نبحث في هذا المبحث مؤيّدي الحركة الماسونية، والأشخاص الذين مهّدوا بأقلامهم وجهودهم السبيلَ ل تقدّم هذه الحركة وانتشارها. وقد كان هؤلاء الكتّاب، في الحقيقة، بمنزلة الأذرع القوية للماسونية؛ إذ أدّت مؤلفاتهم دورًا مهمًّا وبارزًا في تفسير أنشطة هذه الحركة وأهدافها الخفية وشرحها. وفيما يأتي أبرز كتّاب الحركة الماسونية ودعاتها:
أولًا: شاهين مكاريوس (ت 1910م)
كان شاهين مكاريوس كاتبًا وصحفيًّا لبنانيًّا، ومن أبرز الشخصيات الماسونية المعروفة في مصر. وكان مؤسّس محفل «اللطائف» الماسوني ورئيسه، وبلغ أعلى درجة ماسونية، وهي «الدرجة الثالثة والثلاثون»، التي تحمل لقب «الرئيس الشرفي الأعظم»، كما صرّح بذلك في كتبه. وكان أيضًا من مؤسّسي صحف «المقطم» و«المقتطف» و«اللطائف». ويمكن عدُّ شاهين مكاريوس أكثرَ الكتّاب العرب خدمةً للمذهب الماسوني بقلمه؛ فقد ألّف قرابة عشرة كتب في هذا المجال، منها: «الآداب الماسونية»، و«الأسرار الخفية في الجمعية الماسونية»، و«الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية»، و«الجوهر المصون في مشاهير الماسون»، و«الدرّ المكنون في غرائب الماسون».[1] وقد أورد شاهين مكاريوس في مقدمة كتاب «الآداب الماسونية»، مفتخرًا، ثناءَ المحفل الماسوني الأعظم في مصر على مؤلَّفه، وجاء في ذلك الثناء: «المحفل الأعظم الوطني المصري إلى الأخ الكريم شاهين مكاريوس، رئيس محفل اللطائف، بعد السلام الأخوي: طالعنا ببالغ السرور كتابكم في الآداب الماسونية، وقدّرنا اهتمامكم بطباعة هذا المؤلَّف المفيد. وفي الجلسة المنعقدة بتاريخ الثاني والعشرين من يونيو الجاري في دار الماسونية، تقرّر منحكم الوسام الماسوني العالمي من قِبَل المحفل الأعظم الوطني المصري، تقديرًا لخدماتكم… التوقيع: كاتب السر الأعظم».[2]
ثانيًا: جرجي زيدان (ت 1914م)
كان جرجي زيدان كاتبًا ومترجمًا ومؤرّخًا وأديبًا لبنانيًّا معروفًا. وقد اعترف في كتابه «تاريخ الماسونية العام» بأنه اعتمد في تأليفه على شهادات كبار أتباع الماسونية الذين كانت تربطه بهم علاقات شخصية، كما اعتمد على الوثائق والنشرات والموسوعات الرسمية التابعة للمحافل الماسونية في الشرق والغرب. وكتب جرجي زيدان: «رأيت هذا العمل واجبًا عليّ، مع علمي بصعوبته… ولجمع أخبار الماسونية في المشرق، راسلت كثيرًا من الإخوة المطّلعين في تلك الأنحاء، فتلقّيت تقاريرهم، ودوّنت حوادث الشرق استنادًا إليها… أما في تاريخ الماسونية في مصر، فقد أخذت معظم المعلومات من حضرة «زولا»، الرئيس الأعظم السابق لمحافل مصر».[3] وأضاف جرجي زيدان أنه استعان في تدوين تاريخ الماسونية في أوروبا بمصادر إنجليزية وفرنسية، وذكر عددًا من المؤلفات، منها:
«تاريخ الماسونية»، لريبولد، بالفرنسية؛
«تاريخ الماسونية»، لفندل، بالإنجليزية؛
«الرموز الماسونية»، لباتون، بالإنجليزية؛
«درجة الهيكليين»، لكلكهون، بالإنجليزية؛
«الماسونية»، لهوغ، بالإنجليزية؛
«أسرار الماسونية»، ليوحنا فيلوس، بالإنجليزية.[4]
ويُعدّ كتاب جرجي زيدان، الذي صدر سنة 1889م، أول مرجع عربي عن الماسونية.وتدلّ العبارات التي أثنى فيها جرجي زيدان على الماسونية في مقدمة الكتاب على أن جرجي زيدان كان من أعضائها؛ إذ كتب: «ليس في أعمال الماسونية إلا ما يدعو إلى الفخر بها، وليس في أصولها إلا ما يزيدها شرفًا… فمبادئها من أشرف المبادئ، وغايتها من أشرف الغايات».[5] وقال صاحب «دائرة المعارف الماسونية المصوّرة» عن جرجي زيدان: «كان من كبار الماسونيين في مصر».[6] كما نسب كثير من الكتّاب والباحثين في هذا المجال جرجي زيدان إلى الماسونية، وعدّوه من أعضاء هذه الحركة.[7]
ثالثًا: عوض الخوري (ت 1929م)
