بعد الحديث عن مسألة استقلال الروح أو عدم استقلالها، يحسن بنا أن نتحدث قليلًا عن الروح نفسها؛ لنعرف ما المقصود بالروح، وما المعاني التي يُطلق عليها لفظ الروح، وهل يستطيع أحد أن يدرك كنهها أم لا، وما رأي العلماء في ذلك؟
ولمزيد من التعرّف على المعنى اللغوي للروح، يحسن بنا أن نرجع إلى أشهر المعاجم والقواميس:
جاء في معجم «العين»، وهو من أقدم المعاجم وأشهرها، في تعريف الروح: «الرُّوحُ: النَّفْسُ التي يحيا بها البدن. يقال: خرجت رُوحُهُ، أي: نَفْسُه، ويقال: خَرَجَ فيُذَكَّرُ، والجميعُ أرواحٌ».[1]
وجاء في معجم «المحكم والمحيط الأعظم»: «والرُّوحُ: النَّفس، تُذكَّر وتؤنَّث».[2]
وقد تحدّث صاحب «تاج العروس» عن الروح بشيء من التفصيل، ونذكر هنا جانبًا من كلامه: «الرُّوحُ، بالضمّ: النَّفْسُ. وفي التهذيب: قال أبو بكر بن الأنباري: الرُّوح والنَّفْس واحدٌ، غير أن الرُّوح مذكَّر والنَّفْس مؤنَّثة عند العرب.
أبو الهيثم يقول: الرُّوح إنّما هو النَّفَس الذي يتنفَّسه الإنسان، وهو جارٍ في جميع الجسد، فإذا خرج لم يتنفَّس بعد خروجه، فإذا تمَّ خروجه بقي بصره شاخصًا نحوه حتى يُغمَّض، وهو بالفارسية «جان»، يُذكَّر ويؤنَّث».[3]
ومن المسائل المهمة في هذا الباب: هل النفس والروح شيء واحد، أم هما شيئان متغايران؟
يقول صاحب كتاب «الروح» في هذا الشأن: «اختلف الناس في مسمّى الروح والنفس: هل هما شيء واحد، أم يختلف كلٌّ منهما عن الآخر؟ فذهب الجمهور إلى أن مسمّاهما واحد، وقال بعضهم: إن النفس والروح شيئان متغايران تمامًا».[4]
وسُمّيت الروح بهذا الاسم لأن بدن الإنسان يحيا بها، ويبقى الإنسان بسببها على قيد الحياة.[5]
غير أنه ينبغي أن يُعلم أن لفظ الروح لا يقتصر على معناه المتقدّم، وهو الروح المرتبطة بالبدن التي تفارقه عند الموت وتُسمّى النفس، بل يُطلق على معانٍ أخرى، نذكر فيما يأتي بعضًا منها:
يُطلق لفظ الروح على الهواء الذي يخرج من البدن أو يدخل فيه.
يُطلق لفظ الروح على الهواء الذي يخرج من باطن القلب ويسري في أعماق العروق.
يُطلق لفظ الروح على جبريل عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.[6]
يُطلق لفظ الروح على ما يؤيّد الله تعالى به أولياءه وأحباءه وينصرهم. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾.[7]
يُطلق لفظ الروح على ما أيّد الله تعالى به عيسى عليه الصلاة والسلام ونصره.[8] قال الله تعالى في هذا الشأن: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾[9].[10]
تنبيه
وعلى الرغم من هذه التوضيحات كلّها، لا يعلم أحد حقيقة الروح وكنهها؛ لأن الله تعالى استأثر بعلمها، وحجب حقيقتها عن الجميع. وما أجمل قوله تعالى في شأن الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.[11]
لذلك، يحسن بنا ألا نسعى إلى إدراك كنه الروح، بل نكل علم ذلك إلى الله تعالى.
[10] مع أن لفظ الروح يُطلق على معانٍ أخرى غير ما ذُكر، فإن الاستطراد في تفاصيل هذا الموضوع يُبعدنا عن أصل البحث، وهو عرض الشبهات والإجابة عنها؛ لذلك صرفنا النظر عن ذلك. ويمكن لمن يريد مزيدًا من المعلومات في هذا الشأن الرجوع إلى كتاب «الروح» لابن قيّم الجوزية، وكتاب «الإيمان باليوم الآخر»، مبحث «الروح»، ص 38.