
الکاتب: المفتي أحمد الله (المهاجر)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم السادس والعشرون)
الحياة السياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله (تابع)
مراحل الحياة السياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله:
المرحلة الأولى:
اتسمت هذه المرحلة بضغط الدولة الأموية واستبدادها، كما شهدت تأييد الإمام أبي حنيفة رحمه الله للإمام زيد بن علي، وهجرة الإمام إلى الحرمين الشريفين بسبب ظلم والي العراق ابن هبيرة، إضافة إلى قيام العباسيين بالثورة على الأمويين، وكانت تلك التحركات تهدف إلى تغيير نظام الحكم فحسب، ولم يكن يُرتجى منها إقامة نظام إسلامي أو ترسيخ أركان الدولة على أسس إسلامية، وقد أخذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله موقفًا ثابتًا إلى جانب الإمام الشهيد زيد بن علي، وكان مستعدًا لبذل كل أنواع التضحيات في سبيل ذلك.
المرحلة الثانية:
تزامنت هذه المرحلة مع ثورة إبراهيم الصائغ، الذي نهض منفردًا في مواجهة ظلم أبي مسلم الخراساني، قائد العباسيين، فنصحه الإمام أبو حنيفة رحمه الله بأن إقامة حركة سياسية واسعة وقوية تُعد ضرورة لتحقيق وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها، غير أن الحماسة الدينية التي استولت على إبراهيم الصائغ منعته من قبولها، فآثر موقفه الشخصي على تحقيق الأهداف الاجتماعية والوطنية، واستُشهد إبراهيم، بينما واصل الإمام أبو حنيفة رحمه الله اهتمامه بتدوين الأحكام الإسلامية، وإعداد جيل من التلاميذ الأكفاء، والعمل على تهيئة مستقبل مشرق للأمة الإسلامية، ومع شدة شوقه إلى الشهادة، كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يرى أن من الواجب تهيئة الظروف التي تجعل التضحية في سبيل الإسلام سببًا لبقاء الدين والأمة واستمرار رسالتهما.
المرحلة الثالثة:
وهي المرحلة الأخيرة من الحياة السياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله، ففي عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، ربّى الإمام عددًا من التلاميذ الذين حملوا الفقه الإسلامي والشريعة، وأسهموا في نشرهما واستكمال بنائهما في مختلف أقاليم العالم الإسلامي، وفي تلك الفترة أيضًا، بدأ محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية، وأخوه إبراهيم الملقب بالنفس الرضية، حركةً واسعةً لإقامة ثورة إسلامية، وكانت أهدافها جميعها ذات طابع إسلامي، وبعد سنوات طويلة من الانتظار، رأى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن أهدافه قد أصبحت قريبة المنال، فانخرط في ميدان النضال والمواجهة.
غير أن الأقدار شاءت أن تبوء تلك الحركة بالفشل، فأصبح الإمام أبو حنيفة رحمه الله هدفًا لانتقام السلطة، وفي نهاية المطاف، بذل روحه في سبيل مبادئه، فنال المقام الرفيع للشهادة. [1]
علاقة الإمام أبي حنيفة رحمه الله وتعاملُه مع الخلفاء الأمويين والعباسيين:
الإمام أبو حنيفة رحمه الله والدولة الأموية
وُلِد الإمام أبو حنيفة رحمه الله سنة 80هـ في مدينة الكوفة، في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وكان الحجاج بن يوسف واليًا على العراق آنذاك، ويذكر الخطيب البغدادي أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله قضى اثنتين وخمسين سنة من عمره في ظل الدولة الأموية، ثم عاش ثماني عشرة سنة في عهد الدولة العباسية.
وعند وفاة الحجاج بن يوسف، كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله قد بلغ الخامسة عشرة من عمره، وقضى فترة شبابه في خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي عُرف بعدله بين خلفاء بني أمية، كما شهد الإمام حكم عدد من الولاة الذين اتسمت ولايتهم بالظلم، أمثال يزيد بن المهلب، وخالد بن عبد الله القسري، ونصر بن سيار، وابن هبيرة، وهم من آخر ولاة بني أمية على العراق.
