شهد ظهور فكرة الديمقراطية بوصفها نظامًا حكوميًا شائعًا، وهو الشكل الذي تُنسب إليه اليوم في مختلف البلدان، مثل أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا.
الإسلام هو دين الله جلّ جلاله الأخير، وشريعته الأخيرة التي أُنزلت على محمدٍ صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا الدين العظيم ينظّم حياة الإنسان منذ ولادته إلى وفاته من خلال مبادئ تفصيلية وقواعد عامة.
فكل ما يحدث في حياة الإنسان له حكمٌ في الإسلام؛ إما أن يكون هذا الحكم منصوصًا عليه صراحةً، أو يُستنبط من القواعد العامة للاجتهاد ومن المفاهيم الأساسية للدين.
ومن جهةٍ أخرى، فإن الديمقراطية هي طريقةٌ اكتشفها البشر من أجل انتقال السلطة ومنع ظلم الحكّام، وفي الوقت نفسه، أضاف بعض الناس إليها بعض الظروف والحالات الخاصة.
وبموجب هذا النظام، يملك الناس حق اختيار حكّامهم، كما يملكون حق عزل الحاكم والتمتع بمختلف أنواع الحريات.
وبعبارةٍ أخرى، فإن الإسلام هو منهجٌ شامل للحياة، والحكومة جزءٌ من هذا المنهج؛ أما الديمقراطية فهي طريقةٌ لحل مشكلةٍ من مشكلات الحياة، وقد تؤثر أحيانًا في بعض جوانب حياة الإنسان، ولذلك فإن مقارنة الديمقراطية بالإسلام واعتبارهما مشروعين متوازيين يُعدّ أمرًا غير صحيح وبعيدًا عن الحقيقة.
فالإسلام يتجاوز مجرد حلّ قضية جزئية، وهو أكثر شمولًا وكمالًا، بينما يقوم أساس الديمقراطية على أن الحكم من اختصاص الناس، وأن الشعب هو مصدر السلطة، وهذا يتعارض، من وجهة نظر بعض المسلمين مع القول: «الحكم لله»، وسيأتي بحث هذا الموضوع لاحقًا.
يتناول هذا البحث أهم مبادئ الديمقراطية وأنواعها.
وقبل أن نناقش أنواع الديمقراطية، سنذكر بعض النقاط المهمة، حتى يتمكن القراء من فهم الموضوع بصورة أفضل، وألا يواجهوا صعوبة في استيعاب جوانبه المختلفة.
تنقسم السلطات الأساسية في الدولة إلى ثلاثة أقسام:
1- السلطة التشريعية:
تتمثل المهمة الخاصة لهذه السلطة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالقوانين، وإقرار الميزانية، وغير ذلك من المهام، وتؤدي هذه السلطة وظائفها من خلال البرلمان.
2- السلطة التنفيذية:
تتولى هذه السلطة مسؤولية تنفيذ القوانين، وإدارة الشؤون الداخلية، والعلاقات الخارجية، وغير ذلك من شؤون الدولة، وتمارس صلاحياتها من خلال الحكومة؛ ففي النظام البرلماني تُمارَس السلطة التنفيذية عن طريق رئيس الوزراء والوزراء، بينما في النظام الرئاسي تُمارَس عن طريق رئيس الجمهورية ووزرائه.
3- السلطة القضائية:
تعمل هذه السلطة على الفصل في المشكلات والقضايا القضائية من خلال المحاكم.
في الأزمنة السابقة كانت السلطات الثلاث المذكورة في أوروبا مجتمعةً تحت سلطة شخصٍ واحد أو جهةٍ واحدة، ولذلك نشأت فكرة الفصل بينها بهدف ترسيخ الحرية ومنع الظلم، بحيث تكون كل سلطة منها مستقلة وتخضع لجهةٍ حاكمة خاصة بها، وتُسمّى هذه العملية بـ فصل السلطات.
واستنادًا إلى النماذج التي يعرضها هذا الفصل، تتنوع أنظمة الحكم وتتخذ أشكالًا متعددة.
1- الحكومة الجمعية أو الحكومة البرلمانية:
تُعدّ أمثلة هذا النوع من الحكومات قليلة جدًا، وفي هذا النظام تكون السلطتان التشريعية والتنفيذية متحدتين بشكل كامل؛ فالبرلمان، بوصفه السلطة التشريعية، يختار السلطة التنفيذية بنفسه، وتتركز السلطة الحقيقية في يد البرلمان.
