
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 13
النشر بالسيف، ونشر الديمقراطية
لقد قيلت كلمات كثيرة غير صحيحة، ولا تستند إلى أساسٍ ولا دليل، ووُجِّهت انتقادات كثيرة بشأن هذه الكذبة والافتراء القائل بأن الإسلام قد انتشر بالسيف؛ ولكن قيل القليل جدًا عن التطبيق القسري للديمقراطية وفرضها، وعن أبعادها وجوانبها، وعن ذلك الفرض القسري الذي فُرض على حساب إراقة دماء آلاف الناس وتدمير عدد لا يُحصى من البلدان.
إن الإمبراطورية الإعلامية الغربية اليوم تبرّر جميع عقائدها وأفكارها الباطلة والمنمَّقة، وتنقلها إلى البلدان الأخرى، من خلال تضليل الرأي العام العالمي وخداعه، وكذلك توجيهه نحو ما تريد، ثم، بذريعة الأكاذيب والذرائع الواهية المتعلقة بإثارة الخلافات بين مختلف الشعوب، وفرض الحصار والعقوبات على البلدان، والاعتداء على أنفس الآخرين وأموالهم، أقدمت على الاحتلال والاستعمار، فإن لم تكن هذه نتيجة السيف والرمح، فما هي إذن؟ لقد قُتل الناس وهُدّمت بيوتهم في أفغانستان بسبب عملية بناء الدولة على مدى عشرين عامًا وفق النموذج الغربي؛ فإن لم يكن هذا سيفًا، فما هو إذن؟ احتلت بريطانيا الهند، ودمّرت فرنسا إفريقيا تحت ستار الاستعباد، و… وقد حاول كل طرف أن يجلب إلى شعوب هذه الأراضي، على حدّ زعمه، شيئًا باسم الديمقراطية والحرية، وأن يزرع بذورها؛ فما كانت النتيجة؟
ولهذا، فقد سارت الديمقراطية، في الماضي والحاضر على حد سواء، بصورة غير عادلة، على خلاف ما يُعلَن عنها، وتسللت إلى جذع شجرة الشعوب كالنمل الأبيض.
ويقدّم أحد الأرستقراطيين اليونانيين نصيحةً إلى فيليب، ملك مقدونيا، بشأن كيفية السيطرة على اليونان، فيقول: «عِدْ مدنَ إيونيا بالحرية، وانشر كلمة الحرية في آسيا؛ لأن هذه الكلمة عندما انتشرت بين اليونانيين، سقطت إمبراطوريتنا (أثينا) وإمبراطورية إسبرطة»، وفي تلك الحقبة، كانت الحرية تعني أن يكون الشعب هو الحاكم، وهذه هي الديمقراطية، وقد طُبِّقَتْ نصيحةُ ذلك الأرستقراطي اليوم.
وأضاف قائلًا: «انشروا كلمة الديمقراطية بين البلدان؛ لأن البلدان ستتجزأ في نهاية المطاف، ولن تقوم إمبراطوريات أبدًا، وستكونون أنتم وحدكم السادة والحكّام، ولن تصبح البلدان أتباعًا لكم وخاضعةً لكم في المجالات السياسية والاقتصادية فحسب، بل في المجالات الثقافية والحضارية أيضًا، وعندئذ ستظهر العلاقة بين السيد والعبد؛ السيد القوي، والعبد الخاضع المتخلّف، وسيصبح الغرب أيضًا قبلةً لآمال العبيد وطموحاتهم، وستكون معاييرهم هي معايير الغرب نفسها، وأيّ إساءة إلى الديمقراطية أو أيّ انتقاد لها في بلاد الخدم والعبيد سيكشف عن تساؤلاتهم واستيائهم»، فانظروا إلى ديمقراطية السيد، كيف هي.
إن الديمقراطية أحدث الطرق وأقصرها التي يريد الغرب من خلالها أن يجعل نفسه سيدًا وحاكمًا، وأن يحوّلنا إلى أتباع فاقدي الإرادة وعبيد، أما طريقهم القديم الفاشل، فكان أن يجعلونا مسيحيين؛ ولم يكن مهمًّا أن نكون مسيحيين متّقين أم لا، لأن هدفهم كان إزالة أكبر حاجز بين ديننا وبينهم في مواجهة سیطرتهم، ومن الأفضل لهم أن تكون مسيحيًّا سيئًا؛ تزني، وتأكل الربا، وتكذب، وتشرب الخمر، وغير ذلك… لأن الإنسان الفاسد والمتمرّد يكون أكثر طاعةً، ويتحوّل إلى عبد وخادم بسرعة أكبر.
