
الكاتب: المفتي محمد نبي "الميداني"
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)
(القسم السابع والثلاثون)
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله ومزايا المذهب الحنفي(تتمة)
ثانيًا: المذهب الحنفي في حقيقته هو ترتيبٌ وتدوينٌ لفقه الصحابة الكرام وفتاواهم
إن أكثر شيوخ مؤسس المذهب الحنفي الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى كانوا ممن تلقّوا الفقه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، علی سبیل المثال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وزيد بن ثابت رضي الله عنه.
ومن هؤلاء العلماء الذين أخذوا هذا العلم عن الصحابة الكرام: نافع مولى ابن عمر، وزيد بن علي بن الحسن، وزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، وجعفر بن محمد الصادق، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، وإبراهيم النخعي، وطاووس بن كيسان، وعامر الشعبي، وعبد الله بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن أبي السائب، وعكرمة مولى ابن عباس، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن دينار، وعون بن عبد الله بن عقبة بن مسعود، وعبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وعبد الله بن حميد بن عبيد الأنصاري، وعبد الله بن سعيد المقبري، رحمهم الله تعالى.
وقد أخذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى وتلاميذه فقه الصحابة الكرام وفتاواهم عن طريق هؤلاء التابعين الكبار، وهذا النوع من الأخذ عن هؤلاء الأئمة من كبار التابعين لم يحصل لأئمة المذاهب الأخرى، إلا أن الإمام مالك رحمه الله تعالى أخذ عن بعضهم.
وهذا يُعدّ -بحسب هذا العرض- دليلًا على أن المذهب الحنفي في حقيقته قد بُني بعد كتاب الله تعالى وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على فقه الصحابة المجتهدين وفتاواهم، ثم جُمعت مسائله ورُتِّبت على أصول الاجتهاد.
ومن ذلك يتضح بجلاء أن هؤلاء الصحابة الكرام كانوا -بالنسبة إلى غيرهم من الصحابة- أكثر فقهًا، وأوفر علمًا، وأقوى في الاجتهاد والمعرفة؛ لأن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وإن كانوا جميعًا أهل فضل وشرف، كان من بينهم فقهاء وغير فقهاء، ولذلك فإن المذهب الحنفي هو المذهب الذي بُنيت مسائله على فقه الصحابة الكرام من أهل الفقه والاجتهاد.
ويقول الإمام مسروق رحمه الله تعالى، وهو من تلاميذ الصحابة الكرام:
عن مسروق قال: شاممتُ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدتُ علمَهم انتهى إلى ستة: إلى عمرَ، وعليٍّ، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، فشاممتُ هؤلاء الستة، فوجدتُ علمَهم انتهى إلى عليٍّ وعبد الله.[1]
أي: تتبعتُ علوم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدتُ أن علمهم يرجع إلى ستة من كبار الصحابة، ثم تتبعتُ علم هؤلاء الستة، فوجدتُ أن أكثره يرجع إلى علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
وهذا يدل على أن المذهب الحنفي لا نظير له من حيث الشمولية والفضل؛ لأن هذا المذهب بُني على فتاوى وفقه أولئك الذين جمعوا علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهى إليهم علم كبار الصحابة.
وقد ذكر أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخه:
قال أبو حنيفة رحمه الله: دخلتُ على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة، عمن أخذتَ العلم؟ قال: قلتُ: عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، فقال أبو جعفر: بخٍ بخٍ، استوثقتَ ما شئتَ يا أبا حنيفة، الطيبين الطاهرين المباركين، صلوات الله عليهم.[2]
أي: يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: دخلتُ مرةً على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، فقال لي: يا أبا حنيفة، عمّن أخذتَ العلم؟ فقلتُ: أخذته عن حماد، وهو أخذه عن إبراهيم النخعي، وهو أخذه عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم. فقال أبو جعفر: بخٍ بخٍ (أي: أحسنتَ وأجدتَ)، لقد أحكمتَ أخذ العلم يا أبا حنيفة، عن أناسٍ طيبين طاهرين مباركين، صلوات الله عليهم.