كان عوض الخوري كاتبًا سياسيًّا ومترجمًا لبنانيًّا، ومن أعضاء الماسونية الذين بلغوا درجاتها العليا.[8] وقد حصل، عن طريق رئيس البرازيل «برودنتي دي مورايس»، على وثيقة تاريخية سرّية تفيد بأن جذور الماسونية تعود إلى «جمعية القوة الخفية»[9] اليهودية في القرن الأول الميلادي، وأن الماسونية أُحييت سنة 1717م باسمها المعروف. فترجم عوض الخوري هذه الوثيقة من العبرية والفرنسية إلى العربية، ونشرها للمرة الأولى سنة 1926م، ثم أعاد طبعها سنة 1929م بعد إضافة معلومات تكميلية إليها. وعرض عوض الخوري هذا المؤلَّف على «الأب لويس شيخو اليسوعي»، فقبله الأب لويس شيخو. ونُشر الكتاب بعنوان «تبديد الظلام» أو «أصل الماسونية».[10] وقد أثار هذا العمل غضب الماسونيين، فاتهموا عوض الخوري بـ«النفاق واختلاق الأكاذيب»، مع أن ما كتبه عوض الخوري يُعدّ شهادةَ شاهدٍ من داخل الماسونية. وقد تأيّدت أقوال عوض الخوري لاحقًا بشهادات سياسية وتاريخية متعددة، من بينها ما ورد في المؤلفات الآتية: «حكومة العالم الخفية» لآرثر شريب إسبيريدوفيتش، و«أحجار على رقعة الشطرنج» و«الشيطان أمير العالم» لويليام غاي كار، وهي مؤلفات تشرح دور القوة اليهودية الماسونية في الفتن العالمية.[11]
رابعًا: حنّا أبو راشد (ت 1974م)
كان حنّا أبو راشد أديبًا وصحفيًّا لبنانيًّا، ومن المدافعين علنًا عن الماسونية. وقد ألّف «دائرة المعارف الماسونية المصوّرة» خدمةً لهذا المذهب، وعرّف نفسه بأنه «عميد الماسونية المثالية العالمية»، وصرّح بأن المحفل الأعظم الفرنسي كلّفه بتأسيس المحافل الماسونية. ويُعدّ هذا التصريح دليلًا واضحًا على المكانة الرفيعة التي كان حنّا أبو راشد يتمتّع بها بين الماسونيين.[12]
خامسًا: الدكتور محمد علي الزعبي
هو باحث لبناني صرّح في مقدمة كتابه «الماسونية في العراء» بأنه خالط الماسونيين وجالسهم، وتعرّف إليهم عن قرب، واستمع إلى أحاديثهم ونقلها، كما رتّب مادة الكتاب، مع ذكر التواريخ والأسماء، في سياق عرض آراء مؤيّدي الماسونية ومعارضيها.[13] بل توصّل محمد علي الزعبي إلى نتائج تثبت ما في هذه الحركة من جمال وخير.[14] ويُعدّ هؤلاء من أشهر من ألّفوا في حركة الماسونية السرّية الغامضة وأثنوا عليها، وقد انصبّت جهودهم على تبييض صورة هذه الحركة وإظهارها بمظهر حسن. وحاول هؤلاء الكتّاب تصوير الماسونية في مؤلفاتهم على أنها حركة خيرية تدعم الفقراء والمحتاجين، وتؤمن بالله، ولها تاريخ مشرق، وتتّسم بالتنظيم والتماسك. كما حاولوا الردّ على الشبهات والاعتراضات المثارة ضدها. وقد تولّى بعض هؤلاء الكتّاب مسؤوليات ومناصب رفيعة جدًّا في الحركة الماسونية، بلغت مستوى قيادة جلساتها المركزية ورئاستها.
[1] «الماسونية بين أنصارها وخصومها»، بلا مكان نشر، بلا تاريخ، ص 235.
[2] «الآداب الماسونية»، بلا مكان نشر، بلا تاريخ، المقدمة.
[3] «تاريخ الماسونية العام»، بلا مكان نشر، بلا تاريخ، ص 8.
[4] المرجع السابق.
[5] المرجع السابق، ص 7.
[6] «الماسونية بين أنصارها وخصومها»، بلا مكان نشر، بلا تاريخ، ص 237.
[7] شلش، الدكتور علي، «اليهود والماسون في مصر»، الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الأولى، 1407هـ، بلا مكان للنشر.
[8] الخوري، عوض، «تبديد الظلام أو أصل الماسونية»، بلا مكان نشر، بلا تاريخ، ص 21.
[9] هذه الجمعية جماعة يهودية أسّسها هيرودس أغريبا، حاكم اليهود في فلسطين، سنة 43م، وكان هدفها القضاء على المسيحية في ذلك الزمن والإضرار بالإسلام في العصر الحاضر. وكانت هذه الحركة شديدة السرّية والخفاء، حتى إن كثيرًا من اليهود لم يكونوا على علم بها، غير أنه لم يمض وقت طويل حتى واجهت الحركة التشتت والخلاف وتفكّكت، إلى أن أُعيد تأسيسها وإحياؤها في القرون اللاحقة في صورة الماسونية.
[10] «تبديد الظلام أو أصل الماسونية»، بلا مكان نشر، بلا تاريخ، ص 22.
[11] «الماسونية بين أنصارها وخصومها»، بلا مكان نشر، بلا تاريخ، ص 239.
[12] المرجع السابق، ص 240.
[13] «الماسونية في العراء»، بلا نشر، بلا تاريخ، ص 14.