
الكاتب: محمد داود یوسفي إسحاقزهي
الإسلام والديمقراطية
القسم: 3
بعض الملاحظات المتعلقة بالديمقراطية:
من دون إجراء مقارنة بين النظام الديمقراطي والنظام السياسي في الإسلام، فإن النظام الديمقراطي بصورة منصفة، يُعدّ أفضل من جميع الأنظمة السياسية الأخرى التي جرّبها الإنسان حتى الآن، مثل الملكيات المطلقة والظالمة، والأنظمة الاستبدادية، والحكومات الشيوعية والاشتراكية والفاشية؛ أو أن مستوى الفساد والفوضى فيه أقلّ من مستواه في تلك الأنظمة.
وقد ذكر أنصار الديمقراطية العديد من الفوائد والامتيازات لهذا النوع من الحكم، وسنوردها في السطور الآتية:
1- تربیة الأتباع:
أكد المفكر الفرنسي الشهير ألكسي دو توكفيل أن من أهم مزايا الديمقراطية أنها تعمل بمثابة مدرسة تعليمية للمواطنين.
فالديمقراطية تضمن حق التصويت وحق الاعتراض على الانتخابات، وتعلّم المواطنين الاستخدام الصحيح لحقهم في الانتخاب، وكيفية الاعتراض على نتائج الانتخابات، وهذه فرصة لا يوفرها أي نظام آخر.
ويكتب (غيتل):
«إن أهم فائدة لأي نوع من أنواع الحكم هي أن يعمل على تعزيز فضائل الناس وحكمتهم بأنفسهم، وإن أول معيار للحكم على كفاءة نظام سياسي معين هو مدى قدرته على تطوير المواطنين وتحسين صفاتهم الفكرية والأخلاقية».
2- كفاءة الحكومة:
تُعدّ كفاءة الحكومة من أهم المعايير التي يُقاس بها مدى قوة أو ضعف شكل معيّن من أشكال الدولة، ويمكن قياس كفاءة الدولة من خلال طريقة تعاملها في الظروف العادية، وكذلك في الحالات الطارئة أو الأزمات.
وقد قيل بحق إن الانتخابات العامة، ورقابة الشعب، والمسؤولية العامة تضمن فعالية الديمقراطية مقارنةً بالأنظمة السياسية الأخرى.
فالحكومة نفسها تعمل على جعل الناس أكثر انضباطًا؛ إذ تُنشئ فيهم الشعور بالمسؤولية، وتحولهم إلى مواطنين مخلصين ومستعدين للتضحية.
3- حماية الحريات الفردية:
تُعدّ الديمقراطية الشكل الوحيد من أشكال الحكم الذي يمنح الحريات الفردية، ويضمن حقوق المواطنين من خلال الدستور، وقد دعم جون ستيوارت ميل الديمقراطية على هذا الأساس.
وتُعدّ حرية الرأي والصحافة، وحق عقد الاجتماعات من أهم الحقوق المدنية التي يتمتع بها الناس وتضمنها الأنظمة الديمقراطية.
فالديمقراطية تنظر إلى الفرد باعتباره ذا قيمة، وتضمن له فرصة المشاركة في تقدم المجتمع.
ويرى لاول:
«في الديمقراطية الكاملة، إذا اشتكى أي شخص، فإن شكواه تُسمع».
ويقول هرينشاو:
«إن الديمقراطية تربط كل شخص بخيطٍ عصبي، وتُنشئ علاقة بينه وبين مركز القرار، بحيث يُؤخذ رأي كل فرد بعين الاعتبار».
1- ضمان المساواة:
تطالب الديمقراطية بالمساواة في المجالين الاقتصادي والسياسي على حدٍّ سواء، وتعترف بحق التصويت، وحق الاعتراض على الانتخابات، وحق الوصول إلى المناصب والوظائف الحكومية دون تمييز بسبب اللون أو العِرق أو الدين أو الجنس.
لا تؤيد الامتيازات الخاصة لفئةٍ معينة.
