
الكاتب: أبو رائف
الماسونية القسم الثاني عشر
طبقات الماسونية
تحدّثنا في المبحث السابق عن درجات الماسونية والأشخاص الحاصلين على تلك الدرجات، ولكن ينبغي أن نعلم أن عامة الماسونيين الذين ينالون هذه الدرجات لا يتساوون في المرتبة مع المنتمين إلى «السلطة الخفية»؛ إذ لا يستطيع عامة الماسونيين الاطلاع على الأسرار الحقيقية والخفية، ولا يحقّ لهم أن يطمحوا إلى المشاركة في قيادة الماسونية وإدارتها.
كلا! لقد حسمت «السلطة الخفية» هذه المسألة منذ أن تولّت إدارة شؤون الجمعية الماسونية؛ فقصرت حق القيادة على نفسها وعلى من تختارهم لتولّيها، سواء أكان هؤلاء من أصحاب الدرجات الماسونية العليا أم لم يكونوا. والمعيار الوحيد لاختيارهم هو أن يكونوا مصطبغين بصبغة الصهيونية، وسائرين على النهج الشيطاني لأصحاب الفكر الصهيونية.
أما الذين انخدعوا بخيال الدرجات وأوهامها، فهم كسائر الأعضاء؛ تصل إليهم أوامر من جهة لا يعرفونها، فينفّذون تلك الأوامر من غير أن يدركوا أهدافها الحقيقية.
ولعلّ أوضح دليل على هذه الحقيقة شهادة أحد الحاصلين على الدرجة الرابعة والثلاثين، وهي أعلى الدرجات الماسونية، إذ يقول:
«أصبحتُ هنا في عِدادِ شيوخ البنّائين الأحرار، ولكنني، على الرغم من المنزلة الرفيعة التي كنت أتمتّع بها في هذه الدرجة العظيمة، لم أكن أعلم من أين كانت تصل إلينا هذه الأوامر العليا المتعلقة بمختلف الإجراءات، حتى إن رئيس محفلنا لم يكن يعرف مصدرها الأصلي. ورأيت جميع رؤساء المحافل ملتزمين بأوامر مجهولة المصدر تصل إليهم، من قبيل: “التزموا بالأمر العالي كما التزمنا به، وافعلوا كذا وكذا”؛ أو: “بناءً على أوامر لا يسمح القانون بالكشف عن مصدرها، يجب عليكم دفع مبلغ كذا؛ لتتّسع دائرة نشاط الجمعية وتتحقّق مصالحها”، وما شابه ذلك».[1]
وبناءً على ذلك، ليست طبقات الماسونية متساوية، بل تتكوّن من ثلاث طبقات متفاوتة المراتب:
-
الطبقة الأولى، وهي الطبقة الدنيا: وهي تسمّى الماسونية الرمزية العامة، أو «الماسونية الزرقاء»
هذه طبقة العميان المبتدئين الذين أعمت أبصارَهم شعاراتُ «الأخوّة والمساواة والحرية». وقد ينال هؤلاء الأشخاص أعلى الدرجات، وقد يكون أحدهم ملكًا أو أميرًا أو صاحب منصب أو شخصية نافذة، ولكنهم، مع ذلك كله، كالعميان الذين يُوجَّهون ويُقادون من جهة لا يعرفونها.
يقول «ألبرت بايك»، وهو من كبار الشخصيات الماسونية:
«ليست الدرجات الزرقاء إلا الساحة الخارجية للمعبد. وفي هذه الدرجات، يُعرَض على الوافد الجديد بعض الرموز، لكنه يُضلَّل عمدًا بتفسيرات خاطئة. وليس المقصود أن يفهم تلك الرموز، وإنما المقصود أن يتوهّم أنه قد فهمها. أما المعنى والهدف الحقيقيان لتلك الرموز، فيظلّان محفوظين لدى خبراء الماسونية وأمرائها. ويكفي معظمَ الذين يسمّون أنفسهم ماسونيين أن يتخيّلوا أن كل شيء كامن في هذه الدرجات الزرقاء، وستذهب محاولة كل من يريد تحريرهم من هذه الأوهام سُدًى».[2]
الأهداف الخفية للماسونية في استقطاب الشخصيات المرموقة
-
الاستفادة من ثرواتهم
يبدو أن الهدف من ترقية هؤلاء الأشخاص ومنحهم الدرجات العليا هو الاستفادة منهم، ولا سيما من أموالهم. يقول «آدم وايزهاوبت»، رئيس جمعية «المستنيرين»:
«يوجد بين الأثرياء أشخاص جهلة وسُذَّج ينبغي تعظيمهم وتكريمهم، ولا مانع من منحهم درجاتنا العليا أيضًا؛ لأننا نحتاج إليهم، لا لذواتهم، بل لأموالهم… واعلموا أنهم يفتحون لنا الأبواب؛ فأدخلوهم في الماسونية، واحذروا أن تكشفوا لهم عن هدفنا الحقيقي حتى لا ينفروا منا».[3]
-
استغلال أسمائهم ومكانتهم للدفاع عن الماسونية وتبرئتها
وقد يكون الهدف من ذلك استغلال أسماء هؤلاء الأشخاص ومكانتهم للدفاع عن الماسونية في مواجهة الذين يفضحونها ويكشفون أهدافها الخفية. ولذلك يقول الماسونيون في معرض الرد:
«تضمّ الماسونية ملوكًا وأمراء ونبلاء وسياسيين على اختلاف أذواقهم وتوجّهاتهم، كما تضمّ علماء وفلاسفة ورجال دين، ويُعَدّ أعضاؤها بالملايين. ولو كان كلام أعداء الماسونية صحيحًا، للزم أن يعمل الملوك أنفسهم على تدمير عروشهم وإهلاك أنفسهم، وللزم كذلك أن يكون الرهبان والمشايخ والحاخامات اليهود دعاةً إلى القضاء على الأديان التي يؤمنون بصحتها».[4]
ويقولون أيضًا:
«الماسونية جمعية أخوية عامة، ولم تتدخّل قط في تنظيم الثورات، ولم تخض في المسائل السياسية أو الدينية. ولا يمكن لجمعية كان المرحوم الشيخ محمد عبده، مفتي الإسلام في مصر، من أعضائها أن تكون مخالفة للأديان».[5]
بعض أعضاء الماسونية العامة الذين اكتشفوا حقيقتها
غير أن شكوكًا مقلقة ساورت بعض هؤلاء الأشخاص، وقادهم نور العقل إلى إزاحة ستار الخداع واكتشاف الحقيقة الخفية. ولم تهدأ ضمائرهم حتى أعلنوا براءتهم من الماسونية، وكشفوا علنًا خفاياها القبيحة، ومن هؤلاء:
-
السيد جمال الدين الأسدآبادي «الأفغاني»
كان السيد جمال الدين الأسدآبادي قد انضم إلى الماسونية في بداية الأمر، ثم قال:
«كان أول ما جذبني إلى العمل في صفوف البنّائين الأحرار ذلك الاسم الكبير والخطير: “الحرية والمساواة والأخوّة”. ولكن تبيّن لي بعد ذلك أن هذا الاسم ليس سوى خدعة تخفي وراءها جراثيم الأنانية والنزعة الفردية وحب الرئاسة، وتدفع إلى العمل وفق أهواء الجماعات والخضوع لأوامر مركز بعيد».[6]
-
الشيخ محمد عبده
