
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 7
5. العوائق في تحديد الفائز في الانتخابات وتوزيع المقاعد:
في الحقيقة، إن كلَّ دولةٍ ومنطقةٍ إنما هي لأهلها، وتوفّر لهم ظروفَ الحياة الآمنة والدخلَ الكافي؛ ولذلك، ينبغي عند تشكيل الحكومة في أيِّ دولةٍ أن يُستحصل على رضا أغلبية الشعب، فإذا دخلت قوةٌ ميدانَ الحكم، ونظّمت شؤون البلاد، واضعةً هذا المعيار نصب عينيها، أمكن أن يُرجى لها النجاح، وأن تتجدّد في النفوس الآمالُ بإعمار الأرض وازدهارها من خلال إدارتها وسيطرتها، أما الجلوس على كرسي السلطة بالقوة والضغط، وعن طريق الخداع والتضليل، فلن تكون عاقبته إلا الخزي والذل والفضيحة.
وهذا هو السبب في قولنا إن الديمقراطية ليست نظامًا مطلوبًا ومثاليًّا لتحقيق الحكم والحصول على الرضا العام؛ إذ إن أساليبَ اختيار فردٍ أو حزبٍ لإدارة البلاد، المعتمدةَ في أساس النظام الديمقراطي، متعددةٌ، لكنها لا تتصف بقدرتها على استجلاب رضا أغلبية الشعب والحصول عليه.
وفيما يلي، سنشرح ونوضّح هذه الأساليب وما فيها من أوجه القصور في عملية الانتخاب، وسنكشف عن عدم فاعليتها ونثبت ذلك.
بعد أخذ الأصوات، يحين وقت فرزها، وتحديد الفائز في الانتخابات، وإعلان الفوز، وتوزيع مقاعد البرلمان. ولهذا الغرض، توجد عدة طرق:
أولًا: نظام الأغلبية، وهو على نوعين:
1- نظام الأغلبية النسبية أو «Plurality»:
في هذا النظام، يكون الفائز في الانتخابات هو الشخص الذي يحصل على عددٍ من الأصوات يفوق ما يحصل عليه المرشحون الآخرون؛ فعلى سبيل المثال: هناك ثلاثة مرشحين، حصل أحدهم على ٤٠٪ من الأصوات، وحصل المرشحان الآخران على ٣٥٪ و٢٥٪ من الأصوات على التوالي.
في هذا النظام، يكون المرشح الأول هو الفائز في الانتخابات والناجح فيها، والانتقاد الأساسي الموجّه إلى هذه الطريقة هو أنه إذا زاد عدد المرشحين على ثلاثة، فإن الشخص الذي يفوز في الانتخابات، وإن كان قد حصل على أصوات أكثر من غيره، فإنه يكون قد لم يحصل على أكثر من نصف أصوات الناخبين مقارنةً بمجموع أصوات جميع المرشحين، وكما في المثال المذكور أعلاه، فإن من فاز في الانتخابات حصل على ٤٠٪ من الأصوات، وهذا يعني أن ٦٠٪ من الناخبين غير راضين عنه.
ولتلافي هذه المشكلة، توجد عدة حلول، من بينها إجراء جولة ثانية من الانتخابات، بحيث يتأهل لها المرشحون الذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات.
2- نظام الأغلبية المطلقة أو «Majority»:
في هذا النظام، يكون الفائز في الانتخابات هو من يحصل على نصف الأصوات زائد صوت واحد، وهذه الطريقة أيضًا لها مشكلة؛ فإذا لم يحصل أيُّ مرشح على هذه النسبة من الأصوات، فلا بد من إجراء جولة ثانية من الانتخابات.
إن كلا النظامين المذكورين لا يستطيعان تحقيق العدالة؛ لأن جزءًا كبيرًا من الأصوات يضيع، ففي الطريقة الثانية تُعدّ نسبة ٤٩٪ فما دونها غير مؤثرة، بينما تُعدّ في الطريقة الأولى نسبة كبيرة من الأصوات غير مؤثرة، وكانت في المثال السابق ٦٠٪.