وفي المجال الاقتصادي، تعمل على توفير تكافؤ الفرص للناس، وتحقيق قدرٍ من الأمن الاقتصادي لهم.
وفي الديمقراطية الحقيقية، يتمتع كل فرد بالحد الأدنى من مقومات الحياة وضرورات الأمن الاجتماعي.
2- تثقيف الشعب:
تملك الديمقراطية في الحقيقة تجربةً واسعة في مجال التعليم العام؛ فالحملات الانتخابية تُعدّ في جوهرها نوعًا من التثقيف السياسي، ففي الانتخابات العامة أو أي نوع آخر من الانتخابات، تُطرح القضايا العامة من قِبل مختلف المرشحين ومؤيديهم.
وفي الاجتماعات التي تُعقد، تُوزَّع المنشورات على نطاق واسع، وتُشرح سياسات وبرامج الأحزاب المختلفة، وبهذه الطريقة يطّلع عامة الناس على سياسة الحزب أو المرشح، ثم يصوّتون للمرشح أو الحزب الذي يرضون عن برنامجه العملي.
وهذا النوع من الوعي والمشاركة يرفع المستوى الفكري للشعب، ويمنح الناس القدرة على فهم قضايا البلاد.
ويقول (برنز):
«إن جميع الحكومات تُعدّ وسيلةً من وسائل التعليم، ولكن أفضل أنواع التعليم هو التعليم الذاتي، ولذلك فإن أفضل حكومة هي الحكومة المستقلة، وهي الديمقراطية».
وخلاصة ما ذكره أنصار الديمقراطية:
1- الديمقراطية هي أكثر أشكال الحكم منطقية.
2- تقلّل الديمقراطية من مستوى الفساد السياسي.
3- الديمقراطية هي أكثر الأنظمة الحكومية عدلًا.
3- الديمقراطية وسيلة توافقية لحلّ النزاعات.
4- تزيد الديمقراطية من الولاء والالتزام الوطنيين، وتقلّل من النزعة العِرقية (القومية المتعصبة).
5- الديمقراطية هي أكثر أشكال الحكم استقرارًا.
6- تعزّز الديمقراطية حرية التعبير.
7- تزيد الديمقراطية من النمو الفكري.
8- تحسّن الديمقراطية الحالة النفسية للإنسان.
9- تُعدّ الديمقراطية أساسًا أفضل للإدارة العلمية.
10 تؤدي الديمقراطية إلى تحقيق الكفاءة.
وفي المذكرات القادمة، ستُناقش عيوب الديمقراطية والانتقادات الموجّهة إليها من وجهة نظر المفكرين الغربيين القدامى والمعاصرين، إن شاء الله.
عيوب الديمقراطية:
على الرغم من جميع المزايا التي يُقال إن هذا النظام يتمتع بها، فإننا عندما نتعمق في جوهره وننظر إلى مآلاته النهائية، نجد أنه، على خلاف صورته البراقة، ينطوي على جانب خطير، وأن الجوانب الإيجابية فيه كثيرًا ما تُستثمر لتحقيق أهداف خاصة للدول الغربية.
ومن أبرز العيوب التي تُنسب إلى الديمقراطية ما يأتي:
1- سيادة الجهل:
انتقد أرسطو، الذي يُعرف بأبي العلوم السياسية، الديمقراطية، وعدَّها نظامًا فاسدًا ومضللًا، تقوم فيه السلطة على أيدي عدد من غير المؤهلين.
أما أستاذه أفلاطون، فقد وصفها بأنها حكم الجهالة.
كما عبَّر ليكي عن الديمقراطية بقوله: إنها نظام يجعل الحكم ساحةً يتصدر فيها الفقراء والجهلاء وغير الأكفاء، وهم الفئة الأكثر عددًا عند الحاجة إلى التصويت.
وفي ظل الديمقراطية قد يصبح أصحاب الحكمة والكفاءة أقليةً معزولة، بينما يتولى عديمو الخبرة زمام القيادة، ونتيجة لذلك قد يصل إلى مواقع التمثيل الشعبي أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة والخبرة، ويكونون بعيدين عن مهارات الإدارة والحكمة العملية.
