
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت القسم الثامن والعشرون
الشبهة السادسة: فقدان الدليل على وجود المعاد
من الشبهات التي يذكرها منكرو المعاد أن وجود القيامة والمعاد مجرد ادعاء، ولا دليل على إثباته.
الجواب عن الشبهة
مع أننا قد أثبتنا سابقًا بأدلة قطعية كثيرة، منها آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال العلماء، والأدلة والبراهين العقلية، أن القيامة والمعاد ثابتان، فإننا مع ذلك نتناول في الجواب عن هذه الشبهة ثلاثة أمور:
-
إن البحث في المعاد، وبيان الأدلة على وجوده، فرعٌ على إثبات صفات الله تعالى، كالحكمة والعدل والصدق؛ أي: لا بد أولًا من إثبات أصل وجود الله تعالى وصفاته، ثم يأتي البحث في المعاد وأدلته؛ إذ ليس من المعقول أصلًا أن نتوقع وجود دليل عقلي مستقل لإثبات المعاد من غير معرفة الله تعالى؛ لأن المعاد ليس مفهومًا دينيًّا مستقلًّا ومنفصلًا عن الإيمان بالله تعالى والاعتقاد به، حتى يُبحث بصورة منفصلة ويُثبت على نحو مستقل.
-
الأمر الثاني أن منكري المعاد، على امتداد القرون والعصور التي أثاروا فيها هذا الادعاء، لم يستطيعوا حتى الآن أن يأتوا بدليل واحد على نفي المعاد؛ ولذلك انتهى بهم الأمر إلى الاكتفاء باستبعاده.
-
إن تفاصيل المعاد، كقيام القيامة، والحشر، والجنة، والنار، وغيرها، إنما تثبت بالنصوص الدينية، من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لا بالعقل.[1] وهنا ينبغي لنا أن نتوقف قليلًا، ونطأطئ رؤوسنا تسليمًا، ونقرّ بأنه مع أن العقل يستطيع إدراك أشياء كثيرة، فإنه عاجز تمامًا عن إدراك مثل هذه الأمور، ولا يستطيع أبدًا أن يدرك أمورَ الغيبِ التي أخفاها الله تعالى عنا؛ ولذلك لا نُقحم العقل هنا، بل نقول: إننا نوقن ونؤمن بما أخبر به ربُّنا تعالى ورسولُه الكريم صلى الله عليه وسلم.
الشبهة السابعة: عودة النفس إلى البدن تناسخٌ
يدّعي بعضهم أن الذين يثبتون المعاد الجسماني والروحاني قائلون بالتناسخ؛ لأنهم يقولون بانتقال روح الإنسان من جسم إلى جسم آخر.
فإن قال قائل: إن ما ذكرتموه ـ إذا أُعيدت الأجساد ـ هو التناسخ، وهو انتقال الروح من بدن إلى بدن آخر؛ لأن البدن الأول ليس هو البدن الثاني؛ إذ ورد في الحديث أن أهل الجنة شباب حسان، لا شعر على أجسادهم ولا لحى لهم، وأن ضرس الكافر في النار مثل جبل أُحد؛ ولذلك فإن الذين يقولون بحشر الأجساد في المعاد قائلون بالتناسخ.[2]
الجواب عن الشبهة
يقال في جواب هؤلاء: إن التناسخ إنما يكون إذا لم يُخلق البدن الثاني من الأجزاء الأصلية للبدن الأول. وتسمية مثل هذا الأمر تناسخًا ليست إلا تسميةً؛ لأن التناسخ عند القائلين به يعني أن الأرواح تعود إلى الأشباح في الدنيا، لا في الآخرة. وهم ينكرون الجنة والنار وسائر الأمور المتعلقة بالآخرة.[3]
وينبغي أولًا أن نعلم أن للتناسخ تعريفًا خاصًّا به؛ أما ما نذكره هنا فهو عودة النفس يوم الآخرة إلى بدنها الأول، لتنال ثوابَ ما عملته في الدنيا أو عقابَه، وليس هو ذلك التناسخ الباطل الذي يعتقده بعض الناس. فإذا سميتموه تناسخًا بحسب فهمكم، فلا إشكال في ذلك؛ لأن ما جاءت به الشريعة يجب قبوله بالقلب والوجدان.[4]
تنبيه
ولكي نعرف ما التناسخ، وكيف يقع، ومَن القائلون به، فسنتناول هذا الموضوع ـ إن شاء الله ـ بشيء من التفصيل في القسم الآتي.
يتبع…
[1] القراملكي، محمد حسن، المعاد، أجوبة الشبهات الكلامية 5، ترجمة إلى العربية موسى أحمد قصير، سنة 1440هـ، ص 44–45.
[3] الحنفي، ملا علي القاري، شرح كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة رحمه الله، بلا تاريخ، ص 12.
[4] المسير، د. محمد سيد أحمد، الروح في دراسات المتكلمين والفلاسفة، سنة 1988م، ص 190.