ولذلك، اختارت دولٌ كثيرة نظامَ التمثيل النسبي من أجل تحقيق العدل والإنصاف.
ثانيًا: نظام التمثيل النسبي للأقليات السياسية
إن نظامَي الأغلبية اللذين تحدثنا عنهما يُستعملان في الغالب في صورة انتخابات فردية أو دوائرية؛ أي إن الدولة تُقسَّم إلى عدة دوائر انتخابية صغيرة بحسب عدد ممثليها، فعلى سبيل المثال، قد تضم مدينةٌ عدةَ نواحٍ، ويُنتخب في كل ناحية شخص واحد فقط، ولذلك يُسمَّى نظام الأغلبية في كثير من الأحيان بالنظام الفردي أو نظام الدوائر الانتخابية، أمّا في النظام القائم على التمثيل النسبي، فتُقدَّم غالبًا قوائم الأحزاب للانتخابات؛ ولذلك يُعرف في كثير من الأحيان أيضًا باسم نظام القوائم.
وفي نظام التمثيل النسبي، تُوزَّع المقاعد في البرلمان على أساس نسبة الأصوات؛ فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك حزبان، حصل أحدهما على ٦٠٪ من الأصوات والآخر على ٤٠٪ منها، وكان عدد مقاعد البرلمان ١٠٠ مقعد، فإن الحزب الأول يحصل على ٦٠ مقعدًا، ويحصل الحزب الآخر على ٤٠ مقعدًا.
ويتيح هذا النظام للأحزاب التي حصلت على عدد قليل من الأصوات أن تفوز بمقاعد، حتى لا تضيع الأصوات التي حصلت عليها، وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن هذه الطريقة أقرب إلى العدالة من نظام الأغلبية، ولذلك حظي هذا النظام بثقة كبيرة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، واستُخدم بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أنه تُرك فيما بعد في كثير من البلدان.
وهذا النظام ليس خاليًا من أوجه القصور، فأول عيوبه أن عددًا كبيرًا من الأحزاب يدخل البرلمان، ومن ثم لا يستطيع أي حزب، في كثير من الحالات، أن يفوز بأغلبية مقاعد البرلمان، فتتشكّل حكومة ائتلافية من حزبين أو أكثر، غير أن الحكومات الائتلافية غالبًا ما تكون عرضة للانهيار سريعًا والفشل، ولا يستقر الوزراء في مناصبهم، ويؤثر هذا الوضع في السلطتين التشريعية (البرلمان) والتنفيذية معًا.
وكان الحال كذلك في فرنسا؛ ولذلك عُدَّ النظام الفرنسي مثالًا واضحًا على أوجه القصور والعيوب في هذا النظام، إلى أن قُوّيت السلطة التنفيذية سنة ١٩٥٨م، ومُنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، ونحن نرى اليوم الوضع في تركيا، ومدى ما يعانيه برلمانها وحكومتها من اضطراب.
وبعبارة أخرى، فإن السعي إلى تحقيق العدالة بين الأحزاب السياسية، والسير في طريق الديمقراطية، يؤدي إلى قيام برلمان مضطرب وحكومة ضعيفة، وهذا دليل آخر على أنه إذا كنا نريد حكومة قوية، فإننا نحتاج إلى قدر أقل من الديمقراطية.
وبناءً على ما تقدّم، يبدو أن القول بسيادة الشعب في الديمقراطية ادعاء لا أساس له، يُراد به خداع الرأي العام؛ إذ إن كل شخص أو حزب لا يستخدم أصوات الشعب إلا وسيلةً للوصول إلى السلطة وتحقيق أهدافه المحددة والمقصودة، ثم لا يلتفت بعد الفوز إلى آمال الشعب ومطالبه.