2- النظام الرئاسي:
يكون رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية، بينما يكون البرلمان هو السلطة التشريعية، ويتم انتخاب كلٍّ منهما بصورة مستقلة، وفي هذا النوع من الحكم لا يوجد منصب رئيس الوزراء، وتكون السلطة الأساسية بيد الرئيس، وتُعدّ الولايات المتحدة الأمريكية مثالًا على هذا النظام.
وفي هذا النظام يكون فصل السلطات أكثر صعوبة؛ لأن الرئيس يستطيع حلّ البرلمان، بينما لا يستطيع البرلمان التصويت لعزل الرئيس، وهذا الأمر يختلف تمامًا عن النظام البرلماني.
3- النظام البرلماني:
في هذا النظام ينتخب الشعب أعضاء البرلمان، والحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان يشكّل الحكومة (مجلس الوزراء)، التي تتكون من رئيس الوزراء ورئيس الدولة (الملك) في حال كان نظام الحكم ملكيًا.
ويكون رئيس الحكومة هو قائد السلطة التنفيذية، أما دور الرئيس أو الملك فيكون رمزيًا، بينما تتركز السلطة الحقيقية في يد رئيس الوزراء.
بالطبع، يُعدّ هذا التصنيف تصنيفًا نظريًا، ومع مرور الزمن طرأت تغييرات كثيرة على هذه التقسيمات؛ فعلى سبيل المثال: كانت فرنسا قد طبّقت النظام البرلماني، لكنها بعد عام (1958م) غيّرت نظامها السياسي إلى نظام مختلط، أو بعبارة أخرى إلى نظام شبه رئاسي أو شبه برلماني.
وكان من الضروري ذكر المحتوى السابق لتعريف القراء الكرام بهذه المفاهيم، لأن هذه المصطلحات ستُذكر كثيرًا في سلسلة هذه المذكرات.
والآن ننتقل إلى الحديث عن الأنواع التالية من الديمقراطية:
1- الديمقراطية المباشرة:
يرجع تاريخ هذا النوع إلى اليونان القديمة، فإذا كان جميع المواطنين يديرون شؤونهم بأنفسهم بصورة مستقلة، أو على الأقل يؤدون وظيفتهم الأساسية بصورة مباشرة، فإن ذلك يُسمّى الديمقراطية المباشرة.
وفي القرن الثامن عشر طرح جان جاك روسو موضوع الديمقراطية المباشرة، ومن خلال تقديمه لنظرية الإرادة العامة للشعب أدّى دورًا كبيرًا في ترسيخ فكرة سيادة الشعب وإقامة الديمقراطية المباشرة.
أما اليوم، فإن تطبيق سيادة الشعب بصورة مباشرة أصبح أمرًا غير ممكن بسبب نظام تقسيم العمل، وزيادة عدد السكان، واتساع رقعة المناطق.
2- الديمقراطية غير المباشرة (التمثيلية):
في مثل هذه الأنظمة، لا يمارس الناس السيادة بصورة مباشرة ومستقلة، بل يطبقونها من خلال ممثليهم، وتُعدّ فكرة الديمقراطية التمثيلية أو غير المباشرة أكثر توافقًا مع المجتمعات الكبيرة والمعاصرة ذات الكثافة السكانية العالية.
وفي هذا النوع من الحكم، يتولى الشعب، من خلال انتخاب ممثليه، مسؤولية إدارة السلطة، وخاصة إدارة أعمال البرلمان، وتقوم الفكرة السائدة في هذا النظام على أن السيادة تعود إلى الأمة؛ ولذلك تُعدّ البرلمانات وسائر المؤسسات الحكومية ممثلةً للأمة.
3- الديمقراطية شبه المباشرة:
ينشأ هذا النوع من مزيجٍ بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية غير المباشرة، ففي هذا النظام تُدار شؤون الحكم من خلال المشاركة المباشرة للشعب، إلى جانب اتخاذ ممثلي السلطة للقرارات.
ومع ذلك، فإن أسس هذا النظام تقوم أيضًا على وجود المجالس التشريعية وعلى اتخاذ القرارات من قِبل ممثلي الشعب، لكنه في الوقت نفسه يمنح المواطنين أنفسهم الحق في ممارسة السلطة السياسية والسيادة بصورة مباشرة، وفقًا للقانون.
وعليه يمكن القول، من وجهٍ ما، إن الديمقراطية شبه المباشرة تُعدّ فرعًا من فروع الديمقراطية غير المباشرة.