
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 14
الحقيقة السيئة للديمقراطية من وجهة نظر علماء الإسلام
في الصفحات السابقة تعرّفنا إلى تعريف الديمقراطية، أو ما يُسمّى أيضًا بالجمهورية، وتفصيلها، وطرق الحكم فيها، وحقيقتها السيئة، والآن ننقل آراء عدد من علماء الشریعة المشهورين حول الديمقراطية:
الشيخ مولانا مفتي سيد مختار الدين شاه، الخليفة المشهور لشيخ الحديث مولانا محمد زكريا، والعالم الديني الكبير ـ رحمهما الله تعالى ـ، كتب:
«النظام الجمهوري نظامٌ قائمٌ على اتباع الهوى من أوله إلى آخره، ولا يتوافق مع الإسلام بأي حال من الأحوال، ولا يصون للإنسان كرامته».[1]
ويكتب في موضع آخر:
«الجمهورية اسمٌ للقانون الذي يكون قد نشأ برضا أكثرية الشعب، ومن الواضح أن اعتبار مثل هذا النظام الطاغوتي، الذي هو مخالف للإسلام من جميع جوانبه، جزءًا من الإسلام، جريمةٌ جسيمة».[2]
ويكتب في موضع آخر:
«إن حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي ـ رحمه الله تعالى ـ لم يقبل، ولو بمقدار طرفة عين، أن يكون الإسلام قد أرشد إلى طريق الجمهورية، أو أن تكون الجمهورية مطابقةً للإسلام تمامًا، بل انتقد الجمهورية بشدة في مواعظه وخطبه وكتبه المختلفة، وبيّن مفاسد الجمهورية في ضوء الشريعة».[3]
إن وراء النظام الجمهوري في الأصل فلسفةً مستقلة، لا تسير مع الدين خطوةً واحدة، ويكاد يكون الإيمان بـ(العلمانية) شرطًا لها… وقد منحت الجمهورية كثرةَ الأصوات ـ نعوذ بالله ـ درجةً إلهية.[4]
كتب مولانا محمد يوسف اللدهانوي ـ رحمه الله تعالى ـ في شهر شعبان سنة 1410هـ مقالًا ذا مضمون مهم عن الجمهورية، وكان عنوانه: «الجمهورية: الصنم الأكبر في العصر الحاضر»، وسأذكره لك بالتفصيل:
«إن بعض الأفكار الخاطئة قد تحظى بقبول عام إلى درجة أن كبار العقلاء أنفسهم يسلّمون بها، أو لا يدركون أخطاءها، أو إذا شعروا بخطئها فلا يستطيعون أن يقولوا شيئًا في مخالفتها… وفي هذه الأيام نالت الجمهورية نصيبًا من هذا القبول العام، فالجمهورية هي صنم هذا العصر الأكبر (الصنم الكبير)، وقد بدأ العلماء الغربيون أولًا بعبادة هذا الصنم، ولما كانوا محرومين من الهداية السماوية، فقد نحتت عقولهم القاصرة صنم الجمهورية في مقابل سائر أنظمة الحكم، ثم جعلوه نموذجًا مثاليًّا للحكم، وأخذوا يروّجون لهذا النظام بأعلى الأصوات، حتى بلغ صدى ذلك العالم كله، إلى أن أخذ المسلمون أيضًا، تقليدًا للغرب، يدقّون طبول الجمهورية، بل يقولون أحيانًا: (توجد الجمهورية في الإسلام)، وأحيانًا أخرى يستعملون مصطلح (الجمهورية الإسلامية)، ومع أن الغرب يعبد أيَّ صنم، فإن الإسلام لا علاقة له به فحسب، بل إنه مخالف للفكرة السياسية في الإسلام؛ ولذلك فإن ربط الجمهورية بالإسلام، وإضفاء صفة الإسلام على الجمهورية، خطأٌ واضح».
وكل الناس يعلمون أن الإسلام يدعو الناس إلى فكرة الخلافة، وبموجبها أُسندت إلى خليفة رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ورئيس الدولة الإسلامية ونائبه مهمةُ تنفيذ أحكام الله تعالى في أرض الله تعالى، وكما يعرّف مسند الهند، حكيم الأمة شاه ولي الله المحدث الدهلوي ـ رحمه الله تعالى ـ الخلافةَ بالكلمات الآتية:
«هي الرِّياسة العامَّة في التَّصدِّي لإقامة الدِّين بإحياء العلوم الدِّينيَّة، وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد، وما يتعلَّق به من ترتيب الجيوش، والفرض للمقاتلة، وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء، وإقامة الحدود، ورفع المظالم، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر نيابةً عن النَّبيِّ ـ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم ـ».[5]
يعني: الخلافة هي أن يُعيَّن حاكمٌ من قِبل المسلمين، نيابةً عن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ، لتنفيذ أحكام الدين، وطرق إقامة الدين هي كما يلي:
1- إحياء العلوم الدينية.
2- إقامة أركان الإسلام.
3- إقامة الجهاد، وترتيب الأمور المتعلقة بالجهاد، مثل: تنظيم الجيوش، ودفع الرواتب للمجاهدين، وتقسيم أموال الغنائم عليهم.