وكانت الكوفة آنذاك تُعد من أهم المراكز في العراق، ثم ازدادت مكانتها بعد قيام الدولة العباسية، ولا سيما بعد أن أنشأ الخليفة أبو جعفر المنصور مدينة بغداد واتخذها عاصمةً للدولة. [2]
كانت سياسة بعض الأمويين قائمة على أساس سيادة العرب وإذلال غير العرب الذين كانوا يُعرفون باسم الموالي، وقد ظهر هذا التمييز بصورة خاصة في خراسان، حيث اتخذ شكلًا من أشكال الشدة والعنف، مما أدى إلى حرمان الموالي من حقوقهم المدنية والاجتماعية، بل مُنعوا حتى من حمل السلاح وامتطاء الخيل، وقد كان هذا التعامل غير العادل سببًا في تحوّل خراسان إلى مركز للمعارضة ضد الدولة الأموية. [3]
في عهد الخلافة الأموية، كان يُعامل المسلمون الجدد من غير العرب معاملة غير المسلمين، فمع إظهارهم للإيمان وإسلامهم كان يُؤخذ منهم الخراج والجزية، وكانت هاتان الضريبتان من أهم مصادر دخل الدولة الأموية.
وقد وقف الإمام أبو حنيفة رحمه الله في وجه هذه السياسة التمييزية، واستدل بأن أداء الواجبات الشرعية ليس شرطًا أساسيًا في حقيقة الإيمان، وأن ترك بعض هذه الواجبات قد يكون جائزًا في ظروف خاصة؛ مثل المرأة التي تُعفى من الصلاة بسبب عادتها الشهرية، من غير أن تُعد كافرة بسبب ذلك.
إضافة إلى ذلك، بذل الإمام أبو حنيفة رحمه الله جهودًا كبيرة لتحقيق المساواة بين المسلمين، دون اعتبار للعرق أو القومية، وكان يرى أن الإيمان أمر ثابت لا يتجزأ، لا يزيد ولا ينقص.
كانت الدولة الأموية بحاجة إلى دعم علماء الشریعة من أجل تقوية فكرها السياسي ونشره؛ ولذلك عرض ابن هبيرة على الإمام أبي حنيفة رحمه الله قائلًا: «إن شاركتنا وأتيتنا أكثر، انتفعنا نحن وانتفعت أنت أيضًا».
ويبدو أن الأمويين حاولوا في البداية استمالة العلماء بالطرق السلمية لتعزيز شرعيتهم، ولكن عندما رفض علماء أمثال الإمام أبي حنيفة رحمه الله الانضمام إليهم، لجؤوا إلى التهديد واللوم، ومن بين العلماء الذين تعاونوا مع الأمويين كان ابن أبي ليلى، الذي تولّى قضاء الكوفة مدة خمسة وثلاثين عامًا، في عهد الدولة الأموية ثم في عهد الدولة العباسية.
وقد كانت آراء الإمام أبي حنيفة رحمه الله الفقهية، التي كانت تعكس إلى حدٍّ ما توجهاته السياسية أيضًا، سببًا في أن يستغلها خصومه وأعداؤه كوسيلةٍ للهجوم عليه.
علاقة الإمام أبي حنيفة رحمه الله بالدولة الأموية:
كان الفقهاء، بفضل ما لدیهم من مهارة في الفقه الإسلامي وعلم الكلام، قادرين على أداء دور مهم في بيان مفهوم الخلافة الإسلامية وإضفاء الشرعية عليها، وفي عهد الدولة الأموية، قبل بعض العلماء هذا الدور، وساندوا الحكم الأموي، غير أن فريقًا آخر من العلماء عارض الدولة الأموية بوصفهم من أشد منتقديها، وطرحوا آراءهم الفقهية موضع التساؤل.