الرؤية الشرعية للانتخابات عن طريق الأغلبية
سبق أن بحثنا أن الوصول إلى السلطة في النظام الجمهوري أو الديمقراطي يتم عن طريق الانتخابات، وأن من يحصل على أصوات أكبر عدد من الناس يصل إلى السلطة؛ فلننظر إذن: هل يمكن أن تكون الأغلبية معيارًا شرعيًّا لاختيار الحاكم أم لا؟
لقد تناول مهتمّ دار العلوم ديوبند السابق، حكيم الإسلام مولانا القاري محمد طيب القاسمي ـ رحمه الله تعالى ـ هذا الموضوع بحثًا جيدًا ومهمًّا، ويقول في ختام كلامه: العبرة بقوة الأصوات، وليس بكثرتها، ويضيف في بيان اعتبار كثرة الأصوات:
إن اجتماع عدد كبير من الناس على جهة واحدة لا يؤدي في الإسلام دورًا أساسيًّا في الحكم على الحق والباطل؛ ولذلك لم يجعل القرآن الكريم للأغلبية اعتبارًا في ذاتها، ولم يعدّها أمرًا مهمًّا، بل بيّن في مواضع كثيرة، وبعبارات واضحة، أن الكثرة لا قيمة لها، ولا يُعتمد عليها في مجالات الدين والوطن والتديّن والسياسة جميعًا، وقد قال الله تعالى في مواضع كثيرة:
1- ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.[1]
2- ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.[2]
3- ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.[3]
4- ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.[4]
5- ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.[5]
6- ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.[6]
7- ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾.[7]
8- ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.[8]
9- ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.[9]
10- ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾.[10]
11- ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾.[11]
12- ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾.[12]
13- ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.[13]
14- ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾.[14]
15- ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾.[15]
16- ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.[16]
17- ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.[17]
18- ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.[18]
وبعد إيراد هذه الآيات، يعلّق حكيم الإسلام مولانا القاري محمد طيب – رحمه الله تعالى – قائلًا:
إنَّ اللهَ تعالى نفى في القرآن الكريم عن أكثرية أهل العالم الإيمانَ، ونفى عنهم العقلَ، ونفى عنهم العلمَ، ونفى عنهم محبَّةَ الحقِّ، ونفى عنهم إيصالَ الحقِّ إلى غايته، ونفى عنهم اليقظةَ والانتباهَ والفهمَ السليمَ، ونفى عنهم الوفاءَ بالعهود، ونفى عنهم الهدايةَ، ونفى عنهم ثوابَ الآخرةِ ودخولَ الجنةِ، ونفى عنهم النصرَ والمعونةَ بسبب اغترارهم بالكثرةِ في الجهاد.
بل في الأمور المتداولة، فضلًا عن أن تكون الأغلبية معيارًا للحق، فإنها تكون مركزًا للباطل؛ لأن الواقع يدل على أن أكثر أهل العالم مبتلون بقلة العقل، والجهل، وكراهية الحق، واتباع الظن، والغفلة، ونقض العهود، والضلال، وعذاب الآخرة، ودخول النار، والهزيمة، وغير ذلك، فهل يمكن للكثرة العددية وحدها أن تكون لها في المبادئ الإسلامية قيمة، بحيث تُعتمد أصولًا حاسمةً في الحقوق، ويُلزم الملك أو الحاكم بها؟.[19]
يتبع…
[1] يوسف: ١٠٣.
[2] غافر: ٥٩.
[3] المائدة: ١٠٣.
[4] الروم: ٦.
[5] الأنعام: ١١١.
[6] الزخرف: ٧٨.
[7] المائدة: ٥٩.
[9] يونس: ٩٢.
[10] الأعراف: ١٠٢.
[11] الشعراء: ٢٢٣.
[12] الصافات: ٧١.
[14] الحج: ١٨.
[15] البقرة: ٢٤٩.
[16] التوبة: ٢٥.
[17] المائدة: ١٠٠.
[18] الأنعام: ١١٦.
[19] رسالة «الحكومة الفطرية»، ضمن «مجموعة رسائل حكيم الإسلام»، المجلد السادس، ص ٣٠٤–٣٠٧، مكتبة الأحرار، مردان.