4- إنشاء جهاز قضائي قائم على العدل، وإقامة الحدود الشرعية، والقضاء على المظالم.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.[6]
الفرق بين النظام الإسلامي والنظام الجمهوري
كما مرّ في البحث السابق، فإن الجمهورية أو الديمقراطية لا تتوافق مع الإسلام بأي وجه، والآن نقرأ أن النظام الإسلامي هو نظام أرسله الله تعالى لمصلحة عباده، وهو نظام نفّذه رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ. وعلى خلاف ذلك، يسود في الجمهورية مفهوم تمثيل الشعب، وهم يعرّفون الجمهورية على النحو الآتي:
«الجمهورية هي نظامٌ للحكم، يتولى فيه الحزب السياسي الذي يملك أغلبية الممثلين الذين يختارهم الشعب إدارةَ شؤون الحكومة، ويكون مسؤولًا أمام الشعب».
وكأن نظام الخلافة الإسلامية والنظام الجمهوري الذي صاغه الغرب يفترقان منذ الخطوة الأولى، لأن:
1- الخلافة تقدّم تصور النيابة عن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ، والجمهورية تقدّم فكرة النيابة عن الشعب.
2- الخلافة تُلقي على عاتق خليفة المسلمين مهمة إقامة الدين، أي: أن يقيم دين الله تعالى في أرض الله تعالى، وأن ينفّذ النظام الذي وضعه الله تعالى لعباده، أما الجمهورية فلا علاقة لها لا بالله تعالى ولا برسوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ، وليس دينها ولا إقامة الدين هدفًا لها، بل مهمتها أن تحقق رغبات الشعب ومطالبه، وأن تضع القوانين وفقًا لرغباتهم.
3- لقد وضع الإسلام شروطًا خاصة لمنصب الخلافة، مثل: أن يكون مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، سليم الحواس، ذكرًا، عادلًا، وعالمًا بالأحكام الشرعية، أما في الجمهورية فلا توجد هذه الشروط؛ فالجمهورية تعني أن من يعرض على الشعب وعودًا براقة، يمكنه أن يحصل على عدد أكبر من المقاعد في البرلمان، ويكون له حق تمثيل الشعب، والجمهورية لا تهتم بأن من يفوز بأصوات الأكثرية، هل هو مسلم أم كافر، صالح أم سيئ، تقي أم فاجر، عالم بالأحكام الشرعية أم جاهل بها تمامًا، وهل هو أهل لهذا المنصب أم ليس أهلًا له؟
وخلاصة القول: إن رضا الشعب وسخطه في الجمهورية هو المعيار الأعظم، وأما الصفات والشروط التي جعلها الإسلام ضروريةً في الحاكم، فبعد حصوله على تأييد الشعب تصبح كلها ـ من وجهة نظر الجمهورية ـ عبثًا ولا محل لها، والأساس الذي وضعه الإسلام للمسلمين للنظام السياسي يكون ـ من وجهة نظر الجمهورية ـ عديم الفائدة والنفع.
4- في الخلافة يكون القرآن الكريم والسنة النبوية فوق الحاكم، وإذا نشأ نزاع بين المسلمين وحاكمهم، فإن الأمر يُرَدّ إلى الله تعالى ورسوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ، ويُفصل فيه في ضوء القرآن والأحاديث، ويكون قبول ذلك واجبًا على الحاكم والشعب معًا، أما قرار الجمهورية فهو أن دستور البلاد هو الوثيقة الأعلى والأقدس من كل شيء، وأن الرجوع إليه ضروري في جميع القضايا المتنازع فيها، حتى إن المحاكم لا تستطيع إصدار حكم مخالف للدستور…
5- يقول عقلاء العالم أجمع: ينبغي في كل أمر مهم أن تُؤخذ المشورة من أهل الخبرة في ذلك الأمر، وبناءً على هذه القاعدة، جعل الإسلام مسؤولية اختيار الخليفة على عاتق أهل الحل والعقد، الذين يعرفون مصالح البلاد، ويعلمون من هو الأنسب لها، كما قال علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «إنَّما الشُّورى للمهاجرين والأنصار»، يعني: إن حق اختيار الخليفة إنما هو للمهاجرين والأنصار وحدهم.
أما فتوى براهمة معبد الجمهورية الوثني فهي أن أهل الخبرة لا حق لهم في اختيار الحكام، بل إن ذلك حق الشعب…
وخلاصة القول: إن الدعوى القائلة تحت عنوان الجمهورية: «حكومة الشعب من أجل الشعب» ليست إلا تضليلًا، وربطها بالإسلام خداعٌ محض، فالإسلام لا علاقة له بالجمهورية الحديثة، ولا للجمهورية علاقة بالإسلام.[7]
يتبع…
[2] أسرار العروج: (15).
[3] أسرار العروج: (20).
[4] أسرار العروج: (21).
[5] إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء: (2)
[6] أسرار العروج: (25ـ27)، دار الإيمان كربوغه.
[7] (أسرار العروج: 27ـ30).
تعليق واحد
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 13 - کلمات عربي