أما المستعمر الجديد، فيختار طريقًا مختصرًا وسهلًا، دون الحاجة إلى تنصير الناس، فهو يقلّل ويخفّض مستوى الاختلاف والتباين بيننا وبينهم، ويوصله إلى حدّ الاختلاف الفكري؛ أي إنه يعتبر أن كونك مسلمًا وديمقراطيًا في الوقت نفسه أمرٌ عادي.
هذه هي بداية الطريق، أما نهايته ومآله فهما الأخذ بجميع قيم الغرب وقبولها، وفقدان الشخصية والهوية الذاتية، وعندئذ سيصبح تنصيرنا سهلًا وميسورًا، وبعد ذلك، بدلًا من الجهاد والحرية والشجاعة، سنقدّم الجانب الأيسر من وجوهنا ليتلقى الصفعة، كلما وُجّهت صفعة إلى الجانب الأيمن من وجوهنا، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تنشر أمريكا الديمقراطية؟ ولماذا لا ترفع سيفها في الزمان والمكان المناسبين لنشر الديمقراطية؟ فإذا كانت الديمقراطية، بالنسبة إلى أمتي، علامةً على العبودية والأسر، وخطوةً نحو تدمير هذه الأمة، أفلا يحق لي أن أرفضها؟ إنني أرفض كل دين تكون له مثل هذه النتائج، فكيف إذا كان دينًا أرضيًّا بشريًّا مليئًا بالنقائص والعيوب!
كان الفكر القديم يقول إن الديمقراطية لا تصلح للشعوب المتخلّفة، وقد أصبحت هذه الفكرة ذريعةً لاحتلال تلك الشعوب المتخلّفة، وللنهوض بها وتطويرها، أما الفكر السائد اليوم، بعد الحرب العالمية الثانية، فهو أن الديمقراطية ينبغي أن تُنشر وتُقام في جميع البلدان، وكما قيل في الحجة القديمة، فربما يقولون غدًا إن الديمقراطية لا تصلح للغرب بأي حال من الأحوال، بل ستصبح هذه المسألة ذريعةً لاحتلال البلدان الأخرى وبسط النفوذ عليها، وهذه مسألة واضحة، ويعرفها معظم الناس، لكن هؤلاء هم أنفسهم الذين انخدعوا بالشكل والمظهر، أما من لم يُخدع، وله فكره الخاص ورؤيته وشخصيته المستقلة، فقد سُلّط على رأسه سيف الهجوم العسكري والعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية.
إن سيف الديمقراطية حادٌّ وقاطع إلى درجة أنه لا يتوافق حتى مع الديمقراطية نفسها ولا ينسجم معها، كما كان سيف المحتلين في الأزمنة السابقة متناقضًا إلى حدٍّ بعيد مع الإنجيل؛ ولكن كما كان من الضروري أن يكون سيف حَمَلة راية الإنجيل حادًّا وقاطعًا، فكذلك لا بد أن يكون سيف قادة الديمقراطية حادًّا، فهذا هو قانون البقاء بالنسبة إلى الشخص أو الحكومة القوية، وهذه السياسة وهذه الأساليب ضرورية للبقاء في سدة الحكم.
فطرة الأمم وطبيعتها
يتشابه البشر والأمم بعضهم مع بعض، ولكن لا شك أن لكل إنسان خصائص تميّزه عن غيره من الناس، وكذلك لكل أمة طبيعتها وماهيتها الخاصة التي تُعرَف بها، والعوامل التي تمنح أمةً ما طبيعةً وماهيةً مميزة كثيرة؛ فعلى سبيل المثال، تؤدي العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية، وحتى الجغرافية، دورًا كبيرًا في ذلك، ولكن قليلًا من الناس يدركون هذه الحقيقة.
ونتيجةً لتأثير هذه العوامل نفسها، تختلف الأمم الشرقية عن الأمم الغربية في عدة نقاط، وفي الوقت نفسه، تختلف الأمم الشرقية والغربية بعضها عن بعض أيضًا.
