
الکاتب: المفتي أحمد الله (المهاجر)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم السابع والعشرون)
الحياة السياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله (تابع)
الإمام أبو حنيفة رحمه الله والعباسيون:
البيئة السياسية في العصر العباسي
بدأت الدعوة إلى إقامة الدولة العباسية على يد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سنة 100هـ، بهدف إسقاط الحكم الأموي والدعوة إلى أهل البيت، وفي بدايتها، توجه الدعاة إلى العراق وخراسان لنشر هذه الدعوة.
وفي سنة 124هـ، بعد وفاة محمد بن علي، واصل ابنه إبراهيم بن محمد بن علي هذه الدعوة، وقد ازدادت قوة الدعوة العباسية في عهد آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد، ثم أُلقي القبض على إبراهيم في منطقة الحميمة بالأردن وفي جبال الشراة، وتوفي في السجن.
بعد ذلك واصل قادة العباسيين هذا التمرد، ووفقًا لوصية إبراهيم، تولّى أخوه عبد الله بن محمد، المعروف بلقب السفاح، قيادة الحركة، وحصل على بيعة الناس، وتمكن من فتح العراق وخراسان وبعض مدن الشام، وفي النهاية فرّ مروان إلى مصر، حيث أُلقي القبض عليه وقُتل سنة 132هـ.
وبهذه الأحداث انتهى حكم الدولة الأموية، وقامت الدولة العباسية، وقد اختير أول خلفاء بني العباس، أبو العباس عبد الله بن محمد الملقب بالسفاح، خليفةً للمسلمين، واستمر حكمه حتى سنة 136هـ. ثم تولّى الخلافة بعده أخوه أبو جعفر المنصور.
في بداية قيام الدولة العباسية، كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله مستعدًا للتعاون معهم، وكان يحث الفقهاء والعلماء على دعم هذه الدولة؛ لأنه كان قد تعرّض للأذى الشديد في عهد الأمويين، واضطر إلى الهجرة إلى مكة بسبب ظلمهم، وبعد قيام الحكم العباسي عاد إلى الكوفة.
غير أن موقفه تغيّر بعد مدة عندما رأى ما وقع من ظلم العباسيين تجاه أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فمال قلبه إلى نصرة أبناء علي رضي الله عنه.
وقد أظهر الإمام أبو حنيفة رحمه الله علنًا محبته وتأييده لأهل بیت علي رضي الله عنه، ولا سيما أثناء ثورة محمد بن عبد الله بن حسن، المعروف بـ النفس الزكية، في المدينة سنة 145هـ، وثورة أخيه إبراهيم في العراق.
كان أكثر أنصار محمد (النفس الزكية) من خراسان، ولذلك لم يتمكنوا من تقديم المساعدة المباشرة له في ذلك الوقت، ومع ذلك، كانت تربطهم به محبة خاصة وعلاقة قوية، ويُذكر أن الإمام مالك رحمه الله أصدر في المدينة فتوى بجواز الخروج مع محمد النفس الزكية.
وقد روى ابن جرير وابن كثير أن الإمام مالك رحمه الله حثّ الناس على مبايعة النفس الزكية، فاعترض الناس قائلين: إنهم قد بايعوا الخليفة المنصور، فأجابهم الإمام مالك رحمه الله بقوله: «إنما بايعتم مكرهين، وبيعة الإكراه لا تصح».
وبسبب هذه الفتوى، بايع الناس النفس الزكية، والإمام مالك رحمه الله، ثم عادوا إلى بيوتهم.
محاولات أبي جعفر المنصور الفاشلة للتقرب من الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
في الفترة ما بين سنة 148هـ و150هـ، أي منذ اكتمال بناء بغداد وحتى وفاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، بدأ أبو جعفر المنصور محاولاته للتقرب من الإمام وتقوية العلاقة معه، فاستدعاه أولًا من الكوفة إلى بغداد، وضغط عليه لقبول منصب القضاء.
وفي البداية عرض عليه منصب قاضي الإقليم، لكن الإمام رفض هذا الطلب، وبعد رفضه، عرض عليه المنصور منصبًا أعلى في الجهاز القضائي للدولة، إلا أن الإمام عارضه كذلك، وفي النهاية طلب منه أن يتولى منصب قاضي القضاة، أي قيادة القضاء في جميع أنحاء الدولة الإسلامية، بحيث تكون سلطة القضاة جميعًا تحت إشرافه.
ومع ذلك، رفض الإمام أبو حنيفة رحمه الله قبول هذا المنصب أيضًا.
عرض منصب القضاء والاختبار الأخير في حياة الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
كرّس الإمام أبو حنيفة رحمه الله حياته كلها لخدمة إقامة العدل ونظام التوحيد، وعرّض نفسه للمخاطر، وسعى بعزمٍ راسخ إلى تطبيق النظام الإسلامي والعدل القائم على التوحيد بوصفه أساسًا دستوريًا للدولة.
وعندما بذل أبو جعفر المنصور محاولته الأخيرة لاسترضاء الإمام، فعرض عليه مناصب رفيعة، من بينها منصب قاضي القضاة، ظهر أن الإمام كان ينبغي له أن يقبل هذا العرض باعتباره نعمةً من الله، وأن يرحب به طريقًا لتحقيق أهدافه وغاياته.
غير أن بصيرة الإمام أدركته بأن هذا العرض يمثل اختبارًا حاسمًا في حياته؛ لأنه كان يعلم جيدًا أن الهدف الحقيقي من عرض المنصور هو السيطرة عليه وتقييد حركته، وكان أمام الخليفة طريقان لا ثالث لهما: إما أن يُشرك الإمام في الحكم ويمنحه منصبًا مهمًا، أو أن يبعده عن طريقه ويحول بينه وبين أهدافه.
وكان أمام الإمام الأعظم أبوحنفیة رحمه الله خياران أيضًا: فإما أن يقبل عرض الخليفة وينجو بنفسه، لكن ذلك كان يعني التضحية بثمرة جهوده العلمية والتعليمية وإضعاف رسالته، وإما أن يرفض العرض، فيؤكد بذلك شكوك الخليفة تجاهه، ويعرّض نفسه لأخطار كبيرة، ويضحي بحياته من أجل استمرار حركته الإسلامية وتحقيق أهدافه.
اختار الإمام أبو حنيفة رحمه الله الطريق الثاني، فواجه السجن والتعذيب والضرب بالسياط بشجاعة وصبر، حتى انتهى به الأمر إلى الشهادة في سجن العباسيين، وبذلك خلّد أهدافه السامية في تاريخ الكفاح الإسلامي إلى الأبد.
يبتع…