2- انعدام الالتزام:
يقوم هذا النظام في بنيته على أصوات الناس، في ظل غياب الالتزام الديني والإيمان بالتوجيهات الإلهية، ومن ثم فإنه يفتقر إلى الرقيب الضميري والسند الديني، وليس صحيحًا أن الناخبين يشعرون دائمًا بالمسؤولية في اختيار الشخص الأكفأ، أو أنهم بمنأى عن الأغراض الشخصية والتأثيرات المختلفة، كما أن آمال الناس ورغباتهم قد ترتبط بفوز شخص أو حزب معين وخسارة آخر، وقد تؤثر هذه الاعتبارات في ترشيح المرشحين وإبداء الآراء، فلا يكون الحق والعدل هما الدافع الوحيد في اتخاذ المواقف.
ولهذا، فإن العدالة كثيرًا ما تكون من أقل الاعتبارات حضورًا في مثل هذه المجالس، ويُستشهد على ذلك بمنظمة الأمم المتحدة؛ فعلى الرغم من مكانتها الدولية الرفيعة، فإن معظم ممثلي الدول، أو جميعهم، يراعون عند التصويت اعتباراتهم الخاصة ومواقفهم السياسية.[1]
فإذا قدَّموا مشروع قرار، أو ألقوا خطابًا، أو أعلنوا تضامنهم مع الشعوب الضعيفة ودافعوا عن حقوقها، فإن ذلك – من وجهة نظر الكاتب – لا يعدو أن يكون جزءًا من ممارسات سياسية واستعراضات إعلامية تُخطط وتُنفَّذ لتحقيق أهداف خفية.
كما أن رأي الأغلبية، سواء أكان في إطار الأحزاب أم خارجها، لا يكون دائمًا أقرب إلى المصلحة أو الصواب، بل قد يكون رأي الأقلية المستقلة أقرب إلى الحق، ولا سيما إذا كانت كفاءة أصحاب هذا الرأي ومكانتهم العلمية والمهنية تعززان من مصداقيتهم.
فعلى سبيل المثال، في قضية سياسية أو قانونية، قد يكون المتخصصون في السياسة أو القانون أقلية، ومع ذلك فإن رأيهم، وإن خالف رأي الأغلبية، يكون أكثر تأثيرًا وأجدر بالاعتبار.
3- إلزام الأقلية برأي الأغلبية:
ومن الاعتراضات الأخرى على هذا النظام أنه إذا قامت الأغلبية – على سبيل المثال – بنسبة80٪ بالتصويت لصالح نظام حكم الأغلبية، أو لما يُسمّى بحكم الشعب، بينما عارضه 20٪، فما ذنب هذه الأقلية التي لم توافق على هذا الاختيار؟ وكيف يمكن إلزامها بما اختارته الأغلبية؟!
وبعبارة أخرى، لو افترضنا أن مئة بالمئة من أفراد مجتمع ما قبلوا نظام الأغلبية أو أي نظام آخر، فلماذا يُلام الأشخاص الذين يبلغون سن الرشد بعد ذلك ويصبحون ضمن الأقلية إذا لم يقبلوا هذا النظام؟ إن إلزامهم به يُعد ظلمًا وإكراهًا.
4- تأثير الثروة في الحياة السياسیة:
إن كثيرًا من أنصار الديمقراطية الحديثة ينتمون إلى الطبقات الرأسمالية، إذ إن هذا النظام الديمقراطي يخدم مصالح طبقات المالكين، فقد تحولت عملية التصويت إلى سلعة تُباع وتُشترى، وأصبح من يملك القدرة المالية الأكبر قادرًا على التأثير فيها، وكأنها معروضة في مزاد علني.
كما أن بعض الأثرياء من أصحاب رؤوس الأموال والطبقات التجارية الكبرى يشترون النفوذ السياسي بصورة مباشرة، وينتهي بهم الأمر إلى السيطرة على الحكومات، وهم يستخدمون وسائل الإعلام والمنابر المختلفة للحصول على دعم الناس من أجل تمرير السياسات التي تخدم مصالحهم.
