الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
كان الفكر السياسي الإسلامي، منذ نشأته حتى يومنا هذا، من أبرز المجالات التي حظيت باهتمام العلماء المسلمين، وتناولوا في أبحاثهم. وفي العصر الحاضر، ومع انتشار الأنظمة السياسية الحديثة واتساع نطاق الحوارات الفكرية على المستوى العالمي، تحوّل موضوع العلاقة بين الإسلام والديمقراطية إلى أحد أبرز مباحث الفكر السياسي المعاصر، واستقطب اهتمامًا واسعًا من الباحثين والمفكرين والمراكز العلمية. ونظرًا لتعدد الآراء المطروحة حول هذا الموضوع، وتعارضها أحيانًا، فإن دراسته في ضوء المصادر الإسلامية المعتبرة ووفق منهج علمي تُعَدُّ ضرورة لا غنى عنها.
وقد أُلِّف كتاب «الإسلام والديمقراطية» بهدف بيان موقف الإسلام من الحكم، والسيادة، والشورى، والعدل، والحرية، وحقوق الناس، ومكانة المشاركة العامة. ويبدأ هذا الكتاب بالتعريف بمفهوم الديمقراطية، ونشأتها، وأنواعها، وأسسها، ويبحث العلاقة بين الإسلام والديمقراطية دراسةً علميةً تحليليةً موثقةً، بالاستناد إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية، وآراء الفقهاء المسلمين، ووجهات نظر المفكرين المسلمين. كما يستعرض أهم الآراء المؤيدة والمعارضة في هذا المجال، ويناقشها بمنهج نقدي منصف، بما يمكّن القارئ من التعرّف على مختلف أبعاد هذه المسألة بفهم واضح ومستند إلى الأدلة.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، تضطلع إدارة «كلمات» للبحوث والدراسات العلمية برسالة تتمثل أساسًا في توسيع نطاق البحوث الإسلامية الأصيلة، وإنتاج المؤلفات العلمية الموثوقة، والإجابة عن الأسئلة والتحديات الفكرية المعاصرة. وتعتز بتقديم هذا العمل إلى المجتمع العلمي والثقافي، انطلاقًا من إيمانها بأن إنتاج ونشر المؤلفات البحثية القائمة على الأدلة يسهم إسهامًا مهمًّا في تعميق ثقافة البحث، وتعزيز الفكر الإسلامي، وتهيئة المجال للحوار العلمي البنّاء.
وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يتقبل هذا الجهد خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله نافعًا للكاتب والناشر والقارئ، وأن يرزق الجميع التوفيق لخدمة الدين والعلم والحق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في عالمنا المعاصر، وفي هذا الفضاء الذي تفيض فيه الكلمات بلا ضابط، تحولت قيم الصدق والعدل والحرية إلى سلعٍ زائفة قوامها الكذب والقهر والاستعباد والدكتاتورية، حتى أصبح السراب يُرى كأنه ماء، وانطلاقًا من هذا التصور، طُرح في هذه السلسلة من المقالات موضوع الإسلام والديمقراطية، على أمل أن يجد هذا العمل صدىً طيبًا لدى القراء.
تناقش هذه المقالة رؤيةً نقدية للديمقراطية، إذ تصفها بأنها قد تتحول إلى مجرد إطار شكلي يدّعي تمثيل إرادة الشعب وحماية حقوقه، في حين يرى الكاتب أن بعض أنصارها قد يستخدمونها وسيلةً لتحقيق مصالحهم وتعزيز سلطتهم.
ويسعى هذا البحث إلى إظهار الصورة الحقيقية للديمقراطية، كما يراها مؤلف النص، والكشف عن أهداف أنصارها وما يصفه بالمؤامرات التي تُحاك من وراء الستار، ويرى الكاتب أن الديمقراطية الحقيقية تختلف عما يروَّج لها في الحملات الإعلامية والدعائية، وأن وظيفتها الأساسية تتمثل في فرض سيطرة فئةٍ معينة على مصير البلاد.
وفي هذا الجزء من الدراسة، يُناقش الباحث مفهوم الديمقراطية، كما يتناول تاريخها.
تعريف الديمقراطية:
ليس للديمقراطية تعريفٌ واحدٌ متفقٌ عليه، بل تعدّدت تعريفاتها وتنوّعت دلالاتها، شأنها في ذلك شأن كثير من المفاهيم المتداولة في العلوم الاجتماعية، التي يصعب في الغالب وضع تعريفٍ جامعٍ مانعٍ لها، وتشير معظم تعريفات الديمقراطية إلى نظام الدولة، وتُبيّن أسسه ومبادئه الفكرية، فعلى سبيل المثال: الديمقراطية مصطلح مشتقٌّ من الكلمة اليونانية (Demokratia) حيث تُستخدم «ديمو Demo» في مقابل «بولس (polis)» للدلالة على إدارة الشؤون الخارجية للبلاد، في حين تعني «بولس (polis)» إدارة الشؤون الداخلية للبلاد.[1]
إن الديمقراطية في الاصطلاحات السياسية المعاصرة تعني سلطة الأمة وإدارة الحكم من قِبل الشعب.[2]
الديمقراطية هي شكلٌ من أشكال الحكم، يقوم على مبدأ سيادة الشعب، والمساواة السياسية، وإدارة شؤون الدولة على أساس التشاور مع الناس وحكم الأغلبية.
وتشير بعض التعريفات الأخرى إلى المشاركة والانتخابات فقط؛ فعلى سبيل المثال: «تعني الديمقراطية أن يقرر الناس مَن الذي ينبغي أن يحكم، وما الهدف الذي يجب أن يسعى إليه الحكم».[3]
ويرى المفكرون المعاصرون أن الديمقراطية، في مفهومها الأكثر شيوعًا، تشير إلى نوعٍ من أنظمة الحكم التي لا تكون فيها السلطة بيد شخصٍ واحد أو مجموعةٍ محددة من الأشخاص، بل ترتبط بإرادة الأغلبية، ووفقًا لهذا المعيار، يمكن تمييز الديمقراطية عن غيرها من أنظمة الحكم الأخرى.
وبصورة عامة، يمكن ذكر اتجاهين رئيسيين حول الديمقراطية:
1- الديمقراطية هي نظامٌ للحكم في الدولة، وهو ما تشير إليه التعريفات السابقة.
2- الديمقراطية هي تصورٌ للمجتمع، هدفه تحقيق الرفاهية الفردية والاجتماعية لجميع المواطنين.
وفي هذا التصور، تُقدَّم الديمقراطية بوصفها قيمةً وليست مجرد آلية أو نظامٍ إجرائي، فالديمقراطية تُعدّ أسلوبًا للحياة، وإن كانت تُعرض أيضًا في صورة شكلٍ من أشكال الحكم.
تاريخ الديمقراطية:
استُخدمت كلمة الديمقراطية لأول مرة في اليونان القديمة، وتحديدًا في مدينة أثينا على يد كليستينس نحو سنة (510 قبل المیلاد)، فبعد سقوط حكم هيبارك وشقيقه هيبارس، أدخل كليستينس إصلاحاتٍ على القوانين، ووسّع مشاركة المواطنين في إدارة الحكم.
وفي هذا النوع من الديمقراطية، كان جميع المواطنين، باستثناء النساء والعبيد، يشاركون بصورة مباشرة وشخصية في وضع القوانين، وكان يتم تعيين أصحاب المناصب التنفيذية عن طريق القرعة.
يتبع…
القسم التالي