ولهذا السبب يقول علماء الفقه في بيان شمولية المذهب الحنفي وفضله:
قال خلف بن أيوب: صار العلم من الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرضَ، ومن شاء فليسخط.[3]
أي: يقول خلف بن أيوب رحمه الله: إن العلم قد انتقل من الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ثم انتقل إلى أصحابه الكرام، ثم انتقل إلى التابعين، ثم وصل إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه؛ فمن شاء فليفرح بذلك ويرضَ، ومن شاء فليسخط.
ثالثًا: دُوِّن المذهب الحنفي لأول مرة على هيئة الأبواب والكتب بمنهجٍ قائمٍ على الشورى والإجماع.
يمتاز المذهب الحنفي عن غيره من المذاهب بالشمولية والفضل؛ وذلك لأن مسائل هذا المذهب قد رُتِّبت ودُوِّنت على يد مجموعة من المجتهدين بأسلوبٍ قائم على الشورى والمباحثة، وهذا مما يدل على جامعيتِه ومكانته.
وبعد عصر الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فإن المذهب الذي دُوِّنت مسائله الفقهية لأول مرة في هیئة أبواب وكتب هو المذهب الحنفي، وهذه الخصيصة والميزة اختص بها هذا المذهب.
وكانت مدينة الكوفة -التي أنشأها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه- مركزًا علميًّا كبيرًا، فقد سكنها عدد كبير من الصحابة الكرام والتابعين الفقهاء، ومنهم: الإمام علقمة بن قيس النخعي، والإمام إبراهيم بن يزيد النخعي، والإمام الأسود بن يزيد النخعي، والإمام مسروق بن الأجدع، رحمهم الله تعالى. وقد روى هؤلاء جميعًا الأحاديث والفقه عن الصحابة الكرام.
إضافةً إلى ذلك، كانت الكوفة تضم عددًا كبيرًا من أئمة علم القراءات، وأئمة اللغة العربية، وأئمة النحو والصرف والبلاغة، والمؤرخين، كما وُجد فيها -إلى جانب العلوم الشرعية- علماء في الفلسفة والعلوم العقلية وعلم الجدل، وكان فيها أيضًا أتباع ديانات أخرى، مما جعلها بيئةً علميةً متنوعة.
ويقول الإمام ابن سيرين رحمه الله تعالى: دخلتُ الكوفة، فرأيتُ فيها أربعة آلاف رجل يتعلمون الحديث، وكان من بينهم أربعمائة عالم من الفقهاء.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن عدد الصحابة الكرام الذين كانوا موجودين في الكوفة بلغ ثلاثمائة صحابي رضي الله عنهم.
ففي مثل هذه المدينة التي كانت مركزًا للفقهاء والعلماء من مختلف الاتجاهات، وفيها مدرسة الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى الفقهية والاجتهادية، كان تلاميذه موجودين، وكان -إضافةً إلى تلاميذه- مجتهدون آخرون من كبار العلماء يأتون إلى حلقته العلمية، ويستمعون إلى آرائه واجتهاداته، وكانوا يناقشونه ويباحثونه أحيانًا.
رابعًا: أول لجنة بحثية في الإسلام أنشأها الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله تعالى
كان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى أولَ من أنشأ لجنةً بحثيةً مكوّنةً من أربعين عالمًا؛ بهدف أن يقوم العلماء بالتحقيق والدراسة المتعمقة في المسائل الفقهية، فكان يعرض المسألة أولًا على هذه اللجنة، ثم يستمع إلى آراء العلماء فيها، فإذا اتفقوا على رأيٍ واحدٍ في تلك المسألة، انتقل إلى عرض مسألةٍ أخرى عليهم.
وقد أسّس الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى لجنةً مكوّنةً من أربعين عالمًا ومجمعًا فقهيًّا لتدوين فقه المذهب الحنفي، وكانت هذه اللجنة تضم المفسرين، والمحدثين، واللغويين، والمؤرخين؛ وذلك من أجل دراسة المسائل والموضوعات والأحكام الفقهية من جميع الجوانب، ثم بعد المناقشة والمباحثة يتم تدوين الصورة النهائية والحكم النهائي للمسألة.
ومن خلال ذلك تتضح شمولية المذهب الحنفي ومكانته بين المذاهب الأخرى؛ لأن هذه المسائل لم تكن مجرد آراء فردية، بل نوقشت وبُحثت من قبل جماعة من العلماء المتخصصين، (ووفقًا لما يذكره المؤلف) فإن بعض المذاهب الأخرى كانت تعتمد بصورة أكبر على اجتهادات إمام المذهب وآرائه، بينما امتاز المذهب الحنفي بكون كثير من مسائله قد مرت بمراحل من البحث والمناقشة الجماعية بين الفقهاء وأهل العلوم المختلفة.