ويُقال: “إن الأحزاب السياسية تعمل بأموالها، وإن كثيرًا من السياسيين أصبحوا أدوات في أيدي الأغنياء”، وقد أشار (بريس) إلى التأثير السلبي لقوة المال في السياسة، مؤكدًا أن المال يعرقل عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية ويفسد الديمقراطية، كما وصف الماركسيون الديمقراطية الأمريكية بأنها “ديمقراطية عبادة الدولار”.
وقال (لينين) عن حق التصويت في الديمقراطية الرأسمالية: “إن حق التصويت في المجتمع الطبقي سراب ومصدر غير واقعي، أما الحقيقة فهي المال ورأس المال”.
وبعبارة أخرى، فإن شكل النظام السياسي في الديمقراطية قد يكون ديمقراطيًا، لكن مضمونه – وفقًا لرأي الكاتب – هو حكم الأغنياء، ويرى الماركسيون أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تتطور إلا بعد القضاء على الرأسمالية وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء.[2]
5- حكم الشعب:
تُعرَّف الديمقراطية بأنها حكم الشعب، وفي النظام الديمقراطي تُتخذ القرارات في مختلف القضايا على أساس رأي الأغلبية، كما أن مجالس الوزراء، واللجان التحكيمية، والمحاكم تتخذ قراراتها وفقًا لأغلبية الأصوات.
وكذلك فإن الأحزاب السياسية تتكوّن من جماعات من الناس، وهي الأخرى تتخذ قراراتها على أساس رأي الأغلبية، أما الشخص الذي يصوّت ضمن جماعة أو في إطار حزب معين، فإنه قد يفقد شخصيته الحقيقية واستقلال رأيه، ويذيب ذاته داخل إطار الجماعة.
6- ضعف الثقافة السياسية:
يرى المنتقدون أن الديمقراطية تؤدي إلى ضعف التربية المدنية، فالحملات الانتخابية غالبًا ما تكون مليئة بالخداع والتزييف، حيث يتم تضخيم الحقائق أو تحريفها في كثير من الأحيان عند عرضها أو الحديث عنها.
ونادرًا ما يحصل الناخبون على صورة دقيقة عن برامج الأحزاب وخصائص القيادات التي تسعى إلى تولّي المناصب في المجالس التشريعية أو في الحكومات.
وفي الواقع، فإن بعض الديمقراطيين الأذكياء يخاطبون الناس بأسماء وشعارات براقة، ويدعونهم إلى التصويت لهذا المرشح أو ذاك الحزب باستخدام عبارات فارغة ومضللة، فيُغفلون حقيقة الأمر، وبهذه الطريقة ينشأ لديهم شعور زائف بالمساواة وبالقدرة الفكرية، بحيث يظنون أنهم – مثل غيرهم تمامًا – الخيار الأفضل لإدارة شؤون البلاد.
7- عدم استقرار الحكومة:
تكون الديمقراطية غير مستقرة ما دام استمرارها قائمًا على رضا الناس عنها، فالعقل الجمعي لعامة الناس، الذي يتصف أحيانًا بالتقلب وعدم التوقع، يمكن أن يثور في أي وقت ضد الحكومة القائمة ويؤدي إلى سقوطها.
وتتغير الحكومات، ولا سيما في الدول متعددة الأحزاب، بسرعة كبيرة، بل قد تتغير في ليلة وضحاها، وقد قيل إن الفرنسيين يغيّرون وزراءهم بسرعة كما يغيّرون قمصانهم الجديدة.
ويبلغ متوسط مدة بقاء الوزير في فرنسا تسعة أشهر فقط، وكان هنري مين يعتقد أن جميع أشكال الحكم أصبحت، منذ ظهور الديمقراطية، أكثر اضطرابًا وعدم استقرار مما كانت عليه في السابق.[3]
كانت هذه بعضَ عيوب الديمقراطية التي ذكرها ودوّنها المنتقدون.
يتبع..
[1] أسس علم السياسة، ص: 304
[2] أسس علم السياسة، ص: 305