ومن أمثلة هذه الاختلافات ما يمكن ملاحظته في البلدان اللاتينية، كالفرنسيين والإيطاليين الذين يختلفون في بعض الخصائص عن الأنجلوسكسون؛ فعلى سبيل المثال، يغلب الجانب الاجتماعي لدى الشعوب اللاتينية، أي إن الاشتراكية منتشرة بينهم على نطاق واسع، في حين يميل الأنجلوسكسون بدرجة أكبر إلى الفردية، ولديهم ميل أقل إلى الاشتراكية، كما أن أمم الأنجلوسكسون تختلف فيما بينها من حيث الخصائص والسمات؛ فالإنجليز يميلون كثيرًا إلى العزلة، في حين أن الأمريكيين أكثر انفتاحًا على الجانب الاجتماعي وأكثر ميلًا إلى الحياة الاجتماعية.
ومن هنا، فإن الديمقراطية، شأنها شأن أي دين أرضي آخر، هي نتاجٌ ونتيجةٌ لحالة معينة، ولها عواملها الخاصة، وإن كانت بعض هذه العوامل موجودة بصورة مشتركة لدى جميع الأمم؛ فعلى سبيل المثال، يشكّل كراهية الظلم جزءًا كبيرًا منها، ويُعدّ عاملًا مشتركًا بينها.
ومع عدم مراعاة هذه المبادئ الأرضية المحدودة، تستمر محاولات نشر الديمقراطية في الأديان الأرضية وغيرها، وهو ما يُعدّ في حد ذاته اعتداءً على أفكار الآخرين ومعتقداتهم.
وعند الحديث عن النظام البرلماني البريطاني، يقول أحد الكتّاب الغربيين إن جذوره تنبع من التنظيم الاجتماعي الأرستقراطي؛ غير أن البلدان الأوروبية الأخرى سعت إلى تطبيق هذا النظام دون مراعاة هذه المبادئ، وكان ذلك سببًا في فشلها وعدم نجاحها، أما وضع البلدان الشرقية، مع ما بينها وبين البلدان الغربية من اختلافات كثيرة، فمن الواضح كيف سيكون.
والهدف من هذه المناقشات هو بيان أن النقل الكامل وغير القابل للتغيير لنوع الحكم وشكله من مكان إلى آخر أمر خاطئ، بسبب اختلاف الأمم وتباين طبيعتها وماهيتها، وأنه سيؤدي إلى ردود أفعال ونتائج عكسية، وإلى الفشل.
الحقيقة المروّعة للديمقراطية
لقد زوّدت الدول الغربية نفسها بكل أنواع الوسائل والأدوات، وجعلتها قوية وقادرة؛ لكن السؤال المطروح هو: في أي القضايا، وأين، وكيف استخدمت هذه القوة؟
لقد طبّق الحكام والمشرّعون والمنفّذون للأحكام، الجالسون في بلدانهم، قانون القوة وفرضوه، وأقاموا، من وراء الستار، حكم الأقليات، كما طبّقوا القانون نفسه خارج بلدانهم بوحشية بالغة، ودمّروا المناطق والبلدان.
إن التاريخ المخزي للغرب الذي يتغنّى بالديمقراطية مرتبط باحتلال البلدان الأخرى ونهبها، ومرتبط بتاريخ العنصرية وبنظرية تفوّق ذوي البشرة البيضاء وهيمنتهم، ولإخفاء هذا التاريخ الأسود، بدأوا حملةً من التشهير، وأشركوا الأمم الأخرى فيها أيضًا؛ غير أنهم نسبوا إلى الآخرين ذلك العار المشين الذي كان منسوبًا إليهم قبل غيرهم، وفرضوه عليهم، ووصفوا الآخرين بأنهم همجيون ووحوش وغير متحضّرين.
كان اليونانيون الديمقراطيون في العصور القديمة يعدّون الأمم الأخرى متساوية؛ أما الديمقراطيون الغربيون الجدد فيعدّون الأمم الأخرى همجيةً ومتخلّفةً، ويعدّونها شعوبًا من الدرجة الثانية، ثم أدركوا كيف يمارسون النفاق وازدواجية المعايير، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم حَمَلة رسالة الحضارة، ويعرضون الاحتلال والنهب على أنهما وسيلة لتقدّم الشعوب، وبالطبع، فإن التقدّم الذي يقصدونه هو السير نحو العبودية، والانحدار إلى هاوية الإنسانية وحقوق الإنسان.