وفي هذا السياق، كان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله من منتقدي الحكم الأموي، وكما تدل الشواهد التاريخية، فقد كان من أشد المعارضين لهذه الدولة، واتخذ وسائل متعددة لمواجهتها، ولم يرَ في استمرار حكمهم أيَّ مستندٍ شرعي أو ديني يبرر بقاء سلطتهم. [4]
لم تكن للإمام أبي حنيفة رحمه الله علاقات وثيقة مع الأمويين، بل كان يدعم معارضي الحكم الأموي، حتى إنه عند قيام ثورة زيد بن علي زين العابدين ضد هشام بن عبد الملك سنة 121هـ، شبّه الإمام أبو حنيفة رحمه الله خروجه بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر.
وعندما سُئل عن سبب عدم خروجه معه، قال: «منعني من ذلك أمانات الناس، فقد عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبلها، وخشيت أن أموت ولا يُعرَف مصيرها».
وذكر سببًا آخر لعدم مشاركته فقال: «لو علمت أنهم لا يخونونه كما خانوا آباءه، لجاهدت معه؛ لأنه الإمام الحق، ولكنني سأساعده بأموالي».
ثم أرسل إلى زيد عشرة آلاف درهم، واعتذر عن عدم حضوره معه بواسطة رسوله.
وتدل هاتان الروايتان على أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان يرى أن الثورة على الأمويين جائزة من الناحية الشرعية.
يذكر ربيع أنه في سنة 130هـ، في عهد الخليفة الأموي مروان بن محمد، أرسلني والي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ لأقنعه بقبول مسؤولية بيت المال، لكنه رفض هذا العرض، ولذلك أمر ابن هبيرة بضربه بالسياط.
وفي رواية أخرى: لما وقعت الفتن في العراق، قرر ابن هبيرة أن يسلّم ختم الدولة (خاتم الحكم) إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، بحيث لا يُنفَّذ أي أمر أو مرسوم إلا بعد موافقته، غير أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله رفض هذا الطلب، فحلف ابن هبيرة أنه إن لم يقبل فسوف يعذبه.
وطلب الفقهاء الحاضرون من الإمام أن يقبل هذه المسؤولية حفاظًا على حياته، فأجابهم الإمام أبو حنيفة قائلًا: «لو طلبوا مني أن أفتح لهم أبواب المسجد لما فعلت، فكيف وهم يريدون مني أن أقتل المسلمين؟ وإن قتل المسلمين لذنب عظيم، والله لا أفعل ذلك».
فأودعه ابن هبيرة السجن، وكان يجلده كل يوم أربع عشرة جلدة، حتى اضطر الإمام إلى الهجرة إلى مكة. [5]
يروي ربيع بن عاصم أن يزيد بن عمر بن هبيرة طلب من الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن يتولى منصب القضاء، لكنه رفض ذلك، فضربه بسبب هذا الرفض عشرين جلدة.
ويروي ابن نضر عن إسماعيل بن سالم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله ضُرب بالسياط لامتناعه عن تولي القضاء، فلما بلغ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله هذا الخبر بكى؛ لأنه كان قد تعرّض هو أيضًا للتعذيب.
ويقول أبو الأحوص: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعرض لتعذيب شديد في السجن، فلما علم ابن أبي ليلى وابن شبرمة بذلك، قال أحدهما للآخر: «نحن نطلب الدنيا، وهو يبتعد عنها، ومع ذلك يُضرَب بسببها، وهو يمتنع عن قبولها».
يقول يحيى بن أكثم: سمعتُ ابن داود يقول: إن ابن هبيرة كان يخطط لتولية الإمام أبي حنيفة رحمه الله منصب القضاء في الكوفة، لكن الإمام رفض ذلك، فحلف ابن هبيرة أنه إن لم يقبل فسوف يضربه بالسياط.
وجاء في رواية أخرى أنه بسبب هذا الرفض ضُرب الإمام أبو حنيفة رحمه الله بالسياط مرات عديدة، حتى أُطلق سراحه، فهاجر الإمام إلى مكة.
يتبع…
[1] المواقف الثورية والسياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله، ص (32).
[3] تاريخ الحقوق الإسلامية، ص (8).
[5] الخيرات الحسان، ص 66