وفي هذا المجمع الفقهي كان من أعضاء هذه اللجنة علماء وفقهاء كبار، علی سبیل المثال: الإمام أبي يوسف رحمه الله تعالى، الذي كان إمامًا في الحديث والمغازي، والإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى، الذي كان إمامًا كبيرًا في اللغة، والإمام زفر رحمه الله تعالى، الذي كان بارعًا في القياس، وكان كل واحدٍ من هؤلاء عالمًا مجتهدًا وإمامًا مستقلًّا.
وكان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى هو أول من أنشأ في تاريخ الإسلام لجنةً علميةً وفقهيةً مكوّنةً من أربعين عالمًا من كبار علماء وفقهاء عصره؛ من أجل البحث في الفقه، والتحقيق فيه، والتدقيق في مسائله، وتدوينه، وكان هو نفسه رئيسًا لهذه اللجنة الفقهية.
ويقول الإمام أبو يوسف رحمه الله تعالى في وصف طريقة عمل هذه اللجنة:
«كان أبو حنيفة: إذا وردت عليه المسألة قال: ما عندكم فيها من الآثار؟ فإذا روينا الآثار، وذكرنا، وذكر هو ما عنده، نظر؛ فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالأكثر، فإذا تقاربت وتكافأت نظر فاختار».[4]
أي: كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا عُرضت عليه مسألة يقول: اذكروا لي ما لديكم من الآثار والأحاديث في هذه المسألة، فإذا ذكرنا الآثار وبيّناها، وذكر هو أيضًا ما عنده من الأدلة، نظر في ذلك؛ فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالقول الذي تؤيده الآثار الأكثر، وإذا كانت الآثار متقاربة أو متساوية، نظر واجتهد ثم اختار ما يراه أقوى وأرجح.
«كان أصحابُ أبي حنيفة الذين دوَّنوا الكتب أربعين رجلًا، وكان في العشرة المتقدمين: أبو يوسف، وزفر، وداود الطائي، وأسَد بن عمرو، ويوسف بن خالد السَّمْتي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة».[5]
أي: كان أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى الذين قاموا بتدوين الكتب الفقهية أربعين رجلًا، وكان من العشرة الأوائل والمتقدمين منهم: الإمام أبو يوسف رحمه الله، وزفر، وداود الطائي، وأسَد بن عمرو، ويوسف بن خالد السَّمْتي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة رحمهم الله تعالی وكان يحيى بن زكريا هو الذي يكتب لهم ويُدوّن مسائلهم مدة ثلاثين سنة.
وقد أضاف الإمام العيني رحمه الله تعالى إليهم ثلاثة أشخاص آخرين، وهم: عافية القاضي، ومندل بن علي، وحبان بن علي.
إن هذه الطريقة التي اتبعها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى تُعدّ دليلًا على ما للمذهب الحنفي من شمولية ومكانة؛ لأن تدوين هذا المذهب قد تم وفق ترتيبٍ شاملٍ ومنهجٍ جماعي، ولم يقم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بتدوينه منفردًا كما كان الحال في بعض المذاهب الأخرى؛ بل إن أساس هذا المذهب قائم على الشورى والمباحثة والمناقشة.
فكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يتشاور مع أصحابه والمجتهدين في كل مسألةٍ من المسائل، ويستمع إلى أدلتهم، ويتأمل فيها، ويعرض عليهم أدلته أيضًا، حتى يصلوا إلى الحق والصواب، ثم كان يختار من الأقوال المتعددة القولَ الذي يراه أقوى، ويُدوَّن ذلك في الكتب.
ويذكر بعض العلماء أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد وضع في الفقه ستين ألف مسألة، وجاء في رواية أخرى أنه وضع ثلاثمائة ألف مسألة.[6]
يبتع…
[2] تاريخ بغداد (13/334)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
[3] تاريخ بغداد (13/336)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
[4] المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، علي جمعة محمد عبد الوهاب، ص: 90.
[5] الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (1/140).
[6] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (1/419).