ولم ينسَ الديمقراطيون الغربيون وغيرُ الديمقراطيين، وهم يخفون جرائمهم، أن يقدّموا الإسلام على أنه المحتل الأصلي، وأنه انتشر بالسيف والرمح، وقد دأبوا دائمًا على نشر مثل هذه الدعاية لخداع أتباعهم وشعوبهم.
لكن في كل أمة، في الماضي والحاضر، أناس عادلون ومنصفون، وما زالوا موجودين حتى اليوم؛ ومع ذلك، فإن قليلًا من الناس يستمعون إلى كلامهم، وقد كشف هؤلاء المنصفون والقلة من الناس حقيقة حكّامهم، وقالوا الحقيقة لشعوبهم، ومن بين هؤلاء «غي دوبوشير»، الذي ألّف كتابًا عن الاستعمار، ليت كل من خُدع من قِبل الحكام الغربيين كان قد قرأ هذا الكتاب.
لقد تحدّث دوبوشير عن الاستعمار الغربي. ونلخّص فهمه وإدراكه للفتوحات العربية الإسلامية في النقاط الآتية:
لم تكن الفتوحات الإسلامية استعمارًا؛ لأنه لم تتحقق فيها، لا من الناحية العملية ولا من الناحية النظرية، شروط الاستعمار، ولم تُرَ أو تُمارَس فيها مظاهر الاستعمار، ولم تكن هذه الفتوحات من أجل إخضاع الشعوب، ولم تكن ثروات البلدان المفتوحة ومواردها الاقتصادية مخصّصة لخدمة الفاتحين (العرب) ورفاهيتهم أو لتحقيق مصالحهم الشخصية.
لم يُجبر الإسلام الشعوب على ترك أديانها، بل ترك لكل إنسان حرية اتباع دينه، ولم يفرض عليهم إلا أن يقدّم لهم الإسلام، بما فيه من فضائل، بوصفه الخيار الأفضل في صورة عملية.
من أسلم، أصبح له ما للمسلمين من حقوق، وكان يستطيع أن يؤدي دورًا في الحكومة، ولم يكن ممنوعًا من الوصول إلى أي منصب، بحسب مواهبه الفطرية أو قدراته المكتسبة.
لم تكن في الفتوحات الإسلامية أمة أو قومية تُعدّ حاكمة أو متفوّقة على غيرها، ولم تستأثر بالسلطة لنفسها بصورة احتكارية، أو تستولي عليها بالقوة والإكراه، ولم تخصّ نفسها وأُسرتها بامتيازات خاصة، بل كانت القيادة والسيادة حقًّا خاصًّا للدين.
قدّمت الفتوحات الإسلامية لأهل الأراضي المفتوحة فرصةً لحياة جديدة، وجعلتهم على قدم المساواة مع الفاتحين، في حين أن المحتلين المسيحيين، الذين جعلوا الشعوب مسيحية، لم يمنحوهم، حتى في أفضل الأحوال، مساواةً معنويةً وروحية.
كم من الناس استمعوا إلى كلام دوبوشير؟ لا نعرف عددهم، لكنهم بلا شك قليلون؛ والسبب معلوم، وهو أوضح من ضوء الشمس، فهم لا يسمحون بأن تظهر حقيقتهم السيئة، ولا يريدون أن يُعرَف غيرهم، سواهم، أبطالًا للإنسانية والأخلاق الحميدة؛ ولذلك لا أحد يروّج لمثل هذا الكتاب، في حين أنهم يشنّون دعاية واسعة ضد من يقول خلاف ذلك.
إنهم شعب وطننا البائس؛ فالمجرمون يقدّمون أنفسهم على أنهم أبطال، ويُذلّون الشعوب المتخلّفة بكل ما يستطيعون، بينما يضحك لهم شعبنا البسيط الساذج ويصدّقهم، وهذه هي الخطيئة الأولى والأخطر للديمقراطيين الغربيين.
يتبع…
تعليقان
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 14 - کلمات عربي
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 12